الخميس: 14 ديسمبر، 2017 - 25 ربيع الأول 1439 - 06:19 صباحاً
ثقافة وفن
الأحد: 3 ديسمبر، 2017

حنان عقيل

خضير فليح الزيدي: المنافسة الروائية مشروعة وهي جارية في الأدب العراقي

ما بين الكتابات المندرجة تحت تصنيف الرواية وكتابات أخرى في إطار السرد المجنّس ثمة خصوصية تطبع كتابات العراقي خضير فليح الزيدي الذي تشي أعماله المتتالية بمشروع أدبي يعمل عليه الكاتب ويسعى لأن يضيف له المزيد من اللمسات والتفاصيل مع كل عمل جديد.

يُبين الزيدي أن الكتب التي أنتجها سواء كانت روايات تخضع لاشتراطات الكتابة الروائية من حيث بنيتها السردية وتقانتها ولغتها أو تلك التي أنتجها في إطار السرد غير المجنّس؛ مثل ما كتبه في إطار السرد عن أدب المكان في كتاب “أمكنة تدعى نحن” ثم عناوين ومتون أخرى مختلفة الاهتمامات عن حياة الجنود في الجبهات عن الباب الشرقي كمكان هامشي والكتابة عن الطعام العراقي في كتاب “تمر ولبن” ومدى خاصية تاريخية المأكل بخصوصيته العراقية. ثم كتابة الرواية العراقية الجديدة في ست روايات مختلفة المواضيع. في كل ما تقدم يتوزع مشروعه الأدبي في ترسيخ خاصيته الأدبية كواحد من المشتغلين في الحقل الأدبي الجاد.

هندسة البناء

المشروع الأدبي يحتاج إلى ضخ المنتج الأدبي المتواصل مثلما يحتاج الثبات في بلورة اللغة الخاصة والرؤية الفكرية في زاوية النظر للوقائع التاريخية ولحظة الحاضر الماثلة. ليس لإظهار التناقضات بينهما بل في تأمل الأشياء من الخارج والداخل. فلم تعد الكتابة الروائية قضية مزاجية أو إلهاما فوقيا أو حالة نرجسية داخل الذات الكاتبة، بل هي قضية اشتغال فكري وميداني لملاحقة الأمكنة وبحث في تفاصيل الوقائع وتدقيق في الوثائق والمخطوطات قبل الشروع في لحظة الكتابة على الورق أو خلف الكيبورد. المخططات والسيناريوهات الابتدائية هي عملية شاقة في رسم البناء السّردي ثم ملاحظة حالات النمو للشخصيات، لا توجد أي نيّة للانزياح اللغوي أثناء الكتابة مطلقا، بل المخططات المرسومة مسبقا هي التي تعمل مثل عمل الهياكل في البناء حتى لحظة الوصول إلى عملية التشطيب النهائية. حتى عملية اختيار اللغة المناسبة لكل شخصية فهي تتبع نظاما دقيقا في لحظات سيكولوجية مرسومة لكل شخصية سواء كانت حقيقية أم متخيلة. الكتابة الروائية الناجحة تشبه إلى حدّ بعيد بناء العمارات وهندسة البناء وجمالية العمارة تشبه لغة الرواية وهندسة البناء السردي فيها.

المركز والهامش

الاهتمام بالذات المهمشة، بالتفاصيل الأنثروبولوجية والمهمش التاريخي والاجتماعي من المحاور التي يهتم بها الزيدي كثيرًا في كتاباته، وهو اهتمام خاص ربما يحمل دلالات مختلفة في ضوء الأحداث المحورية والتغيرات الكبيرة التي تتوالى على العراق. يرى الزيدي أنه بسبب الصراع الذي أصبح أكثر مأساوية بين المركزي في حلبة الضوء ونضيره الهامشي المنبوذ تحت خيمة الظلام، فالحياة الاجتماعية العراقية غالبا ما يرسم مساراتها المهمشون والمنبوذون ويختطفها أهل المركز. المركز وهامشه هو صراع ما بعد الحداثوي الذي رصدته الدوائر التنظيرية ما بعد عصر الكولنيالية. صباغو الأحذية من الشمامين والمخدرين في الأزقة المظلمة، أو سراق النهار والعتالين وباعة العلكة في تقاطع الطرقات لهم جمهوريتهم السرية التي رسموا دستورها السري. هي أوسع من جمهورية المركز حتما في تضخم نفوذها في تغيير السلوكيات العامة وأنماط المعيشة، فالمساحة الهامشية المنبوذة بدت أكثر تأثيرا والمساحة المركزية البراقة أخذت تتقلص في عالم اليوم.

يستطرد الزيدي قائلا “الثورة حدثت في الغرب عندما تفجرت ما أطلق عليه بالثقافة الشعبية، فالحياة العامة في مجتمعاتنا تحرف مسار طبائع عيش وطرائق وأنماط السلوك البشري العام، لذلك فمن المؤكد سيكون قاع المجتمع هو الأكثر تأثيرا على طبيعة الحياة وفق المنظور الثقافي. لقد تحطمت أسوار الطبقة الوسطى في مجتمعنا وأزيلت الحدود الفاصلة التي نظّرت لها طويلا الأدبيات الماركسية في صراع الطبقة الوسطى حيث كانت تمثل البرجوازية الصغيرة في صراعها مع رأسمالية الطبقات المستغِلة للعمال والمزارعين. إذن السؤال القائم هو أين هي شريحة العمال والمزارعين ونحن نستورد كل ما يدعم الحياة في مجتمعات ريعية كمجتمعاتنا؟ إنه لمن المؤكد وغير الممكن تطبيق مسطرة القياس الماركسية على نمط عيش المجتمعات الهامشية خاصة في مجتمعاتنا التي ترفل في الفقر والظلام. تبرعمت الطبقة البديلة في الظل وهي طبقة المهمشين العاطلين عن العمل. هؤلاء سيكون لهم الشأن العظيم والثورة مستقبلا بوجه التكنولوجيا وطرد المركزيين من حدود جنانهم في مساحات ستمدد كثيرا”.

لحظة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق (2003) أزالت اللثام من جديد عن بواطن منجم الشخصية العراقية

ويضيف “تلك هي رؤيتي التنظيرية الشخصية عن تفكيك ثنائية المركز الهامش. لذلك أجد نفسي منقادا لتطبيع نصوصي منذ زمن بعيد وهي مغمّسة برائحة السكارى وأحلامهم المحبطة، ورؤى العاهرات وبنات الليل في النظر للحياة، والنشالين والعتالين في طموحاتهم اليتيمة. هؤلاء هم من استقدموني ككاتب شغوف بالمسكوت عنه والمحظور من الكتابة الأدبية.

أدرك أن للكتابة الأدبية مستوياتها في النظر لعمق المجتمع. الكتابة بين ما هو مغرم في بلاطات السلطة وأروقتها وشخوصها ومستوى مؤامرات الدهاليز السرية، وبين ما هو مغرم في القيعان السحيقة و”مجتمع الحواسم” الذي يقابله مجتمع العشوائيات في مصر.

كانت محاولتي المحفوفة بمخاطر النبذ والرفض لزج النظريات الأنثروبولوجية في الكتابة السردية كما حدث في كتابي الأخير ‘”شاي وخبز” وهو كتاب عن الحكاية العراقية بمقاربة أنثروبولوجية النص، إخضاع هذه النظرية في متن سردية الحكاية. وهي مغامرة لتطبيع السرد وفق أطر أنثروبولوجية للحكاية العراقية المهملة والمتروكة من سلّة تاريخ الحكايات”.

الحس الجغرافي

ثمة اهتمام محوري بالمكان تتبدى سلطته فيما يسطره الكاتب من اهتمام بأدق تفاصيل أحياء وأزقة داخل مدن العراق. يقول الزيدي “يخضع المكان وسلطة تأثيره السحري إلى مرجعية ثقافة الكاتب وحسه الجغرافي في تلمّس الطريق إلى قلب الأمكنة الأليفة، وليس للمزاج وسطوة سحر الأمكنة أيّ تأثير عليه. كلما أزور بلدا ما، تراني أترك الطبيعة الخلابة وجمالها الأخاذ والحياة الملونة بجبالها وخضرتها ووديانها وشلالاتها، وأنقاد مسحورا إلى الأسواق الشعبية والأزقة المتفرّعة منها بمتاهاتها متأملا حياة البسطاء من الناس في نمط المعيشة وتعاملاتهم اليومية وأحلامهم، في المقاهي أو في محال عملهم أو على عتبات بيوتهم، وحتى تكتمل الصورة برأسي يكون عليّ أن أتعاطى معهم لمعرفة أسرار حيواتهم وسر كينونتهم”.

يتابع “يعجبني المفكر المصري جمال حمدان في كتابته عن الشخصية المصرية وعلي الوردي عن المجتمع العراقي، فكلاهما يشتغل بعيدا عن المهمة الأدبية وقريبا من المهمة الثقافية الخالصة. حسب قناعتي الشخصية فالكتابة الثقافية الفاحصة أكثر تأثيرا من قوة الأدب التخصصي في الشعر والقصة والرواية. ثمة كتابة غير مجنّسة هي أكثر قدرة على الرسوخ والبقاء والخلود. الأمكنة سيدة المساحة الفضائية مع وحدتيْ الزمن والحدث للفضاء الثقافي. وحدة المكان هي استنباط فلسفي بعيد كل البعد عن الأدبي المحدود المسحور بالنرجسية وفك طلاسم الذات المحدودة. أنقاد لشم رائحة المكان وتحسس اللون الطاغي في الأسواق وتفكيك أسراره ومعتقداته الميثولوجية كي أصل إلى سر الأسرار. أحدق إلى الشخوص الفاعلين في الأمكنة من العمال والصناع والعاطلين والنصابين وأصحاب الثروات، أغترف من حركتهم المكانية في المحيط خيوط ومسالك لطرائق تطبيقات معرفية قد اختزنتها في رأسي لتتطابق أو تتنافر مع الحالة. ثمة اهتمام عالٍ في عالم اليوم في أدب المكان المتخصص في قراءة المهمل من سلة الرواية والقصة. ألتقطه للغوص في تفاصيله وتلك مهمة ثقافية حداثوية أكثر منها مهمة أدبية”.

الكتابات غير المجنسة أكثر قدرة على الخلود

ويشير الزيدي إلى أنّ لحظة ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق (2003) أزالت اللثام من جديد عن بواطن منجم الشخصية العراقية. فثمة فرق شاسع ومفاهيمي بين الشخصية والذات في الدراسة الاجتماعية والتطبيق الأنثروبولوجي عن الذات العراقية المحطمة بمطارق العنف السياسي والديني والسطوة العشائرية الثقيلة. السياسة العنيفة والتدين العنيف والعصبية القبائلية أفرزت لنا تشظيا بائنا في الذات العراقية وهذا ما طرحته في كتابي ‘شاي وخبز” من جلب الحكايات العراقية التي تتسم بهذين الجانبين. فالواقع العراقي هو واقع درامي محتدم جدا، وتاريخ الوقائع العراقية متوالية مأساوية يدعمها التاريخ العراقي الملتبس والتائه ضمن جغرافية واسعة قلقة متهلهلة وتاريخ عنيف ودموي.

الرواية العراقية

ينضج المشهد العراقي بعديد من الأعمال الروائية التي نجح كثير منها في نيل جوائز عربية مهمة. يرى الزيدي أن الرواية مرت تاريخيا بمسارات ليست قليلة منذ انطلاقها ولغاية اليوم، ورغم انطلاقتها التقليدية في نهاية عشرينات القرن العشرين -رواية محمود أحمد السيد- وحتى السبعينات من القرن نفسه لم تكن رواية مائزة أو تستهوي القراء كما الرواية المصرية التي اعتمدت على حكايات الأزقة والأحياء الشعبية، بل كانت رواية صالونات أدبية ورواية نرجسية حتى تعافت في نهاية القرن العشرين. وانطلقت بقوة كل المخطوطات السرية الحبيسة تحت نير النظام الدكتاتوري، أو تلك الروايات الانفعالية التي اعتمدت الفضائحية منهجا أو الشتم والسب الساذج للنظام البائد أو تلك التي تصف التعسف والظلم للنظام الدكتاتوري.

البداية الفنية للرواية العراقية الجديدة انطلقت ما بعد 2010 وهي السنة التي تؤشر بقوة إلى رواية عراقية تتفوق كثيرا على مثيلاتها المكتوبة باللغة العراقية. هذا المؤشر الذي يرسم خطى النهضة الروائية العراقية اعتمد عودة نظام الحكاية إلى المتن النصي مع قوالب فنية تجريبية أذهلت لجان التحكيم في الجوائز الكبرى، حتى أصبحت المنافسة الروائية مشروعة وهي تسير بخطى متسارعة ليفرز هذا الكم المتضخم عن نوع إبداعي أثار لغطا عظيما. ويعود السبب في هذا الانفجار السردي الكبير لتجدد وتواصل الدراما العراقية في كل شارع أو مدينة عراقية وتدفق المأساة العراقية دون رحمة.

عزلة كريستالية

يلفت الزيدي إلى أن الكاتب المثالي يعيش عزلته المحببة لذاته، عزلة كريستالية، لكنه يطل على العالم من خلال نافذته الخاصة. ومهما كانت عزلته فمن المؤكد ستطل عليه أخبار العالم الخارجي. ينفعل ويتفاعل معها بكل تأكيد وربما تنهار كل السدود والموانع الذاتية التي عمل على تحصينها دهرا من الزمن. لذلك فالكاتب ابن عصره وتاريخ المنطقة التي يطل عليها سيكون تاريخه ومادته الحكائية. لا يمكن للكاتب أن يغمض عينه عما يجري في المحيط أو الجوار. بيئة الكاتب هي البيئة الحياتية الاعتيادية التي يعيشها معظم البشر، فيما ستظل العلاقة ما بين السياسي والثقافي علاقة تنافر مقصود، فالسياسي يحب امتطاء الأيقونة الثقافية لغايات براغماتية، وهذا ما يدركه المثقف الواعي ويحاول أن يبتعد عن دهاليزه ومؤامراته.

التابوهات انتقلت إلى الساحة الأدبية ونفوس الأدباء في الأزمنة الأخيرة بتأثير من السياسة

نسبية التابوهات

يشير الزيدي إلى أن التابوهات انتقلت إلى الساحة الأدبية ونفوس الأدباء في الأزمنة الأخيرة بتأثير من السياسة. وهي نسبية بين منطقة وأخرى، بين بلد وآخر، بين مدينة وأخرى، بين ثقافة وأخرى، بين وعي وآخر. في العراق المعاصر مثلا ثمة شرطي يقبع داخل كل ككاتب يراقب بدقة ما يبوح به، أحيانا يشطب ويعدّل الأفكار وأحيانا أخرى يحذف بقوة كل ما كتبه الكاتب. هو شبح سلبي لشيطان الكتابة، يضع الخطوط الحمراء على الكاتب كي لا يتجاوزها، لكن الكاتب الماكر يمرّر أفكاره بمهارة فائقة من تحت عين الرقيب الداخلي. الرقابة في العراق انتقلت من رقابة خارجية تعسفية في ممنوعات الكتابة وعدم الإجازة للنشر إلى رقيب داخلي يحذف قبل الخروج إلى الضوء.

يقول الزيدي “الكتابة مصير بالنسبة إليّ، هي الشرط الوحيد المتبقي للحياة. الكتابة هي عشبة مؤقتة لحلم الخلود والمجد لتخليد الاسم الأدبي، ورغم موجة الوهم العظيمة التي تشعرني بالغثيان من شعوري بالعدم واللاجدوى لكن الكتابة تتحول إلى مضاد رغم شعوري بانتهاء صلاحيته في معظم الوقت المتبقي لي على قيد مهزلة الفناء والوجود