السبت: 24 أكتوبر، 2020 - 07 ربيع الأول 1442 - 06:21 مساءً
حوار
الجمعة: 27 يناير، 2017

حاوره: نورالدين علوش

 

 

* كثر الحديث ثقافياً وإعلامياً وسياسياً عن الإسلام السياسي, خاصة بعد مرحلة ما بعد الربيع العربي، حيث نجحت الأحزاب الإسلامية في الانتخابات. بداية حدثنا عن إشكالية مصطلح الإسلام السياسي وما أصابه من تمفصل.

 
– إنَّ الحفر في الحراك الإسلامي ليس منعزلاً عن تاريخية الفكر وخصوصاً الأحزاب المتنافسة، فالساحة العربية تتقاسمها الشموليات الثلاث: القومي والماركسي والإسلامي، ومعنى هذا أنّ الخطاب الإسلامي تنوع، وأصاب حركته تمفصل وتنوع بالتأثير الذي تركته المنافسة مع التيارات الأخرى، فالإسلام في بداية عهده النهضوي مع الأفغاني ومحمد عبده والنائيني مختلف عنه في الإسلام المقاوم للاحتلال في العالم العربي، ومختلف أكثر فيما حدث بعد العهد الستيني، بمعنى أنّ الخطاب الإسلامي كان قد اقتبس الكثير من المسميات وآليات الصراع من التيارات الأخرى، منها اعتماد العنف وسيلة من وسائل التنافس على السلطة، ولكن ليست كل التيارات الإسلامية انتهجت هذا المنهج، فهناك موقفان: الأول منهما يعتمد على التحول السلمي عبر المطالبة السلمية، والآخر: يعتمد على العنف وسيلة من أجل التغيير، وهذا سوف نقف عنده، لكن دعنا نبيّن التأثير والتأثر بين الشموليات الثلاث، وخصوصاً بعد النكسة، فهي جميعاً قد وجدت في النكسة نتائج السياسات السابقة، وما أصاب المنطقة من تردٍ اقتصادي وثقافي وحضاري، ومقاربتها مع آثار الصراع مع العدو الصهيوني، فكانت بداية تحولات وبداية بزوغ نوع جديد من السلوك السياسي الإسلامي. أمّا عن التأثير فهناك على مستوى الملفوظ تجد مفردات تعكس تثاقفاً مع التيارات الأخرى، ومنها الماركسية أو من الفكر السياسي الغربي، حدث هذا بحكم الواقع، ومنها ملفوظات قرآنية أخذت من خلال تأويلاتهم معاني جديدة تحمل شحنة إيديولوجية: أمّة، شورى، حزب، توحيد، مستضعف، جاهلية …إلا أنّ هذه الملفوظات تمّ تأويلها ضمن سياق سياسي حديث يتواءم مع المصطلحات السياسية الغربية في مجال سياسي معاصر؛ “فالحاكمية” أصبحت تعني “السيادة”، ومفهوم الثورة أصبح يعني معاني وليدة قراءات إيديولوجيا إسلامية للقرآن الكريم.

 
وهذه الملفوظات التي حملت شحنة إيديولوجية إسلامية كانت تعبّر عن نمو في الفكر السياسي الإسلامي، وهي مشحونة بالضغوط السياسية والنفسية التي كانت تعبّر عنها تلك المرحلة من الصراع، وما أفرزته من صراعات واحتكاك بين التيارات المتنوعه محليّاً وعالمياً وقتها.

 
وقد تطورت فكرة إيديولوجية إسلامية تجمع بين التراث من مفاهيم قرآنية وفقهية وصوفية وبين الرؤية الإيديولوجية المعاصرة، كما تجلت في فكر المودودي ١٩٠٣ والترابي 1932، فقد كان يشغلهم تصنيف المفاهيم الإسلامية تبعاً لأنماط القانون والعلوم السياسية الغربية، كما لو أنها مفاهيم شاملة، فهم كانوا يرونها تعبّر عن القيم الجامعة الشاملة، وإن كانوا لا يرونها في حاجة إلى مقارنتها بالأديان الأخرى أو الأنظمة السياسية، فالإسلام في نظرهم ليس جملة معتقدات فقط، بل إنّه نظام جامع كامل يتناول كافة وجوه الحياة.

 

 

وهي تعبر عن تمفصل داخل الخطاب الإسلامي وأفقه التنظيري الإيديولوجي المحكوم بأسلمة المجتمع، فهذه التيارات التي يشملها الإسلام السياسي، وإن كانت متوافقة على أسلمة المجتمع، إلا أنها اختلفت في الآلية الموصلة إلى تحقيق هذا الهدف، لهذا ظهر تياران يمكن رصدهما في القراءات التي تناولت الخطابات الإسلامية، وهما تياران: أحدهما معتدل، والآخر متشدد، الأول يحاول اعتماد الطريق السلمي من أجل أسلمة المجتمع من تحت، أي من القاعدة الاجتماعية عبر إنشاء حركات اجتماعية ثقافية تعتمد آليات الضغط الجماهيرية في تحقيق مرامي تلك الجهة الإسلامية وأهدافها، ويعتمد طريق الأسلمة عبر إدخال الشريعة في كل تشريع، ويعتمد هذا الاتجاه على طريق التدرج في التحول الاجتماعي، فقد كان حسن البنا وأبو الأعلى المودودي لايقبلان بالثورة إلا بعد استنفاد وسائل الضغط السلمية، أو إذا اتخذت الدولة بوضوح موقفاً معادياً للإسلام.
والاتجاه الثاني يعتمد على طريق مختلفة قائمة على التغيير من فوق، عبر الاستيلاء على السلطة أو التقاطع التام مع المجتمع، فهم لايرون أي إمكانية للتسوية مع المجتمع المسلم الحالي؛ لذا يدعون إلى القطيعة معه، ويعتمدون على آليات التكفير والمفاصلة عبر توظيف مفهوم الثورة، لأنهم مهمشون ومقصيون، وبعرف الماركسية مغتربون عن المجتمع، وكان سيد قطب من الإخوان المسلمين هو الأب الروحي لهذا التوجه الذي أغرق العالم العربي بالعنف، وما زالت تلويناته تتجلى بأشكال متنوعة.

 

 

* هل يمكن الحديث عن تيار إسلامي واحد، أم أنّ هناك الكثير من التنظيمات الإسلامية تختلف في الوسائل والغايات؟
– إنّ البحث عن قاسم مشترك في الحراك السياسي الذي مثله الفكر الإسلامي ممكن، فهناك أمران من خلال الدراسات التي عدت إليها في تبيان القواسم الجامعة بين التيارات الإسلامية على تنوعها، وأنا أجدها في نقطتين مهمتين؛ الأولى: أنها تيارات جميعها سجينة “الخطاب الأصولي” الذي قوّض التعددية الثقافية والدينية منذ أمد بعيد، وقوّض سمة مهمة من سمات ثقافة الإسلام، إنها التعددية والعقلية، وأحلَّ محلها المنهج الأصولي القائم على التكفير والعودة إلى الأصول، أمّا السمة الثانية فهي أنّه جعل الإيديولوجيا هي البنية المهيمنة، وهاتان النقطتان ساهمتا إلى حد كبير في خلق الخانق الثقافي الذي يعاني منه عالمنا، وهو رهين هذه المحابس الثقافية والنفسية.

 
والعامل الأول ولَّد شعوراً بالعجز التام عن اجتياز عتبة التطور الاقتصادي والعلمي الحديث، وهو عجز ناجم عن فعل قصدي قامت به الأصولية الإسلامية عندما عطلت ونمّطت التفكير الإسلامي، وخنقت أفقه في مساحات ضيقة جعلت منه رهين الماضي المتخيل المصطنع من الفقهاء، كما حدث هذا في القرن الخامس الهجري ـ الثاني عشر الميلادي ـ يومها خنق عالمنا الإسلامي نفسه بنفسه عن التاريخ في مرحلة معينة من مراحل التطور، يوم سجن نفسه داخل تصور أصولي لثقافته الخاصة وأقصى كل ما لا يوافق ذلك التصور.

 

 

والجانب الآخر هو هيمنة الخطاب الإيديولوجي – بحسب ما يشير داريوش ـ فالإيديولوجيا اليوم تلعب الدور نفسه الذي كانت تلعبه الأسطورة، فهي من هذه الناحية ترضي الروح الجماعية من خلال إضفاء المصداقية والحماسة والتناسق على معتقداتها ورؤيتها للمجتمع والكون من خلال مطابقتها بين التجربة والواقع والعاطفة الدينية، سابغة على كل هذا مظهراً علمياً وفلسفياً على الرغم من أنها مخالفة لكل ذلك. وهذه الأيديولوجية والروح الأصولية خلقتا واقعاً دوغمائياً متزمتاً منغلقاً، ينطلق من مقولات قبلية غير قابلة للمراجعة، متعالية على النقد وترفض أي تاريخية، فهي تحتكر المطلق وتتكلم باسمه.

 
هذه الإيديوجية الأصولية التكفيرية في تجلياتها اليوم مغتربة عن الروح الفلسفية القائمة على هم إنساني يقوم على طرح الأسئلة، ومنفتحة على المتغيرات، لكن الإيديولوجيا اليوم، وإن كانت تلبي لدى الإنسان حاجته إلى الاعتقاد وحاجتها إلى تبرير هذا الاعتقاد وإسباغ الشرعية عليه، فإنها تحولت إلى إيدولوجيا تجييشية للمشاعر وصانعة للعنف والتشوه السياسي وتبرير القتل والموت وثقافة محو الآخر تاريخاً وثقافة ووجوداً.

 
إلَّا أننا يمكن أن نرصد أنّ الإسلام السياسي في تحركه صوب الإيديولوجيا تعرّض لتحولات، فنحن نجد أنّ الفكر السياسي أصابه تنوع، فاختط لنفسه خطابين؛ الأول: الإسلام التقليدي كما عرف في المؤسسات الثقافية الإسلامية في القيروان والأزهر والنجف وقم، وهناك إسلام ثوري مقابل له يروم إحداث حراك اجتماعي يغير المجتمع، ولعل هذا ما أشار إليه علي شريعتي بقوله: “إنني أبحث عن إسلام العدالة وإسلام الوعي الحر والإسلام الحركي، لا إسلام العبودية وانعدام الوعي والجمود، الإسلام المجاهد لا إسلام الروحانيات السلبية، أبحث عن تشيع علي لا عن تشيع الصفويين، أبحث عن إسلام دم الحسين لا إسلام دموع الحسين…”.

 
بمعنى أنه يريد الجهاد حركياً من أجل تحقيق العدالة التي تحرض على التغيير وتسعى إلى تثوير المشاعر من أجل إزالة المؤسسة القائمة، لكن هل يقدم بديلاً مؤسساتياً؟ ليس هنا ما يعبّر عن هذا، لأنّ الإيدولوجيا تبقى محكومة بالإثارة.

* للتيار الإسلامي الكثير من الرموز الفكريّة، فمن هم أبرز المنظّرين والمفكّرين؟ وما أطروحاتهم الفكرية؟
– أعتقد أنّ الحديث في هذا واضح وبيّن، وأغلب هؤلاء الآباء المؤسسين أفكارهم معلنة، ونحن أثناء حديثنا ميَّزنا بينهم، وإن كان بإيجاز، وأعتقد أنّ “حسن البنا” كان علامة مميزة في الحراك الإسلامي، وشكَّل قطيعة مع الفكر الذي جاء به محمد عبده، وهذا يرجعه مؤرخو تاريخ الأفكار إلى أستاذه رشيد رضا الذي أحدث قطيعه مع الفكر النهضوي مع ما جاءت به الأحداث أثناء الحرب وبعدها من غرب محتل للأراضي العربية الإسلامية، ونتيجه تلاقيه مع الفكر الإخواني الوهابي في الجزيرة وموقفه السلفي المتشدد، كلّ هذا ترك ظلّه على البنا، وهو يشكل تياره ودعوته إلى الإصلاح والتجديد وليس التحديث، ونقله الدعوة من طابعها المؤسساتي الأزهري إلى الناس عامة، شارك في تأسيس إسلام له ملامح إيديولوجية مختلف عمّا هو عليه في الأزهر الذي تخرج فيه البنا من دار العلوم 1927، وقد عُيّن مدرساً في الإسماعيلية في عمر 21 سنة ومن يومها بدأ نشاطه جامعاً بين علمه وشخصيتة الكارزمية، وبما يمتلكه من قدرة على الإقناع خطابياً، إلا أنه أيضاً كان سبب انتكاسة الجماعة، لأنه احتكر القيادة ممّا أدى بالجماعة إلى ابتعاد بعض أعضائها نظراً لميله إلى أعمال العنف، على الرغم من أنه كان في البداية بعيداً عنها، إلا أنه دفع الثمن حياته والمحن التي واجهتها الجماعة فيما بعد. كان يؤكد على مفهوم القيادة التي انتقد غيابها عن خارطة الأحزاب المصرية، ولكنه كان أيضاً ضد الحياة السياسية بمعناها البرلماني، على الرغم من أنه في البداية استفاد من قواعد الحياة السياسية والصراعات بين السلطة والمعارضة أو مع القصر، إلا أنه كان يعد خطاباً سلفياً تغييراً نلمسه في تلك الإيديولوجية التي تمثل الآصرة للإخوان وتمثل البعد الطوباوي الثوري الذي طبع الحركات الثورية يومها قومية أو يسارية، من خلال مقولة التغيير للمجتمع والعودة الى الأصل الصافي، هذه قاعدة مشتركة تخرج تلك الحركات من الحياة السياسية بمعناها الغربي الليبرالي إلى خطاب ثوري شامل يعمل على التغيير والعودة إلى الأصولية المتخيلة. كما يقول استنباط رشيد رضا من الحديث النبوي: “إنّ طالب الولاية لا يُولى”، وهذا يمكننا تلمّسه في إبعاد إيديولوجية الإخوان كما عرضت لها: شمولية الإسلام للدين والدولة، والرجوع بالإسلام إلى تعاليمه الأولى، والجامعة الإسلامية؛ فالإسلام هو عقيدة وعبادة، وهو وطن وجنسية، ويعد المسلمين جميعاً أمّة واحدة، ويعتبر الوطن الإسلامي وطناً واحداً، بالإضافة إلى هذه الأفكار الشمولية التي تتجاوز المفهوم الوطني إلى جماعة شمولية لا يحدّها حد، تجلت أكثر في التمسك بفكرة الخلافة، وهي مرتبطة بالفكرة السابقة التي كانت بداية خيال عقدي يقوم على أسلمة المجتمع من خلال طرحهم مفهوم: “الحكومة الإسلامية”، وقد أعلن “حسن البنا” أنّ الإخوان المسلمين ينهجون في جميع خطواتهم وآمالهم نحو الحكومة الإسلامية بعد مضي فترة تنتشر فيها مبادئهم وتسود. فمفهوم الدولة الإسلامية تحدد في كون الدولة “هي التي تجعل من الإسلام أساس شرعيتها أو مشروعيتها”. وأصبح المثقف المسلم هو المثقف الذي ينظم فكراً واعياً وقاصداً في الإطار المفهومي للإسلام. هكذا كانت السلطة هي الغاية النهائية في تحقيق التغيير عبر إقامة دولة إسلامية، ممّا يعني إلغاء النظام البرلماني وتغيير المجتمع من أجل أن يتفق مع المثال المتخيل إيديولوجياً الذي يمثله الأصل الصافي، وبالتالي إلغاء دور الفرد ومسؤوليته الفردية وإحلال الدولة وإسقاط دولة المواطنة وإقامة سلطة شمولية عقائدية تجمع السلطة الزمنية والدينية من خلال حاكمية نخبة “أهل الحل والعقد”. فالإخوان يقاسمون الحركات الثورية القومية واليسارية في أنهم لا يصمدون أمام إغواء السلطة لأنها غدت المحرك الأصلي المؤثر في إقامة عالم أفضل متخيل إيديولوجياً.

 
أمّا “جماعت إسلامي” أبي الأعلى المودودي (1903 ـ 1978) فهو الآخر كان له تجربة وظرف سياسي وتاريخي مختلف، كان محرّضاً على تقديم خطاب تجديدي، إلا أنّه أسّس حزب “جماعت إسلامي” عام 1941، ويبدو أنّ فكره كان انعكاساً لواقع سياسي واجتماعي في باكستان وصراعها مع الهنود، فكان الدين هو سبب وجود الدولة وهويتها، وكان له أثر في طرحه لمفاهيم: الحاكمية والجاهلية في المجتمع غير المسلم التي كان ينظر من خلالها إلى المجتمع الهندوسي الهندي، وجاءت تجربته بالسياسة بنتائج دفعته إلى أن يستبعد من الدولة التي ناضل من أجلها، إلا أنه بالمقارنة مع كلٍّ من حسن البنا وسيد قطب، اللذين كانا غريبين عن الأوساط الدينية، كان المودودي على صلة قوية وحميمة بالمؤسسة الدينية وعلمائها، ممّا جعله يشغل منصب مستشار الشريعة الإسلامية للجنرال “ضياء الحق” في باكستان، وقد انتشر حزبه في شبه القارة الهندية، وأصبح من أكثر الأحزاب إسلامية.

 
وأمّا أطروحاته الفكرية فقد تمثلت في مؤلفاته مثل: منهاج الانقلاب الإصلاحي، “معارضة الإسلام للفلسفات والأنظمة غير الإسلامية”، “نظرية الإسلام السياسية” في وجوب عدم الجمع بين “الإسلام وغيره”. “المصطلحات الأربعة في القرآن”، “القانون الإسلامي والدستور”. ففي هذه الأعمال كانت تتجلى أطروحته، إذ دعا المودودي إلى إعادة بعث الإسلام والأمّة الإسلامية على أسس تصوّر كامل وشامل للإسلام، حيث يحكم المسلمون أنفسهم بما أنزل الله في “قرآنه” بعد انقلاب شامل وجذري يمرّ بمرحلتين: المرحلة الأولى تكون نواة من المتدينين المسلمين، الذين يمرون بمرحلة توجيهية إعدادية تستغرق ثلاثة عشر عاماً -عمر الدعوة في مكة- لترسيخ العقيدة الإسلامية في قلوبهم وعقولهم، بحيث يكونون طليعة الأجيال الإسلامية التي سيرتكز عليها بناء المجتمع الإسلامي الجديد. أمّا المرحلة الثانية فهي مرحلة التنظيم والمواجهة والجهاد من أجل خلق الدولة الإسلامية الجديدة ونظمها القرآنية، وتكون هذه الدولة نموذجاً ومنطلقاً للحرب المقدسة الجديدة، التي سيشنها المسلمون مباشرة ضدّ أعدائهم من “طواغيت المجتمع الجاهلي الحديث”، وما يمثلونه من الظلم والقهر والاستغلال. ويكون المنهج الانقلابي الذي اتبعه الرسول في المدينة هو القدوة والمثال لهذه المرحلة أيضاً، الذي استطاع أن يقرّ العدل والمساواة والأخوّة في ربوعها.
وهو يحاول استلهام تاريخ الدعوة والمراحل التي مرّت بها بين الدعوة السلمية القائمة على النمط التغييري من الداخل، ثم تأتي مرحلة التغيير من الخارج عبر الجهاد. وهذا ما يمكن أن نستنتجه من خلال ما جاء في كتابه: “نظرية الإسلام السياسية”، يتحدث المودودي عن التكاملية فيقول: الإسلام نظام حكم أسس على مبادئ حكيمة ومتقنة، من أركانه الكثيرة المهمة إلى الجزئيات الصغيرة الدقيقة، كلها يرتبط بتلك المبادئ ارتباطاً منطقياً.

 
وهنا أيضاً يظهر مفهومه المهم الذي كان له تأثيره على الاتجاهات الإسلامية الأخرى، إنّه مفهوم “الحاكمية”؛ أي مفهوم حاكمية الله الواحد الأحد، ونظريتها الأساسية أنّ الأرض كلها لله وهو ربها والمتصرف في شؤونها. فالأمر والحكم والتشريع كلها مختصة بالله وحده، وليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو شعب بل ولا للنوع البشري كافة شيء من سلطة الأمر والتشريع، فلا مجال في حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه إلا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفة خليفة الله.

 
هذا المفهوم الخطير يذكرنا بما فعله المنصور العباسي الذي تحوّل خليفة لله على عباده، وليس خليفة الرسول، كما يذكر محمد عابد الجابري في العقل السياسي، وهو أيضاً يذكرنا بالخوارج عندما رفعوا هذا الشعار، كما يذكر نصر حامد أبو زيد، فهذا النمط من التنظير يحتكر السلطة في شخص أمير الجماعة، ودور الجماعة فقط إبداء المشورة، وهذا يجعل من الناس مجرّد رعيّة عليها السمع والطاعة. ويظهر ذلك جلياً في تأسيس أبي الأعلى المودودي في تصوراته. ولعل هذا أيضاً كان لدى حسن البنا الذي كان يرى أنّه استلم الراية من رسول الله، وأنّه يريد أن يفهم أعضاء جماعته “أنه مؤيد من الرسول وليس لأحد أن يحاسبه أو يراقبه”.

إنّ المودودي يؤسس لهذا الأمر عندما يدمج بين سلطة الله والأمير عبر الدمج بين “الوحدانية” و”الاستخلاف”، فيغدو الخروج على الأمير خروجاً على الله، وهذا يتجلى بكون الخلافة هي خلافة إلهية، يقوم فيها “الإمام” بوظيفة “خليفة لله” أو “خليفة الحاكم الأعلى “الله” ولا يتولى إلا ما ولاه المستخلف.

 
هذا التصور يتعارض مع الفهم الحديث للحكم القائم على حاكمية الشعب؛ ففهم الإسلاميين للحكم مختلف عما نجده في الفهم المعاصر، فالخروج على الحاكم يعني الخروج على الله، وتغدو الحاكمية هي السلطة العليا أي الحاكم أو أمير الجماعة أو الخليفة، يقابلها الطاعة والإذعان وعلى أساسها تكون المكافأة التي تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والإخلاص له . وهذا التصور هو المهيمن في كل خطابات الإسلام السياسي.

 
ويُعدّ مفهوم الجاهلية من المفاهيم المهمّة، إذ يرجع مصدر الجاهلية إلى مصدرين: الأول منهما جاهلية الوافد الغربي التي حملتها إلينا الحضارة الغربية في ركاب الاستعمار الحديث، أمّا المصدر الثاني فجاهلية موروثة في تراثنا وواقعنا وتاريخنا منذ القرن الهجري الأول، وسبب هذه الجاهلية التي استحق واقعنا ومجتمعاتنا بسببها حكم الكفر ووصفه، وجماعها وجوهرها تحكم غير الله في نظام الحياة وحكم الواقع وتنظيم المجتمعات أي جعل الحاكمية في (الدولة) لغير الله.

 
سيد قطب (1901 ـ 1966) هو أحد رموز الإيديولوجيا التي تنتشر في الإسلام السياسي، فقد كان متأثراً بفكر أبي الأعلى المودودي، وحصل اتصال مباشر بينهما عندما كان الأخير منفيّاً في القاهرة، لقد كان له أثر كبير في التغيّرات التي طرأت في فكر الإخوان المسلمين.

 
ولعل هذا أيضاً يردد تلك المواقف التي اتخذها أبو الأعلى من الغرب وأنظمة الحكم فيه، وهو ما نجده في فكر سيد قطب الذي يردد قناعة ثابتة، هي لا بُدّ من قيادة جديدة للبشرية لأنّ قيادة الرجل الغربي أوشكت على الزوال، ولأنّ الحضارة الغربية قد أفلست مادياً، أو ضعفت من ناحية القوة العسكرية والاقتصادية.

 
ومن المقولات التي شدّد عليها سيد قطب، وكان لها أثر فاعل فيما بعد على “الإسلام السياسي” مقولتان هما: “الحاكمية” و”المجتمع الجاهلي”. ففكرة الحاكمية التي أخذها عن أبي الأعلى المودودي، والتي بها قطع الصلة بين الإسلام والفكر السياسي الحديث الذي يعتبر الأمّة والشعب مصدر السيادة في التشريع. تقوم فكرة الحاكمية على مفهوم “الاستخلاف” و”الوحدانية” الإسلاميين. فالاستخلاف يجعل الإنسان ليس مالكاً حقيقياً ولا مشرعاً أصلياً ولا حاكماً لذاته، بل ترجع هذه الصفات إلى الله وحده الذي ضمّنها شريعته، وعلى الناس أن يتصرفوا بموجبها فالإنسان هو وكيل مؤقت من قبل الله.أمّا مفهوم “الوحدانية” فهو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الدولة الإسلامية باعتبار أنّ الأرض كلها لله، وهو المتصرف الوحيد فيها.

 
أمّا المقولة الثانية: فهي مقولة “المجتمع الجاهلي”، وهي تتناول موضوع الأقليات في المجتمعات الإسلامية، والمساواة في أمور الدنيا بينهم وبين المسلمين. فسيد قطب، انطلاقاً من رؤيته للمجتمع الجاهلي، يقول إنّ الإسلام لا يقدّم لأهل الكتاب في حالة المسالمة إلا الحماية وحرية المعتقد وممارسه الطقوس الدينية والرحمة، في أدائهم الجزية، ويعرف “المجتمع الجاهلي” بأنه كل مجتمع لا يكون معتقد أهله الإسلام، ولا يخلص عبادته لله وحده، ولا يعترف في عداد هذا المجتمع الجاهلي المجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض كلها، والمجتمعات الشيوعية والوثنية، والمجتمعات الإسلامية التي تُطلق على نفسها صفة الإسلامية، لكنها لا تحكم بما أنزل الله من الشرائع، بل بشرائع مستعارة من حضارة الغرب وعَلمانيته.

 
وهكذا تسربت نظرية “الحاكمية” المودودية إلى تفكير التيار “الاعتراضي” أو الجهادي “الانقلابي” في جماعة “الإخوان المسلمين بواسطة سيد قطب الذي لعب دور الموجّه النظري الأساسي لهذا التفكير التكفيري.

 
ويبدو أنّ هناك تحولاً في فكر الإخوان من خلال تثاقفه مع أفكار المودودي، ممّا جعل بعض الباحثين يقولون إنّ سيد قطب “أنشأ فكراً جديداً”. لكنّ المتأمل في سيرة الفكر الإخواني لا يجد هذا حقيقياً، فالفكر القائم على الجهاد هو هو، فقد كان قائماً في زمن البنا، وإنّ أسلمة المجتمع ما كانت لو لم يكن المجتمع جاهلاً وخارجاً عن الشريعة، فالفرق فقط في الوسيلة واعتماد التحول التدريجي، وهذا ما بيّنه نصر حامد أبو زيد الذي لم يرَ تحولاً جوهريّاً، بل المنهج هو ذاته، والرؤية هي ذاتها، وليس هناك اختلاف كبير، من خلال رصد الآليات:
1 ـ التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.
2 ـ تفسير الظواهر كلها بردّها الى مبدأ واحد.
3 ـ الاعتماد على سلطة “السلف” والتراث، وذلك عبر تحويل النصوص التراثية، وهي نصوص ثانوية، إلى نصوص أوليّة تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل في كثير من الأحوال عن النصوص الأصلية.
4 ـ اليقين الذهني والحسم الفكري “القطعي” ورفض أي خلاف فكري إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأصل.
5 ـ إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل.
والخلاف بين المعتدلين والمتطرفين يكمن إذن في “تكفير الحاكم والمجتمع”، وإن كنا سنكتشف أنّ الخلاف خلاف هامشي، وليس خلافاً جوهرياً.
هناك من يقيم فصلاً بين مرحلتين من تاريخ الإيديولوجية التي يعتمدعليها الإسلام السياسي.
بعض الباحثين يقيم تمفصلاً في خطابات الإسلام السياسي، وهي تعتمد على التنظير الإيديولوجي وبين الممارسة القائمة على إرجاع الممارسة إلى الأمير الذي تعتمده الجماعة ويكتفي دور الجماعة بالشورى أي تقديم النصح.

 

 

وأنا لا أجد ذلك، فكل التحولات في الخطابات الجهاديَّة والتكفيرية هي ذاتها، تقوم على تطبيق الشريعه وتكفير كل من هم خارج التنظيم، وتطبيق النصوص التي كانت تطبّق على الكفار الذين حاربهم الرسول وأقام الحدود عليهم، وكأنهم كفار خارج الإسلام.
لكن يمكن رصد تحولات تنظيمية على صعيد تحول التنظيمات الإسلامية من حيزها الوطني إلى حيزها المعولم، أي أنها استفادت من التحولات الكونية التي جاءت مع العولمة من نقل تنظيمها إلى صعيد عالمي، وهنا يمكن أن نرصد في تشكل التنظيمات العلمية التكفيرية: الأول على صعيد الإسلام الأوروبي وكيف حصل تحوّل في الخطابات الإسلامية الجهادية التي تنتمي إلى أماكن مختلفة من الشرق، وكيف استقرّ هؤلاء المهاجرون ومن ثم أبناؤهم، واتباع آليات تحاول تجنب اندماجهم في البلدان والثقافات الأوروبية التي يشعرون بأنّهم مغتربون عنها، وهذه التنظيمات اتبعت بناء مخيَّل عقائدي نجده في الإسلام الأنموذج كما أقامه النبي محمد في المدينة. فهؤلاء يحاولون إلغاء كلّ الثقافات التي جاؤوا منها كالهند وباكستان ومصر والمغرب ….إلخ، وإقامة بدل عنها الأنموذج الذي يدمجهم داخل فضاء تنظيم الجهاد بوصفه مجتمع الجماعة الصالحة، ومن ثم اعتبار الآخرين هم الضد الحيوي الجاهلي الذي يجب محاربته من أجل أسلمته باتباع كل الوسائل التي تجعله ينتمي إلى الإسلام.

 
وهذا يعني اتباع آليات الولاء والبراء التي تجعل من الجماعة تندمج على الرغم من اختلاف أصولها العرقية في هويّة متخيلة تقوم على محو الأصول والتأكيد على هذه الهويّة من ناحية، ومن ناحية ثانية تقتضي نفي الآخر والعمل على البراءة منه، وهذا تجلى في تلك الأطروحة.

* يرفع الإسلاميون شعار الإسلام هو الحل، باعتباره حاملًا لمشروع سياسي واقتصادي واجتماعي، ما رأيك؟
– إنّ المشروع الإسلامي ينطلق من أنموذج مثالي، يراد تحويل المجتمع له حتى يكون مجتمعاً مسلماً يتوافق مع رؤية الإسلام السياسي، لكنّ هذا الفكر له مسوغاته التي أتاحت إمكانية تواجده حتى يكون ممكناً تلقيه من الناس، ويمكن أن نحصر المسوغات بالآتي:
1-التخلف الاقتصادي والبطالة والتهميش السياسي والاجتماعي والإثني والطبقي، كما هو عليه الحال في المعسكرات الفلسطينية المتواجدة في الأردن ولبنان وسوريا، وكيف تحولوا إلى تنظيمات القاعدة.

2-الصراعات المذهبية وتجييش الحروب الدينية ذات الأفق الطائفي كما في العراق وسوريا، أو بين المكوّنات كما في ليبيا والسودان واليمن، ودورها في خلق انشقاقات داخل الأمّة الواحدة مستثمرة الخلافات المذهبية والتاريخية.

3-الصراعات بين الدول الإقليمية المهيمنة من ناحية، والصراع مع الدول العظمى في المنطقة، وكلّ هذه تتخذ من الصراعات الدينية مجالاً للتحرك في وقت تعجز عن المواجهة المباشرة، فتدعم الحركات الإرهابية على أسس مذهبية وطائفية، ويتحول النفوذ وكأنّه صراع مذهبي صدع داخل الحضارة الإسلامية.
4- مشاريع الحرب على الإرهاب التي تريد إعادة بناء الشرق الاوسط على أسس طائفية وتحول الصراع بين الحضارات إلى صراع داخل الحضارة الإسلامية.
كلّ هذه المشاريع ساهمت وتساهم في تغذية العنف والتطرف وتمنحه المشروعية، وبهذا يتحول الصراع على أسس رمزية دينية، ويحاول الهيمنة على الطوائف بواسطة التطرف، حيث يتخذ منها حاضنات وملاذات ومصدراً للتمويل بالمال والرجال، ويتخذ من الخصوم من المذاهب الأخرى عدواً لايمكن التعايش معه، بل يعمل على اجتثاثه عبر القتل وتطويب أرضه وماله.

والجرائم التي تحدث في العراق بحق الأقليات تهدد السلم الأهلي بل العالمي، وتبين أنّ هذا الفكر يمارس أشياء لا تخطر على بال أحد، كما حدث مع التركمان الشيعة واليزيدية والمسيحيين، فتجعلني أستعيد ما قاله من قبل نصر حامد أبو زيد: إنّ الأمر لا علاقة له بالإسلام كما يحاول أعداؤه أن يصوروه، بل بالقراءات التي تقرأ الخطاب الإسلامي، وهي التي تعرّضنا لها هنا في حوارنا هذا، إنها لا تؤمن بالتاريخية ولا تؤمن بالتعايش مع المختلف.
وليس هناك فرق بين المتشدد والوسطي لأنها كلها تؤمن بثوابت الحاكمية وتكفير المخالف الذي تمارسه الدولة الحاكمة في عالمنا العربي.

 

 

* استطاع التيار الإسلامي الفوز في الكثير من الانتخابات بعد الربيع الديمقراطي العربي، لكنه فشل في إدارة المرحلة الانتقالية، فما هي الأسباب في نظركم؟
– لقد جاءت الأحداث العربية بتحول مهم من التحولات التاريخية، إنّه الربيع العربي، وعلى الرغم من كل النقد له إلا أنه تحول مهم في إعادة تقييم المراحل السابقة وخلق قطيعة معها، لكنّه تعرّض لإعادة امتلاك من القيادات الشمولية ومنها الإسلام السياسي، فالدول المستبدّة التي جاءت مع العقد الستيني التي هي وليدة الخطاب القومي منعت الربيع العربي من تحقيق التحول السلمي، لكن كان هناك رغبة من قبل الشبيبة بأن تطالب بالإصلاح كما حدث في أوروبا الشرقية، إلا أنّ الخناق كان يحاصر تلك الشبيبة من ثلاثة اتجاهات: أولاً الخطاب الإسلامي، فهو خطاب عتيد وله مؤسسات اجتماعية وبنوك وخبرة ومرتبط بشبكة عالمية من القوى السلفية تعتمد الدعوة، ولها سلطاتها الثقافية والإعلامية والاجتماعية، ومن ناحية ثانية القوى العميقة للدولة وأجهزتها وحاضنتها الاجتماعية والإعلامية والأمنية، وزوال حزبها لا يعني زوالها، فدخلت في صراع عميق مع الإسلاميين، ويقابل كل هذا دعم خارجي من الدول العربية التي تخشى من التحول، وهناك أيضاً الدول الغربية هي الأخرى التي مارست دوراً في إعادة صياغة الواقع بما يتناسب مع مصالحها، وكلّ هذا والشبيبة ليس لها تجربة وهي عرضة إلى كل هذه الأخطار.

 
لكنّ الاسلاميين الذين كانوا يعتمدون المعارضة بشقيها: الدعوة السلمية القائمة على المهادنة أو المقاومة المسلحة، اتبعوا تكتيك استثمار التحول، وهي جزء حيوي منه، إلا أنها حاولت فرض كلّ هويتها الشمولية، ولم تتح للآخر مجالاً، فحاولت التعبير عن مشروع أسلمة المجتمع، وجعلت من الديمقراطية السُّلَّم من أجل الوصول إلى السلطة التي لا تريد مغادرتها، وهنا كان مقتل الإخوان في مصر. فالمجتمع لم يعتد على هذا الخطاب الشديد الذي جعل من الدولة السابقة وقواها تعمل على عرقلة مشروعهم وفضحه والحيلولة دون نجاحه، حتى استثمرت الغليان وقادت الانقلاب عليهم، وبالمقابل كان هناك الخطاب الإسلامي في تونس التي حاولت احتواء المختلف وانتهاج موقف وسطي بين العَلمانيين والمتشددين الإسلاميين الذين انخرطوا في الصراعات الإقليمية في العراق وسورية.