السبت: 17 نوفمبر، 2018 - 08 ربيع الأول 1440 - 05:17 صباحاً
دفاتر
السبت: 10 مارس، 2018

محمد شعبان

 

يُروى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد (766 – 809) كان ذات يوم على سفر في سفينة، وكان معه أبو وهيب بهلول بن عمرو بن المغيرة (ت. 806)، فذهب الأخير إلى جوار السارية وصار يكلمها، فجاءه الرشيد وسأله: أراك تكلم نفسك، ماذا كنت تقول؟ فأجابه بهلول: والله ما كنت أكلم نفسي ولكني أكلم الدكّل (السارية) فسأله الرشيد: وماذا قلت له؟ فقال بهلول: قلت له: أنت وحدك العدل في هذا المكان.

هذه الحكاية التي ذكرها كاظم سعد الدين في كتابه “الحكاية الشعبية العراقية” هي واحدة من قصص كثيرة مشابهة تتحدّث عن نقد مدعي الجنون للحكام، وفيها قصد بهلول الذي استتر بالعته أن يصف الخليفة العباسي بعدم الاستقامة، نافياً عنه صفة العدل.

الاستتار بالعته

وشرح أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة عين شمس الدكتور عبد الباقي السيد لرصيف22 أن ادعاء الجنون وفقدان العقل عمد إليه كثيرون لانتقاد الحكام في العصور العربية-الإسلامية المختلفة، خاصة تلك التي شهدت بطشاً واستبداداً، إذ توارى البعض وراء الخبل حتى يهرب من التنكيل به.

وبحسب ما ذكرته أستاذة الأدب الشعبي في جامعة القاهرة الدكتورة إيناس محمد لرصيف22، فإن المجانين يقولون ويفعلون ما يريدونه بدون خوف من العقاب، لأنهم في نظر المجتمع فاقدو أهلية، ومن ثم كانت شخصيات مدّعي الجنون تبرّر قدرتهم على البوح بما يجول في صدور غيرهم ممّن يخافون من مجرد التلميح إلى أمور ترتبط بفساد الحكم وشيوع الظلم بين المحكومين.

ورغم رواج حكايات مدعي الجنون في كتب التراث العربية، إلا أن أغلبها “مختلق” ولا يمكن تمييز الحقيقي منها من الموضوع، بحسب أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة الدكتور خالد أبو الليل.

وذكر أبو الليل لرصيف22 أن الحكي أحد وسائل التعبير عمّا يدور في المجتمعات، وعندما تزداد وطأة بطش السلطة وقيودها، يلجأ الراوي أو المؤرخ إلى الخيال، فيستدعي حكايات من أزمان سالفة ويُسقطها على زمانه، ومن خلالها ينتقد ما يجري في مجتمعه ويقول ما ليس بمقدوره أن يقوله صراحة.

وتمثل الغرض الأساسي لذكر هذه الحكايات في نقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في بعض العصور، والتي لم يكن بمقدور أحد الاقتراب منها بالحديث أو النقد، فاتجه الرواة والمؤرخون إلى التخفي وراء هذه الحكايات وذكروا من خلالها صورة مشابهة لما يدور في مجتمعاتهم، ذكر أبو الليل.

غير أنه لا يمكن تعميم ذلك على كل الكتب التي تضمّنت هكذا روايات فهناك مؤرخون نقلوها عن كتب أسلافهم لمجرد النقل دون إسقاط على واقعهم، أردف أبو الليل.

البداية

وفقاً لقراءات أبو الليل، فإن بداية حضور قصص مدّعي الجنون كانت من خلال سيرة الزير سالم عندما ادّعى جساس بن مرة (أخو المهلهل أبو ربيعة) الجنون ليحمي حبيبته من الملك حسان اليماني الذي كان ظالماً ويطلب الفتيات الجميلات لكي يضاجعهن كل ليلة حسبما ورد في السيرة.

ويشكك أحمد خصخوصي في صحة هذه النوادر التي تبدو وكأنها وُضعت وضعاً وصنعت صنعاً. واعتبر في كتابه “الحمق والجنون في التراث العربي” أنها “خالية من العفوية ومفتقرة إلى الأجوبة الفطرية”.

وأشار إلى أن هذه الحكايات العامرة بالدعابة كان القصد منها مقاربة الواقع ومحاكاته، وكانت تؤدي “ما لم يكن ممكناً تأديته” من خلال طريقة خاصة لمخاطبة السلطة السياسية أو الدينية تتجاوز صعوبات الرقابة المختلفة.

 

شاركغرد”عقلاء المجانين” في التراث العربي… تسمية غريبة ومتناقضة ظاهرياً أطلقها العرب على مجانين قالوا ما عجز العاقلون عن قوله في السلطة

ويُقحَم المجنون في مثل هذه القصص إقحاماً لا باعتبار أنه عاش الأحداث فعلاً، لكن باعتباره عنصر تقوية يضفي على المضمون المؤدّى قدراً من المصداقية فتبدو عباراته كأنها أنزلت “منزل الوحي إذ يوحي”، ذكر خصخوصي.

وذهب بعض مؤلفي كتب التراث إلى أن الجنون كان غطاءً يحمي ويستر ويحجب حقيقة مدّعيه. فقد ذكر الحصري القيرواني في كتابه “جمع الجواهر في الملح والنوادر” أن بهلول كان يستعمل الجنون ليستر به حقيقة مذهبه وسيرته، إذ لفت أدباء كثيرون أنه كان متشيّعاً. ومثله كان مدعٍ آخر للجنون هو جعيفران الموسوس في فترة لاحقة، حسبما ذكر الجاحظ في كتابه “البيان والتبيين”.

ويزداد هذا الاتجاه وضوحاً وتأكداً حين تشير المؤلفات إلى أن عدداً من هؤلاء المجانين كانت لهم لقاءات بأقطاب الشيعة، فكان جعيفران يكثر من لقاء أبي الحسن علي بن موسى بن جعفر، حسبما ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “الأغاني”، وكان بهلول يجالس جعفر بن محمد.

دفاع وإخفاء موقف سياسي

والملاحظ أن غالبية قصص الجنون تأخذ شكلاً دفاعياً، فكل الذين خطرت لهم تلك الحيلة كانوا يحتالون لدرء الأخطار عن أنفسهم واجتناب المهالك. لكنهم بحسب خصخوصي انتحلوا صفة الجنون انتحالاً عرضياً حتى إذا زال التهديد انتقلوا إلى حالتهم الأولى، ولو أن فترة ادعاء الجنون تختلف قصراً وطولاً حسب دوام المحنة وزوال الخطر وتحقيق الغاية.

وقصة الحجاج بن يوسف الثقفي (661 – 714) مع شخص من بني عجل هي إحدى القصص المروية في هذا السياق. سأل الأمير الشخص عن العمال (المسؤولين) وعن الأمير ثانياً، فذم العجلي الجميع أشنع ذم وقبحهم شر تقبيح وباح له بمكنون بغضه لهم، ثم صوّر مواطن ظلمهم المختلفة، وختم رسم لوحته القاتمة بأن دعا على الأمير دعاءً مؤلماً راجياً له العذاب.

ولما كشف الحجاج ما كان مستوراً وأعلن هويته الحقيقية، هال الأعرابي ما أقدم عليه وراعه الخطر الذي حدق به من كل جانب، فلاحت له حيلة ادعاء الجنون لينقذ نفسه وقال: “أنا مجنون بني عجلي، وإني أصرع في كل شهر ثلاثة أيام، وهذا اليوم أشد الثلاث”.

ويُعَدّ عالم الرياضيات والفلسفة الحسن بن الهيثم (965 – 1040) أبرز الذين انتحلوا العته للنجاة بحياتهم من الموت. فعندما انتقل من العراق إلى مصر أسند إليه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (985 – 1021) مسؤولية بناء سد على النيل في أسوان، وهدده بالقتل إن لم يتمكن من تنفيذ المشروع.

وروى السيد أن ابن الهيثم خاف على نفسه من الموت، وراح يبحث عن وسيلة تخلصه من هذا العبء، فهداه تفكيره إلى ادعاء الجنون والخبل. وبرع عالم الرياضيات في هذا الادعاء لدرجة دعت الحاكم إلى إسقاط التكليف عنه، بل وتعيين شخص يقوم بخدمته في المنزل ويقضي له حاجاته. وبعد موت الخليفة عاد ابن الهيثم إلى طبيعته.

نقد وهجوم

ليس للدفاع عن النفس فقط اسُتتر بالعته، فقد كان الهجوم أيضاً على الحكام وبيان مثالبهم هدفاً لمدعي الجنون. وهؤلاء حسبما شرح خصخوصي تطول فترة انتحالهم لصفة الجنون وقد تلزمهم حتى نهاية أعمارهم، كما أنهم يتخيرون الشخصية المستهدفة وفقاً لميولهم ومبادئهم. وهم يمثلون مرحلة ناضجة وراقية من التفكير لا تقاس بالمواقف الدفاعية التي يتبناها آخرون.

ومن هنا نعتهم العرب بـ”عقلاء المجانين”، وهي تسمية غريبة الصياغة متناقضة العناصر في ظاهرها على الأقل.

في هذه المنطقة الهجومية، كان الحجاج بن يوسف هدفاً في حكايات كثيرة، منها ما رواه أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري في كتاب “عقلاء المجانين”.

ففي إحداها، دخل عليه ميمون المجنون وخوّفه من عاقبة الظلم في الدنيا والآخرة، وبعد جدال طويل بين الطرفين طلب الحجاج منه أن يمدحه على أن يُحسن جائزته فقال الميمون “والله ما أعرف فيك خيراً لأقوله، ولئن ولت ما أعرف فيك لذممتك، ولكني ما أذم الناس لأن في نفسي ما شغلني عن عيب غيري”. فقال الحجاج: “قد أمرت لك بأربعة آلاف درهم”. فأجابه ميمون: “أما المال فرده إلى الموضع الذي سرقت منه، ولا تكن لصاً جواداً تجود على مَن إن ذمّك لا يضرك، وإن مدحك لا ينفعك”، فأخلى الحجاج سبيله.

أما المجنون البصري المعروف بـ”رأس النعجة” فاتخذ من فقدان عقله وسيلة لنقد التفاوت الطبقي بين الحكام والرعية وبحث مسألة العدل وموضوع العقيدة صابّاً نقده على الحاكم.

ذكر خصخوصي أن الرجل اعترض محمد بن سليمان والي الكوفة وسوار بن عبدالله قاضي البصرة (توفي 722) أثناء سيرهما في جنازة، فتوجه إلى الوالي وسأله لإحراجه: “أمن العدل أن تكون نحلتك في كل يوم مئة ألف درهم، وأطلب نصف درهم فلا أقدر عليه؟”.

وما كان من رأس النعجة بعد أن أبلغ المسؤول السياسي رسالته، إلا أن التفت إلى القاضي الناطق بأحكام الشرع فنفى وجود العدل وأعلن موقفه الرافض للأمر الواقع، وقال: “إن كان هذا عدلاً فأنا أكفر به”.

سخرية وهجاء

بيد أن حكايات أخرى اتخذت منحى آخر هدف إلى السخرية من الحاكم. روى سعد الدين أن بهلول كان يركب قصبة كأنها حصان ويسير في الطرقات كما يفعل الأطفال، ودخل على فرسه القصبي إلى ديوان الرشيد وجلس على عرشه، فهجم عليه الوزراء والحجاب وجميع الحاضرين وضربوه بالأحذية وبكل شيء حتى أزاحوه عن العرش.

صار يبكى حتى جاء الرشيد وسأله: ما لبهلول يبكي؟ فأجابوه: ضربناه لأنه جلس على عرشك. فعاتبهم الرشيد وطيّب خاطر بهلول ورجاه ألا يبكى. فقال له بهلول: أنا لا أبكى من الضرب إنما أبكي عليك. فقال الرشيد: وكيف؟ قال له: جلست على عرشك برهة وجيزة فأكلت هذا الضرب فكيف بك وقد جلست هذه المدة طويلة؟

وروى خصخوصي أن المثني بن يزيد بن عمر بن هبيرة والي اليمامة قيل له “إن ههنا مجنوناً له نوادر”. ولما أتوه به سأله: “ما هجاء النشناش؟” (يوم انتصر بنو عامر على بني حنيفة) فقال له “الفلج العادي”، فغاظته تلك الإجابة لأن الفلج هو يوم انتصر بنو حنيفة على عامر التي ينتمي إليها ابن هبيرة. وبذلك عيّر المجنون الوالي وذكّره بهزيمة قومه وما هُجوا به.

ولم يفعل الوالي بالمجنون شيئاً، وإنما رمى باللوم على الذين استقدموا المعتوه قائلاً: “ما جئتموني به إلا عمداً. ما هذا بمجنون”.

تقديم النصيحة

وفي بعض أنواع روايات مدّعي الجنون، قدّم بعض المجانين نصائح للحكام ما كانوا ليدلوا بها دون استتارهم بالخبل. روى النيسابوري أن البصرة كان بها رجل غُلب على عقله، وذات يوم ركب جعفر بن سليمان أمير البصرة في زي عجيب من الناس والدواب والغلمان والصقور والفهود. فاستوقفه الرجل وقال له: “يا جعفر بن سليمان انظر أي رجل تكون إذا خرجت من قبرك وحُملت على الصراط، فهذا الجمع والزي لا يساوي غداً حبة ولا يغنون عنك من الله شيئاً. يا جعفر إنك تموت وحدك وتقف بين يدي الله وحدك فانظر لنفسك. فقد نصحت لك”. فرجع جعفر من نزهته تلك، وسأل عن الرجل فقيل: “هو مغلوب على عقله”.