الثلاثاء: 11 ديسمبر، 2018 - 01 ربيع الثاني 1440 - 10:17 مساءً
دفاتر
الأثنين: 26 نوفمبر، 2018

عواجل برس/متابعة

لم يكن التحكيم بين علي ومعاوية، بعد موقعة صفين، سبباً في إنهاء الحرب الأهلية بين المسلمين، بل كان أمراً شكلياً. ولكنّه كان القشة التي قصمت ظهر البعير في جيش علي، إذ فجّر خلافات جذرية بين مكوّناته، كما منح “الوالي معاوية” مكانة مساوية لـ”الخليفة علي”.

واستمرت جولة الحرب الأهلية بين المسلمين بعد التحكيم حتى مقتل علي وتنازل ابنه الحسن لمعاوية عن الخلافة، ثم تفجّرت لاحقاً في محطات عدة ربما آخرها ما نشهده اليوم من صراع سني-شيعي يجد بعض مبرّراته في ذاك الصراع القديم.

من مقتل عثمان حتى موقعة صفين

بدأت الحرب الأهلية/ الفتنة بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان على يد ثوار من الأمصار الإسلامية، وبتأييد مباشر وغير مباشر من بعض الصحابة وأهل المدينة.

ثم تتابعت الأحداث بمبايعة علي بن أبي طالب خليفةً للمسلمين، بتأييد أغلبية أهل المدينة والثوار، مع امتناع البعض. وبايعته الأمصار، إلا الشام بقيادة الوالي معاوية.

وبعدها، كوّن الثلاثي طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والسيدة عائشة حلفاً يدعو للقصاص من قتلة عثمان، واتجهوا إلى البصرة لطلب النصرة، مفجّرين بذلك شرارة العنف الدموي، وممهدين لحرب الجمل بينهم وبين علي الذي انتقل بدوره إلى الكوفة، وكان رأيه إعادة الأمن ثم التحقيق في مقتل عثمان والقصاص من القتلة، لا قتل المئات بالاشتباه كما فعل الثلاثي.

حدثت موقعة الجمل عام 36 هـ (656 م)، بالقرب من ضواحي البصرة. في بداية المعركة، انهزم جيش الثلاثي أمام جيش علي الذي كان يضم نحو 20 ألف مقاتل، وتركز القتال حول جمل السيدة عائشة، ولقي المئات حتفهم دفاعاً عن هودجها، قبل أن يتوافق الطرفان على على إنهاء الحرب.

عملياً، انتهت المعركة بهزيمة البصريين، ولقي الصحابيان طلحة والزبير مصرعهما، وكانت الحصيلة 6500 قتيل تقريباً من الطرفين، كما يرجح هشام جعيط في كتابه “الفتنة: جدلية الدين والسياسة”.

ويذكر الطبري في كتابه “تاريخ الرسل والملوك” أن المعركة انتهت بالتوافق على قطع رقبة الجمل، وأن البصريين حصلوا على الأمان، ونهى علي عن سلب أو مطاردة الفارين أو الإجهاز على جريح، كما أعاد الأسلحة للمهزومين. أما السيدة عائشة، فقد تم التحفظ عليها في أحد بيوت الكوفة، قبل إرسالها إلى المدينة المنورة بكل احترام.

بعد معركة الجمل، لم يبقَ خارج بيعة علي سوى الشام، وكان أول اتصال من علي بمعاوية قبل موقعة الجمل، حين أرسل يطالبه بمبايعته، لكن الأخير امتنع عن الرد لمدة طويلة، ثم رد بجواب غير واضح، وفق جعيط الذي يفسر تصرف معاوية الحذر بقوله: “مهما أمكن لمعاوية أن يكون ثائراً من داخله، فلم يكن في مقدوره أن يجابه مواجهة سريعة. لقد تعيّن عليه أن ينتظر سلوك أمصار أخرى مماثلة، خصوصاً البصرة والكوفة”.

معاوية يحسم أمر مجابهة علي

“الصراع بين معاوية وعلي لم يُعلن بكل وضوح إلا بعد انتصار علي في الجمل، وقبل ذلك لم يكن هناك سوى انشقاق خجول، وامتناع عن البيعة”، بحسب جعيط. تجددت مراسلات علي لمعاوية، وأوفد إليه جرير بن عبد الله البجلي، وهو أحد قادة فتح العراق، ورئيس قبيلة بجيلة، ولم يشترك في فتنة مقتل عثمان، أو حرب الجمل، بصفته محايداً، ليدعوه إلى الطاعة والجماعة.

إلا أن معاوية رفض بيعة علي، مستخدماً القصاص من قتلة عثمان ذريعة، وكان قد حسم أمره بمجابهة علي، وتحالف مع عمرو بن العاص بهدف البقاء في السلطة، كما يؤكد جعيط.

حشد علي جيشه، وتواجه مع أهل الشام في صفين، ولم تقع صدامات شديدة بين الطرفين، فقد ظلا لمدة ثلاثة أشهر يتناوشان ويقيمان مبارزات فردية.

لم يقع القتال الحقيقي بين القوتين حتى يوم الخميس، في السابع من صفر، في الليلة المعروفة بليلة الهرير. في ذاك اليوم قُتل عمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من جيش علي، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وذو الكلاع من جيش معاوية، وتساقط عدد من كبار قادة الجيشين.

يوجد تضارب كبير حول عدد قتلى المعركة، كذلك حول حجمي الجيشين، وبعض المصادر ترتفع بعدد القتلى إلى 70 ألفاً، ولكن إيناس البهيجي تقول في كتابها “تاريخ الدولة الأموية” إنه يقترب من عشرة آلاف، ليس أكثر، لأن وقت القتال الحقيقي لا يزيد عن ثلاثين ساعة قتال موزعة على أربعة أيام.

وفي تقييمه للمعركة، يقول جعيط إنها كانت “متساوية عدداً، لا يمكنها أن تؤدي إلى غالب ومغلوب، إنها معركة أبطال لم يُظهر فيها أحد التراجع، عندئذ بدأت تلوح أمام ضخامة المجزرة، وبادئ الأمر في داخل الجيش الشامي، فكرة أن هذه المعركة هي نهاية العرب. وانطلقت نداءات سلمية داخل الجيش الشامي”.

رفع المصاحف… مؤامرة أم دعوة للسلم؟

يقول أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية أيمن فؤاد لرصيف22 إن جيش علي كان أقرب لتحقيق النصر في صفين، إلا أن النصر الكامل ما كان ليتم إلا باستنزاف الجيش العراقي أيضاً، وعندما رفع جيش الشام المصاحف على أسنة الرماح طلباً لتحكيم القرآن بين الطرفين، ضغط الأشعث بن قيس، زعيم قبيلة كندة، كبرى القبائل اليمانية في الكوفة، لوقف القتال حمايةً لأهل العراق، فما كان من علي إلا أن رضخ لمطب أغلبية الجيش، رغم تحفظه على وقف القتال.

وتذهب أغلب المصادر إلى تصوير رفع المصاحف على أنه خدعة من ذهن عمرو بن العاص المؤيد لمعاوية، لدرء خطر الهزيمة، وهو ما ذكره الطبري في “تاريخ الرسل والملوك”.

ويذهب طه حسين في كتابه “الفتنة الكبرى” إلى وجود مؤامرة ضد علي بين الموالين لعثمان في العراق وبين أهل الشام ويقول: “ما أستبعد أن يكون الأشعث بن قيس، قد اتصل بعمرو بن العاص، ودبروا أمر رفع المصاحف بينهم، ودبروا أن يقتتل القوم فإن ظهر أهل الشام فذاك، وإن خافوا هزيمة أو أشرفوا عليها رفعوا المصاحف، وأوقعوا الفرقة بين أصحاب علي”.

ويضيف حسين أن أهل الشام لو أرادوا أن يتقوا الفتنة والحرب حقاً لرفعوا المصاحف ودعوا إلى ما فيها قبل بدء القتال.

إلا أن يوليوس فلهوزن، في كتابه “أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام”، يرى أن رفع المصاحف ليس خدعة، ويقول: “البحث عن خونة أمر لا جدوى منه، وليس أمراً بعيداً عن التصديق أن تكون حيلة رفع المصاحف لدى الخطر العظيم قد طرأت على فكر عمرو الداهية. بل الفكرة نفسها قريبة الورود إلى الذهن، ولعله كانت لها سوابق، فالرماح كانت تُستخدم دائماً أعلاماً وشارات، وكان القرآن راية الإسلام، فكان ذلك بمثابة تذكير لأهل العراق بأنهم إنما يقاتلون قوماً رايتهم كرايتهم: كلام الله”.

لا عجب إذاً في أن تكون هذه الحيلة قد أثّرت فيهم، بسبب الروح الإيمانية، خصوصاً عند القرّاء، وهم مقاتلون من مختلف القبائل العربية، جمع بينهم تعلم وتعليم القرآن في مساجد العراق والكوفة والشام، وكانوا شبه منظمين، وتوزعوا على الجيشين، إلا أن قرّاء العراق كانوا أكثر عدداً وفعالية، وكان لهم دور في قتل عثمان، ومنهم خرج الخوارج وجزء من شيعة علي الذين شجّعوا على وقف القتال.

ويرفض فلهوزن تصوير عناصر جيش الشام على أنهم أهل سوء، ويقول: “تبيّن عن طريق الأحاديث التي تبودلت بين أبناء الجيشين المتحاربين زماناً طويلاً في صفين أن أهل الشام ليسوا أقل من أهل العراق إيماناً بأنهم على حق وأنهم يبتغون وجه الله”.

وثيقة التحكيم وتفكك جيش علي

وافق علي على رأي أغلبية الجيش من رؤساء قبائل وقراء، بوقف الحرب، وشرع الطرفان في إعداد وثيقة للتحكيم، وتولى الأشعث المفاوضات عن أهل العراق، وجرى الاتفاق على موعد التحكيم بعد ثمانية أشهر أي في رمضان من عام 37 هـ، وفق الطبري.

ويرى هشام جعيط عدم وجود انقسام حول وقف المعارك في جيش علي، بل كان هناك شبه إجماع على ذلك، إلا أن التحكيم ووقف المعارك لا يعنيان الشيء ذاته.

فما حَكَم منطق القراء هو الفهم الحرفي للقرآن، فالكتاب يدعو للسلم لذا قبلوا بوقف القتال، إلا أنهم رفضوا مبدأ اختيار الحكمين: أبو موسى الأشعري عن العراق، وعمرو بن العاص عن أهل الشام.

يوضح جعيط أن أغلب القرّاء كانوا مع وقف القتال صوناً لدماء المسلمين، ونواة متشددة قليلة منهم رفضت وقف القتال انطلاقاً من قناعتها بأن معاوية وأهل الشام هم الفئة الباغية. ولكن حين طُرح مبدأ التحكيم في المفاوضات، رفضه كل القرّاء، فقد كانت لديهم قناعات بأنهم على الحق، وأن قتل عثمان حق، وأن حكم الله قد سبق في أهل الشام.

ويشرح أيمن فؤاد أن رفض القراء للتحكيم جاء انطلاقاً من قوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل} (الحجرات: 9)، لذا اعتبروا أن أهل الشام هم البغاة بمنطوق الآية، ورفضوا أن يكون الحكم للحكمين، وصدحوا بشعار “لا حكم إلا لله”.

ويذهب جعيط إلى أن بعض القرّاء اعتبروا أن من حقهم هم الحكم بين الطرفين، بصفتهم أعلم بكتاب الله.

اتفق الطرفان على وثيقة تتضمّن وقف الحرب واختيار الحكمين وتحديد زمان ومكان لاجتماعهما، وتأمينهما على أنفسهما وأموالهما مهما يكن حكمهما، واستنصار الأمة كلها على مَن خالف هذه الصحيفة، إلا أنها لم تتضمن أية إشارة إلى القصاص من قتلة عثمان، وهو ذريعة معاوية لعدم مبايعة علي، كما يلاحظ طه حسين.

وكان لمضمون الوثيقة الغامض، والذي أعلى من شأن معاوية أيضاً، أثر في تفكك جيش علي. ويحلل محمد شعبان في كتابه “صدر الإسلام والدولة الأموية” بنية جيش علي بأنه ضم ائتلافاً واسعاً ومؤثراً من أصحاب المصالح المتضاربة، فمصالح القراء الاقتصادية المتمثلة في خراج العراق وأرض الصوافي والأعطيات، بصفتهم المقاتلين الذين شاركوا في فتح العراق، كانت تتعارض مع مصالح المهاجرين الجدد للعراق، بعد الفتح، والذين لا حصة لهم في العطاء أو الأراضي، كما تتعارض مع مصالح رؤساء القبائل، لذا لم يكن يُتوقع لمثل هكذا ائتلاف أن يستمر.

تأسيساً على ذلك، انفصل قسم يضم 12 ألف مقاتل بزعامة أغلب القراء الذين عُرفوا لاحقاً بالخوارج، واشترطوا لعودتهم تراجع علي عن إيفاد مبعوثه أبي موسى الأشعري إلى التحكيم، واستئناف القتال، إلا أن علي رفض مطلبهم، فاعتزلوا في حروراء بالقرب من الكوفة.

الأشعري “اللامبالي” وابن العاص “المخلص”

يروي الطبري أن أبا موسى الأشعري، والي الكوفة وقتها، كان معارضاً لدخول علي إليها قبل موقعة الجمل، وراح يثبط الناس عن نصرته، حتى عزله علي عن الولاية، وانقلب عليه فريق من القراء المقاتلين بزعامة مالك بن الأشتر وغيره.

كان موقف الأشعري هو اعتزال الحرب، ودعا أهل الكوفة إلى ذلك، وظل على موقفه. فلماذا إذاً تم اختياره ليمثل علي في التحكيم؟

يروي الطبري أن أبا موسى الأشعري كان معارضاً لدخول علي إليها قبل موقعة الجمل، وراح يثبط الناس عن نصرته، حتى عزله علي عن ولاية الكوفة، ما يعني أن موقفه كان اعتزال الحرب… فلماذا إذاً تم اختياره ليمثل علي في التحكيم؟

لم يأخذ التحكيم بين علي ومعاوية أهمية كبيرة إلا في الروايات المتأخرة، فحين بلغ علي ما جرى فيه، لم يحفل به، وراح يعمل على إعادة تكوين جيشه لاستئناف الحرب، إلا أن مقتله ومبايعة ابنه الحسن، ثم تنازله لمعاوية عن الخلافة كتب للحرب الأهلية أن تنتهي

يجيب أستاذ التاريخ أيمن فؤاد بأن هناك عدة أسباب لذلك، منها أن التحكيم كان يخص أهل العراق جميعهم لا عليّاً وحده، كما أن الأشعث بن قيس فرضه نظراً إلى مكانته كصحابي بجانب أنه يمني وغالبية قبائل الكوفة يمنية، بالإضافة إلى أنه سبق أن حذّر أهل الكوفة من الآثار المدمرة للفتنة، وهو ما لمسوه بأيديهم في حرب صفين، لذا كان اختيارهم له إقراراً بصحة موقفه بالاعتزال.

ويرى جعيط أن أهل العراق بفرضهم وقف القتال، ثم بفرضهم أبي موسى الداعي للاعتزال، كانوا يتصرفون كأنهم على الحياد في الصراع بين علي ومعاوية، ما مثّل خذلاناً لعلي.

ويمكن القول إنه من هذه اللحظة تحوّل مسار الأحداث لصالح معاوية. ويقول شعبان في كتابه إن قبول علي بالتحكيم وهو أمير المؤمنين المعترف به، كان إحدى أسوأ الضربات التي نزلت بمكانته، وأدى ذلك إلى تمزق ائتلافه.

وقائع التحكيم وخذلان الأشعري لعلي

انعقد التحكيم في أواخر سنة 37 هـ/ أوائل 38 هـ، في أذرح، وهي محلة قريبة من البتراء في الأردن.

يقول طه حسين إن الحكمين تباحثا واتفقا على أن عثمان قُتل مظلوماً وأن معاوية ولي دمه، وله مطالبة الخليفة بالقصاص، إلا أنهما لم يتفقا على شخص ليكون خليفةً، فاتفقا على عزل الرجلين، وترك الأمر شورى، بدون أن يضعا نظاماً لها، ثم حدث أن ثبّت عمرو صاحبه، خلافاً لاتفاقهما، فتشاتما وتلاعنا ثم انفض الاجتماع.

ويسرد أيمن فؤاد لرصيف22 ما جرى بقوله إن الحنكة السياسية الشديدة لعمرو بن العاص جعلت التفاوض غير واضح. فرؤية أبي موسى كانت خلع الاثنين وترك اختيار الخليفة للشورى مرةً أخرى، وقبل ابن العاص بمقترحه ظاهرياً، وخدعه بتقديمه في الحديث، ثم حين أتى دوره ثبّت معاوية.

هذه هي الرواية المتواترة للأحداث. لكن جعيط يرفض أن يكون هذا ما وقع في التحكيم، ويقول إنه من الممكن أن يكون الحكمان اختلفا وتوصلا إلى إصدار أحكام منفصلة: أبو موسى المخلص لحياده والراغب في تخطي الفتنة ربما يكون قد أعلن خلع علي ومعاوية وترك الخلافة للشورى، أما عمرو المدبّر لمطامح معاوية فمن الممكن أن يكون قد خلع علي وثبت صاحبه.

يبرهن جعيط على تفسيره بقوله “إن ما يحفز على إعادة تركيب التحكيم هكذا هو أن شهادة علي حين رفض التحكيم لم تستند إلى حدوث خدعة أو عيب شكلي، بل إلى صميم الأمور، وهو أن الحكمين لم يحكما بمقتضى القرآن”.

ويقول حسن إبراهيم، في كتابه “تاريخ الإسلام السياسي”، إن “المؤرخين يظلمون أبا موسى حين يرمونه بالغفلة وقصور الرأي، ونرى أن الرجل قد اختير عن أهل العراق فنصح لهم، وصادف أن خالف رأيه رأي علي، فكان هذا مصدر سخط بعض المسلمين عليه”.

نتائج التحكيم

يقول حسن إبراهيم “إن الناظر في أمر التحكيم ليجد أنه لم يكن قائماً على أساس، إذ لم يكن من وراء الحكمين قوة تستطيع تنفيذ حكمهما”.

ويشير جعيط إلى أن التحكيم لم يأخذ أهمية كبيرة إلا في الروايات المتأخرة. ففي الروايات القديمة التي تستند إلى شهادة رجال معنيين بالحدث، جاء فيها باختصار: اجتمع الحكمان ولم يتفقا.

ويضيف أن “الجماعة الوحيدة التي أخذت التحكيم على محمل الجد كانت جماعة القرّاء/ الخوارج، لأن ذلك يشكك في جذورهم، وبعد وقوع القطيعة بين الخوارج وعلي، كانت مسألة التحكيم قد صارت ثانوية لكل الناس”.

ويشير حسن إبراهيم إلى أن ما قام به عمرو بن العاص لم يكن كافياً وحده لتثبيت ملك صاحبه، بل كانت هناك أمور جديرة بالذكر منها تفرق جيش علي بسبب الصراع مع الخوارج، ووحدة جيش معاوية.

ويرى أيمن فؤاد أن فشل التحكيم هو تحصيل حاصل، ولولا مقتل علي لكانت نشبت جولة جديدة من القتال، فيوم قُتل كان قد نجح في إعادة التعبئة.

فحين بلغ علي ما جرى في التحكيم، لم يحفل به، بل سارع إلى إعلان التعبئة لقتال أهل الشام، ثم وقعت أحداث النهروان عام 38 هـ، والتي قاتل فيها العراقيون من أتباع علي الخوارج، ما كان له أثر سلبي على جيش علي، إذ ترك أغلب الكوفيين معسكره وتفرّقوا إلى بيوتهم.

بعد ذلك حاول علي إعادة تكوين الجيش، واستدعى لذلك قيس بن سعد بن عبادة، واليه على أذربيجان، لقيادة شرطة الخميس (الجيش)، وهم نخبة من 12 ألف مقاتل ضمن جيش يبلغ 40 ألف مقاتل، وكانت تلك خطوة علي الأولى نحو استئناف الحرب، إلا أن مقتله عام 40 هـ، ومبايعة ابنه الحسن، ثم تنازله لمعاوية عن الخلافة عام 41 هـ، كتب للحرب الأهلية أن تنتهي.