السبت: 29 فبراير، 2020 - 04 رجب 1441 - 09:34 مساءً
وجوه
الأربعاء: 21 ديسمبر، 2016

ظهر اسم حيدر العبادي بوضوح داخل أزمة سياسية ، وتسنم منصب قائد البلاد في لحظة من اليأس التام ، بعد أن قامت داعش ، مستغلة هشاشة قيادة نوري المالكي ، باحتلال ثلث العراق ببساطة شديدة أشارت إلى ضعف القيادة السياسية أكثر من أي شيء آخر. حتى في تلك الظروف المعقدة كان المالكي يقاتل من أجل الولاية الثالثة ضارباً عرض الحائط تداعيات هذه الكارثة الوطنية .
بالمقارنة بين العبادي والمالكي في تلك الأزمة ، أن الثاني كان مشعلها ، واندفع لكي يحولها إلى حريق يحرق الأخضر واليابس ، مهدّدا بفتح أبواب جهنم . أما الأول فهو مطفئ نارها ، لاجما تداعياتها ، مستجيبا لنبض الشارع ، فاستحق أن يكون محطة لقاء لجميع الأطراف الوطنية والمرجعية الدينية والقوى الدولية .
فيما سلّم جيش المالكي ثاني مدينة عراقية من دون قتال ، استعاد العبادي زمام المبادرة العسكرية والسياسية ، جامعا القوى الدولية والعربية بأسلوبه العقلاني بهدف تحرير المدن التي احتلتها داعش تباعا ، فنجح في مسعاه ، بتحرير الرمادي والفلوجة وتكريت ، وما زال مصرا على تحرير مدينة الموصل ، برغم تعقيدات القتال .
والحال لم تأت هذه الانتصارات من الخطابة المليئة بالمزاعم والتجريحات ، وجمع الملفات والتلفيقات التي سادت في عهد المالكي ، وتوزيع الأموال ، وبالعكس أجرى العبادي خطة تقشف جرى تفهمها ، بعد أن أفرغت قيادة المالكي خزينة الدولة عن طريق فسادها ونزعتها الاستهلاكية وتعديها على المال العام وشراء الذمم . ما فعله العبادي بسيط وسهل وهو اقناع الآخرين بخططه ، والاستماع إلى نصائح الآخرين ، وتفهمه للمأزق الوطني الناتج عن الانشقاق السياسي والسياسة الطائفية لسابقه ، والاتصال بالقوى الدولية والعربية وجرها إلى الإسهام بالمعركة ضد داعش.
في سياق هذه المقارنة ربما يظهر على نحو مؤكد الفرق بين أخلاق ابن المدينة المتحضر للعبادي ، وأخلاق الريفي الذي يحب الخطابة وتهييج الروح العشائرية والطائفية للمالكي .
وتتسع المقارنة إلى نوع التعليم الحاصل على كلاهما ، فالعبادي حاصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة مانشستر في انكلترة ، وعمل في مؤسسات البحث العلمي هناك ، فضلا عن أن والده الدكتور جواد العبادي طبيب معروف شغل منصب مدير مستشفى الجملة العصبية في بغداد ومفتش عام وزارة الصحة وتمت إحالته على التقاعد في العام 1979 ضمن قائمة من 42 طبيبا بقرار من مجلس قيادة الثورة المنحل وذلك لعدم ولائهم لنظام البعث.
أما من ناحية الانتماء السياسي ، فلم يعرف عن العبادي أي العاب وعلاقات تخادم مشبوهة في دول اللجوء . فقد انتمى لجزب الدعوة 1967 ، وأعدم النظام السابق في العام 1982 اثنين من اخوته احدهما استاذ جامعي والثاني موظف في الدولة بتهمة الانتماء لحزب الدعوة الاسلامية. وفي العام 1981 اعتقل النظام البائد اخاه الثالث الذي كان في السنة الثانية كلية الطب وقضى في السجن عشر سنين بنفس التهمة.
تولى مسؤولية المتحدث باسم حزب الدعوة الاسلامية في بريطانيا والخارج ، وكان له حضور بارز في معارضة النظام البعثي وشارك في نشاطات المعارضة ضد النظام كما وأسهم في المؤتمرات الوطنية للمعارضة التي شارك فيها حزب الدعوة الاسلامية.
ومن الناحية الادارية ضم خبرته في البحث العلمي إلى عمله الاداري والسياسي ، إذ بات عضوا في مجلس النواب 2006 في اول مجلس نيابي ، وانتخب رئيسا للجنة الاقتصاد والاستثمار والإعمار وهي من اللجان الاساسية الفاعلة والحيوية في مجلس النواب.
في العام 2005 أصبح مستشارا لرئيس الوزراء ، وتولى عدة ملفات منها تعيينه منسقا عاما لمدينة تلعفر لتخليصها من سيطرة القاعدة والارهاب التكفيري ، واعتبر ذلك من انجح انجازات الحكومة في ذلك الوقت ومثالا يحتذى به لتعاون الاهالى والعشائر بمختلف انتمائاتهم ومذاهبهم لمواجهة وطرد الارهاب بالوحدة الوطنية بين ابناء المدينة. كما تولى مهمة التنسيق مع الامم المتحدة حول المهجرين العراقيين جراء الاعمال الارهابية ، وتولى متابعة مؤسسة المعلوماتية لوضع المقاييس لها وللحاسبات الرقمية في العراق.
عين وزيرا للاتصالات في العام 2003 وأشرف على إعمار البدالات التي دمرت أبان الحرب وإعادة خدمة الهواتف الارضية في وقت قياسي. وفي فترة توليه الوزارة توسعت خدمة الانترنت بشكل سريع كما ابتدأت اول خدمة للهاتف اللاسلكي.
أثناء توليه رئاسة الوزراء ، وفيما هو يقود البلاد إلى برّ الأمان ، في دحر داعش ، وترسيخ الوحدة الوطنية ، يشنع عليه رفاقه في حزب الدعوة من جماعة المالكي ، والمجموعات الفاسدة في مجلس النواب الخائفين من نزعته الاصلاحية ، ويصفونه بالضعف وعدم القدرة على مواجهة الواقع العراقي المعقد لما بعد داعش. والحال إن هؤلاء المشنعين هم من وضع العصي في برنامجه الإصلاحي ، وراحوا يجمعون الانصار لإفشال خططه في جمع القوى الداخلية والعربية وتالدولية في سبيل دحر العدو الرئيس في هذه المرحلة المتمثل بالارهاب .
إذا كان من ضعف في مواقف العبادي فيتمثل بعدم الرد على هؤلاء المتآمرين الحاقدين على قيادته الناجحة، وإلى صمته في قيام هؤلاء بتخريب برنامجه الاصلاحي والعودة الى الواجهة السياسية من جديد !