الثلاثاء: 17 سبتمبر، 2019 - 17 محرم 1441 - 07:14 صباحاً
سلة الاخبار
السبت: 24 أغسطس، 2019

“يقول أحدهم إذا فعلتم ذاك الأمر فسأذهب إلى النجف! حسناً، إذهب. من قال لك إن قُم ستضيع من بعدك؟ وجودك في قُم لم يكن مهماً جداً، فما بالك برحيلك إلى النجف”.

 

هذا المقطع لا يعود لخلاف بين مراهقين في الحوزة الدينية الإيرانية “قُم” بل هو مقطع من خلاف بين رجلي دين إيرانيين يعدان كذلك من كبار رجال السياسة وهما عضوان في مجلس خبراء القيادة، أحدهما الرئيس الأسبق للسلطة القضائية وأمين جمعية المدرسين في حوزة قم العلمية آية الله محمد يزدي، والثاني هو رئيس السلطة القضائية السابق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق آملي لاريجاني، وقد تناوبا على تولي مقاليد السلطة القضائية في إيران عشرين عاماً، والآن بدآ بنشر خلافاتهما على العلن وهما يتبادلان التهم بالفساد والافتراء.

قضايا فساد وخلافات تقسيم الكعكة

أرسلت “حركة الطلاب الساعين للعدالة” في جامعة طهران رسالة إلى رئيس السلطة القضائية ابراهيم رئيسي، المعيّن حديثاً آنذاك، في مطلع شهر آذار/ مارس  2019 تطالب فيها بفتح عدد من الملفات الفساد، ألحقت الحركة رسالتها بأخرى تطالب فيها بالتحقيق مع رئيس السلطة القضائية السابق صادق آملي لاريجاني والرئيس السابق في مكتب الرقابة والتفتيش التابع للمرشد الإيراني علي أكبر ناطق نوري، في قضية فساد مالي معروفة باسم “كلاك”، وهي أرض تمتد على مساحة مليون متر مربع تم الكشف عن سرقتها مسبقاً وبناء مدينة “باستي هيلز” المرفهة جداً والتي أثارت حفيظة الإعلام الإيراني بسبب منع المواطنين العاديين من دخولها.

 

الشكوى الطلابية لم تأخذ أبعاداً مهمة في الشارع الإيراني، إلا أن اعتقال السلطات القضائية المساعد التنفيذي لرئيس السلطة القضائية الأسبق اكبر طبري في شهر تموز /يوليو الماضي بتهمة الفساد في السلك القضائي، كانت الخطوة الأكثر جدية تجاه رفاق آملي لاريجاني ومجموعة عمله. لم يمضِ وقت طويل حتى أثيرت في الأوساط السياسية شائعة مفادها أن الأخير راسل المرشد الإيراني علي خامنئي مطالباً إياه بوقف التحقيق مع مساعده طبري وإلا فسيهاجر إلى مدينة النجف العراقية وهي مسقط رأسه، وعلى الرغم من أن آملي لاريجاني فند هذه الإشاعة، لكن بعض السياسيين لم يمروا بها بسلام.

 

تشديد الخلافات العلنية

في 13 آب /أغسطس انضم التلفزيون الإيراني الرسمي للحملة ضد آملي لاريجاني، واستقبل على الهواء إعلاميين محليين تحدثا عن تعامل الأخير السلبي معهما وتلفيقه التهم لهما بسبب متابعتهما قضية فساد مالي. أمام الشاشة يدرك المواطن في إيران أن الهجوم العلني على أحد أفراد النظام الإيراني بحجة مكافحة الفساد ليس إلا تصفية حسابات خاصة بهم لا تهتم بشؤون المواطنين وقضايا معيشتهم.

 

لكن في 16 آب /أغسطس اتخذ الخلاف العلني بين الساسة في إيران منحى مختلفاً أثار غضب الموالين للنظام وسخرية معارضيه، إذ انتقد عضو مجلس خبراء القيادة والرئيس الأسبق للسلطة القضائية آية الله محمد يزدي الذي يشغل بدوره منصب أمين جمعية المدرسين في حوزة قم العلمية، حكومة الرئيس حسن روحاني داعياً إياها للرحيل إذا استمرت في إدارة البلاد بشكل خاطئ، من جهة ثانية فتح بتصريحاته الغاضبة النار على رئيس السلطة القضائية السابق آملي لاريجاني وابن الحوزة العلمية قائلاً له: “وجودك في قُم لم يكن مهماً جداً، فما بالك برحيلك إلى النجف، لماذا تعترض على توقيف مدير سابق في الحكومة؟ هل بنيتم القصور بأموال الحوزة الدينية! من أين لك ذلك؟ هل ورثته عن أبيك؟”.

 

“وجودك في قُم لم يكن مهماً جداً، فما بالك برحيلك إلى النجف؟ لماذا تعترض على توقيف مدير سابق في الحكومة؟ هل بنيتم القصور بأموال الحوزة الدينية”؟ خلافات علنية بين رجلي دين في حوزة “قم” الإيرانية تشعل الوسط السياسي في إيران.

 

البعض يرى أن الحوزة الدينية في “قُم” بدأت تنشر ملفاتها على الملأ وتكشف استغلال العقائد من قبل رجال الدين لمنافعهم المادية البحتة، في حين يرى طرف آخر أن النزاع بين لاريجاني ويزدي هو بداية لمشاكل طويلة ستشهدها إيران سببها الخلاف على من يخلف المرشد الأعلى .

 

لم يقف آملي لاريجاني حيال هذه التهم ساكتاً بل رد عليها في 18 آب/أغسطس برسالة إلى محمد يزدي قائلاً له: “كيف تسمح لنفسك بإهانة الجميع، كيف لك أن تقيّم الآخرين” مستهزئاً بتوطئة كتبها الأخير في كتاب معروف باسم “كتاب القضاء لصاحب عروه” ويكمل آملي لاريجاني رسالته قائلاً: “كلامك في مجلس صيانة الدستور غير دقيق والجميع يعلم ذلك لكنهم احتراماً لسنك يلتزمون الصمت”، لوح آملي لاريجاني لزميله في الحوزة الدينية بقضايا فساد أخرى قائلاً: “صدري خزانة من الأسرار”.

إهانة رموز أهل السنة على التلفزيون تحرج ساسة إيران

إيران: برلماني “مجهول” يصور كواليس البرلمان لفضح الفساد

رحلة الحزن من حلبجة إلى طهران..اختفى في العراق ليظهر بعد عقود في إيران

وسط هذا النزاع العلني حاولت بعض الشخصيات السياسية في إيران (أشهرها رئيس مجلس رئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي) دعوة الطرفين للهدوء وعدم تمكين العدو منهما. جهات أخرى من التيار الأصولي حاولة تحسين صورة هذا النزاع بين رجلي الدين واصفة إياه بالخلاف الفقهي وكأن القضية التي يتنازع عليها الطرفان ليست فساداً مالياً سرق فيه حق الشعب.

 

علق الصحافي الإيراني ياشار سلطان على هذا النزاع بتغريدة قال فيها إن الخلاف اليوم ليس خلافاً بين شخصين بل هو خلاف بين عصابتين من السلطة لا تريان سوى عدو مشترك أمامهما وبدأتا بالانهيار أثناء تقسيم الغنائم، معرباً عن أسفه للعدالة في إيران التي تولاها هذان الشخصان لمدة 20 عاماً.

 

ردود الفعل الشعبية في إيران إزاء هذا النزاع ما زالت مستمرة، فالبعض يرى أن الحوزة الدينية في قم بدأت تنشر ملفاتها على الملأ وكيف يتم استغلال العقائد من قبل رجال الدين لمنافعهم المادية البحتة، في حين يرى طرف آخر من المحللين أن هذا النزاع هو بداية لمشاكل طويلة ستشهدها إيران سببها الخلاف على من يخلف المرشد الأعلى لأن شخصيتي النزاع من أعضاء مجلس خبراء القيادة المشرف على تعيين المرشد الإيراني المقبل.