الأثنين: 16 ديسمبر، 2019 - 18 ربيع الثاني 1441 - 08:29 صباحاً
دفاتر
الأثنين: 2 ديسمبر، 2019

أحمد محمد

يُحيي العالم يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) كل عام، ذكرى إحياء ضحايا الحروب الكيميائية. في هذا التقرير نعود ببوصلة التاريخ، إلى الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، حين أستخدم الغاز في الحرب بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى إصابة 1.2 مليون، ومقتل 91 ألف شخص بينهم جنود جزائرييون، شاركوا في الحرب إلى جانب الجيش الفرنسي الذي كان يستعمر الجزائر آنذاك وأجبر 173 ألف جزائري على المشاركة في الحرب.

 

تلك الحرب التي شهدت واحدة من أكبر الهجمات الكيميائية في التاريخ، وغيّرت من استراتيجيات الحرب، وأفضت فيما بعد إلى حظر الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي لم يسلم من الانتهاك، قديمًا وحديثًا.

 

جافريلو برينسيب.. قصة المراهق الذي أسقط إمبراطوريات وأشعل الحرب العالمية

معركة يبرس.. حين ردت ألمانيا بالكلور على الغاز المسيل للدموع

خلال الحرب العالمية الأولى تفنّن الأطراف المتنازعون في إنتاج أسلحة ووسائل قتل تتسبب في قتل الملايين. في الأسابيع الأولى من الحرب؛ وتحديدًا في أغسطس (آب) 1914، استخدم الجيش الفرنسي سلاحًا غير مألوف اختلف عن إطلاق النار والصواريخ والقذائف.

إذ أطلق الفرنسيون قنابل غاز مُسيل للدموع (بروميد زايليل- xylyl bromide) من شأنه إرباك الخصوم. كان العدو المستهدف بهذه القنابل آنذاك هم الألمان، الذين استقبلوا تلك القنابل ومضوا قدمًا في دراسة جادة لتطوير الأسلحة الكيميائية، تلك الأسلحة القوية ذات الفاعلية العالية، والتي لا تصدها مدرعات أو حصون.

 

وفي نطاق أقرب إلى كونه تجريبي، ردّ الألمان على الفرنسيين بعد شهرين بقذائف تحتوي على مهيج كيميائي يُحدث نوبة عنيفة من العطس. وفي 31 يناير (كانون الثاني) 1915، أطلقت ألمانيا الغاز المسيل للدموع لأول مرة على الجبهة الشرقية ضد الروس في بوليموف. لكن في التجربة الألمانية الجديدة، أطلق الألمان قنابل الغاز في صورة سائلة، ليقف الطقس البارد في صف الروس، ويفشل سائل الغاز المسيل للدموع في التبخّر مع البرد القارس  ودرجة حرارة التجمد هناك.

 

جنود جزائريون في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى

انتظر الألمان حتى الربيع ليجروا تجربة جديدة، هذه المرة ليس بإطلاق غاز مسيل للدموع، وإنما غاز الكلور القاتل، بهدف فك الألمان للجمود على الجبهة الغربية. ففي 22 أبريل (نيسان) 1915، وخلال معركة يبرس الثانية، بدأ الألمان بالقصف المدفعي على الجيش الفرنسي، ومع هدوء القصف انتظر القوات المستهدفة الموجة التالية للهجوم الألماني أو تقدم المشاة، وهناك كانت المفاجأة.

 

فقد أَمطر الألمان 150 طنًّا من غاز الكلور عى أربعة أميال للجنود المتمركزين على الجبهة، ما أدى لمقتل الآلاف من الجنود الفرنسيين والجزائريين الذين أُرسلوا من الجزائر لمساعدة الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى. تلك الحرب التي تزامنت مع الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي أجبر الجزائريين على المشاركة مع جيش فرنسا في الحرب لتشارك الجزائر بـ 173 ألف جزائري قُتل منهم 23 ألف خلالها. وانتهت معركة يبرس الثانية في 25 مايو (أيار) بعد أكبر هجوم كيميائي شهدته الحرب حينها، وتمّكن الألمان من خلاله حصد مكاسب كبيرة.

 

الغاز يُغير من استراتيجيات الحرب العالمية الأولى

«إن الهجوم كان في الأساس اختبارًا ، لكنه كان فعالًا إلى درجة أنه أصبح مكونًا استراتيجيًا جديدًا تمامًا للحرب».

 

هذا ما علق به جيرارد فيتزجيرالد، مؤرخ الحرب الكيميائية والباحث الزائر في جامعة جورج ميسون، لافتًا إلى أن أمور الحرب أخذت منحى مختلفًا بعد هذا الهجوم، الذي كان واحدًا من أكبر الهجمات الكيميائية في التاريخ.

 

فبعد الهجوم الكيميائي الألماني بدأ التحالف الفرنسي البريطاني، في تطوير أقنعة غاز، وأسلحة كيميائية خاصة، وبالفعل أنتجت بريطانيا مع نهاية سبتمبر (أيلول) 1915، نحو 400 عبوة من غاز الكلور واستخدمته في معركة لوس، ولكن بطرق بدائية أثرت فيها اتجاه الرياح. ورغم أن الهجوم كان موجهًا من بريطانيا إلى ألمانيا إلا أن الخسائر البريطانية اقتربت من الخسائر الألمانية، إذ عانت بريطانيا وفرنسا من الهجمات الكيميائية العكسية، وأخذوا يطوّرون من طريقة إطلاق الغاز حتى وصلوا إلى إطلاق الغاز في قنابل المدفعية لتقليص التأثيرات العكسية من هجمات الغاز.

 

طرق بدائية لاستخدام الأسلحة الكيميائية يؤثر فيها قوة الرياح

ومع التوصل إلى آلية وصول أقوى للسلاح الكيميائي، بدأ تطوير أسلحة من مواد كيميائية أُخرى، من بينها غاز الفوسجين الذي يحمل تأثيرات مختلفة  فعلى عكس غاز الكلور الذي يؤدي إلى تأثير قصير الأمد بسعال عنيف واختناق يؤدي إلى الوفاة؛ يتسبب الفوسجين بأثر طويل الأمد، يظهر على المريض بعد 48 ساعة من استنشاقه.

91 ألف قتيل من الغاز السام

في ظل التقدم المستمر في الحروب الكيميائية بين أطراف الحرب العالمية الأولى، كشفت ألمانيا النقاب عن سلاح كيميائي جديد في سبتمبر 1917، يعتمد على غاز الخردل. ذلك الغاز عديم اللون والرائحة والذي يخلف آثارًا داخلية وخارجية على جسم الإنسان. فيتسبب في تقرح الجلد والعين والرئتين. الأقنعة

الدفاعية المضادة للغاز في العموم،  أظهرت فاعلية أقل مع الخردل أقل مقارنة بتلك التي أظهرتها مع الكلور والفوسجين، وقد استخدمت ألمانيا غاز الخردل ضد الروس وتسبب في قتل الآلاف.

 

في عام 1917 أيضًا، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحرب وطوّرت هي الأُخرى الأسلحة الكيميائية واستخدمتها في الحرب، إذ كان هاري إس ترومان الرئيس المستقبلي لأمريكا، قائد وحدة مدفعية ميدانية أمريكية أطلقت الغاز السام ضد الألمان في عام 1918.

وبالتزامن مع التطوير المطرد للأسلحة الكيميائية؛ طوّرت الجيوش أقنعة وملابس غاز مضادة لتلك الأسلحة الكيميائية لتقليص مفعولها، ما أدى لتقليص الأهمية الحربية للأسلحة الكيميائية، ولكن بعدما أزهقت مئات آلاف من الأرواح. فخلال الحرب العالمية الأولى استُخدم 100 ألف طن من الغاز السام، أكثرهم استخدمته ألمانيا الرائدة بأول هجوم كيميائي واسع النطاق في معركة يبرس، وكانت حصيلة ضحايا الغاز الكيميائي في الحرب 1.2 مليون تعرضوا للغاز السام، مات منهم 91 ألف، بحسب كتاب «The A to Z of World War I» (الحرب العالمية الأولى من الألف إلى الياء).

 

حظر الأسلحة الكيميائية لم يمنع هجمات الغاز السام

مع انتهاء الحرب وتعهد العالم بجعل الحرب العالمية الأولى هي الحرب الأخيرة، حاول القادة حظر استخدام الغاز في حرب أخرى. وحظر مؤتمر جنيف بالفعل عام 1925 الأسلحة الكيميائية، وبدأ العالم في إدارة ظهره للغاز السام بوصفه سلاح حرب. وخلال نحو قرن من الزمان التزمت الكثير من دول العالم باتفاقية جنيف، ولكن في الوقت نفسه شهدت الاتفاقية العديد من الانتهاكات، من أبرزها استخدام أمريكا للغاز الكيميائي في حرب فيتنام، واتهام الاتحاد السوفيتي أيضًا باستخدامه في الحرب الروسية الأفغانية.

 

«كانت كمية الأسلحة الكيميائية التي تحتفظ بها (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) كافية لتدمير جزء كبير من حياة الإنسان والحيوان على  وجه الأرض» *منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

وفي أقرب الأمثلة الحديثة لاستخدام الأسلحة الكيميائية، شن نظام الرئيس السوري بشار الأسد عدة هجمات كيميائية ضد المدنيين في سوريا، من أبرزها هجوم خان شيخون الذي وقع  في 4 أبريل 2017، مما أدى لإصابة المئات، ومقتل 87 شخصًا بينهم 31 طفلًا، ليستمر عداد القتلى في حصد الضحايا المدنيين خلال الحرب السورية.