الأثنين: 10 أغسطس، 2020 - 20 ذو الحجة 1441 - 08:09 صباحاً
البورصة
الأحد: 15 يناير، 2017

عندما وصل سعيد إدريس بطفلته ذات السنتين إلى المركز الصحي في بلدته، غرب العاصمة الليبية طرابلس، وجد أبواب المركز موصدة، بسبب انقطاع الكهرباء. في الطريق إلى بلدة أخرى في سبيل إسعافها، لفظت الصغيرة أنفاسها الأخيرة بين يدي والدها، اللتين تجمدتا على مقود السيارة.

 
لم تعد مثل هذه المآسي، التي يخلّفها انقطاع الكهرباء، تثير الكثير من الدهشة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن. بات الأمر خبزاً يومياً في عواصم الحروب الأهلية، والتي تتصدر قائمة مُصدري النفط والغاز عالمياً.

 
لكن الوضع في الدول التي لا تشقها الحروب، ليس أفضل حالاً، إذ ينقطع التيار الكهربائي في الكثير من الدول العربية بشكل مستمر، مخلّفاً خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة، ومضيفاً تحدّياً آخر أمام المواطن العربي الذي يشكو أصلاً مشاكل حياتية كثيرة، زاد غياب الكهرباء من تعقيدها.

 

 

منحت الطبيعة المنطقة العربية ثروات طبيعية هائلة. فكل المواد الأولية اللازمة لإنتاج الكهرباء متوفرة، فهي تنتج 30%من نفط العالم وتملك 41% من احتياطي الغاز العالمي ومدخرات كبيرة من الوقود الأحفوري ومصادر الطاقة المتجددة من ماء وشمس وافرة الوجود فيها على نطاق واسع.

 
لكن في المقابل تعاني المنطقة من ضعف إنتاج الكهرباء، التي يراوح معدل الزيادة السنوية في الطلب عليها بين 4% و8%، والمتوقع أن يصل إلى 25% عام 2020. وهذا ما يضعف من حظوظ المنطقة في تحقيق التنمية والنمو الاقتصادي، وقد كشف مسح أجراه البنك الدولي أن 49% من الشركات في المنطقة تعتبر الكهرباء عائقاً رئيسياً أمام أنشطة الأعمال، أي أكثر من أي منطقة أخرى.

 
بؤر التوتر: ليبيا، العراق، سوريا، اليمن وغزة
أدت الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية في بعض الدول العربية إلى تفاقم أزمة الكهرباء.
في العراق، منذ دخول الاحتلال في عام 2003، أصبح المواطن العراقي يعاني من الانقطاع المتكرر للكهرباء والذي وصل إلى أكثر من 10 ساعات يومياً، في بعض محافظات الدولة السابعة عالمياً في إنتاج النفط. وقد أدى ذلك إلى خسائر بلغت قرابة 300 مليار دولار حتى سنة 2015، وفقاً لتقرير محلي.

 
وصرفت الدولة في الأعوام العشرة الماضية حوالي 46 مليار دولار لزيادة طاقة الإنتاج لكن النتائج بقيت دون المتوقع، بسبب استشراء الفساد والاضطرابات الأمنية في البلاد واستهداف شبكات النقل ومحطات الإنتاج.

 

في ليبيا، لا يختلف الأمر كثيراً. فالدولة المنتجة للنفط والغاز ينقطع فيها التيار الكهربائي لأكثر من 12 ساعة يومياً.
منذ سقوط نظام القذافي في 2011 دخلت البلاد في أزمة كهرباء حادة شملت المستشفيات والمرافق الأساسية ولم تسلم منها حتى ثلاجات الموتى، الذين تعفنت جثثهم داخلها.

 
ويعود ذلك إلى الحرب الدائرة منذ سنوات، وقد بلغت نيرانها محطات إنتاج الكهرباء وتعرض قسم منها للسرقة من قِبل العصابات الإجرامية كما تعرضت خطوط النقل النحاسية للسرقة في أكثر من منطقة.

 
في سوريا واليمن الوضع أشد صعوبة وظلاماً. إذ يغرق البلدان في حرب واسعة النطاق وفي ظلام دامس. بل حتى المناطق الهادئة نسبياً تعاني من فترات انقطاع طويلة للتيار الكهربائي بسبب سياسة التقنين. والأمر نفسه في قطاع غزة، الذي يعاني حصاراً إسرائيلياً خانقاً منذ سنوات، أدى إلى عجز كهربائي بنسبة 70% تقريباً.

 
لبنان ومصر والسودان: التقنين مستمر
دول عربية أخرى اختارت سياسة التقنين. فقد عجزت عن تغطية حاجاتها من إنتاج الكهرباء، فعمدت إلى القطع الإرادي للتيار عن المواطنين في ساعات محددة من اليوم. فلبنان مثلاً يعاني منذ سنوات من سياسة التقنين، حتى تحولت عملية تأمين الكهرباء طوال اليوم إلى حلم يبدو بعيد المنال.

 
وفي السودان فاجأت الهيئة القومية للكهرباء المواطنين بتطبيق برنامج لقطع الكهرباء عن الأحياء السكنية ومواقع العمل نحو عشر ساعات خلال فصل الصيف بسبب عجزها عن تأمين حاجة البلاد.

 
انقطاع التيار الكهربائي في بعض الدول العربية لا تسلم منه حتى ثلاجات الموتى، الذين تعفنت جثثهم داخلها
شاركغرد

 
أما مصر فتعاني من مشاكل انقطاع الكهرباء منذ سنوات، لكن الأمر بلغ ذروته خلال السنوات الأخيرة، حتى شمل المرافق الحيوية خلال العام 2014. فقد شلّ غياب الكهرباء ميترو الأنفاق ومدينة الإنتاج الإعلامي وقلب العاصمة القاهرة. وخلال فصل الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على الكهرباء، عمدت الدولة إلى التقنين، ما أدى إلى انقطاع التيار ساعات طويلة من اليوم.
الجزائر والسعودية: كثير من النفط قليل من الكهرباء.

 
ليست الدول المصدرة للنفط والغاز في منأى عن مشاكل نقص الكهرباء. الجزائر من أكبر مصدري الغاز في العالم تعاني من انقطاع التيار الكهربائي خاصة في فصل الصيف. في عام 2012 شهدت البلاد إحتجاجات واسعة بسبب الانقطاع المتكرر للتيار، في بلد ارتفع استهلاك الكهرباء فيه بنسبة 13%. ويعود ذلك إلى ضعف الإنتاج على الرغم من توفر المواد الخام.

 
وواجهت السعودية في السنوات الماضية المشكلة نفسها، بسبب مشاكل فنية في محطات الإنتاج. فهذه الدول لا تشكو من ندرة المواد الخام ولا من الاضطرابات السياسية بقدر ما تعاني من مشاكل السياسات الحكومية.

 
البحث عن الحلول
لمجابهة الطلب المتزايد على الكهرباء وتوفير الحاجات اللازمة لتسير الشأن اليومي للمواطنين وللنشاط الاقتصادي، تجد الدول العربية نفسها أمام تحدي رفع الإنتاج من الكهرباء من خلال إعادة النظر في سياسات الدعم الحكومي للكهرباء، إذ يستفيد منها الأغنياء أكثر مما يستفيد منها الفقراء.

 
ويمثل دعم الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يقرب من نصف دعم الطاقة على مستوى العالم، وهو ما وصل إلى 548 مليار دولار في عام 2013. وفي مصر مثلاً، آلت نسبة 60% من الدعم في عام 2014 إلى الأغنياء.

 
ومن الحلول الأخرى المفروض التوجه نحوها، تنويع مصادر الطاقة والاعتماد على الطاقات المتجددة الطبيعية والكهرباء النووية، وإطلاق سياسات ترشيد الاستهلاك من خلال برامج التوعية المواطنية، والأهم من كل ذلك هو محاربة الفساد الذي يستأثر بحصة كبيرة من الأموال الموجهة نحو إصلاح قطاع إنتاج الطاقة، في منطقة لم يزل الطلب على الكهرباء ينمو فيها سنوياً بمعدل 5% مع تزايد حجم النشاط الاقتصادي والارتفاع المطرد لعدد السكان، وخاصة من فئة الشباب.

 
لكن كل ذلك يبقى في حيز الأحلام والنوايا ما لم ترافقه إرادة سياسية قوية ومؤسسات وقوانين مشجعة.