الأربعاء: 27 يناير، 2021 - 13 جمادى الثانية 1442 - 08:24 مساءً
اقلام
الخميس: 2 مارس، 2017

غيث التميمي

بذكرى وفاة السيدة فاطمة الزهراء (ع)

تتكثف عواطف الرجل العربي كأفق الصحراء في بؤبؤ عينيه، سعة ورقة، وتتفجر مثل عيون الماء لتنكشف على واحة غناء في رمضاء قاحلة.
جرير البدوي يتفجر عشقا ، لكنه يبقى حبيس سجن ( الحياء ) من تقاليد بدوية متصحرة، تستلهم قيمها واعرافها من قسوة الانسان وبيئته الصارمة وليس من انسانيته. في المقابل يتمرد علي بن ابي طالب على بدويته مستندا لمرجعية الاسلام العابر لأسوار القطيع، والمنفعل مع المعاني الروحية للدين.
علي وجرير عاشقان يودعان حبيبتيهما، يتوقف جرير بباب خيمته ليرسل روحه شعرا لام عمر:
لولا الحياءُ لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ليكشف عن ( ما لا يقال ) في هذا البيت اكثر مما يقال، فان الحياء عند البدوي اقوى من جرير القائل:
لقد كتمت الهوى حتى تهيمني
لا أستطيع لهذا الحب كتمانا
بينما يمضي علي خارج أسوار محرابه، ليرفع الاذان مكبرا لإله العشق، ملبيا نداء الحب، حاجا لكعبة الروح، فاطمة قبلة علي العاشق المتصوف معاتبا اياها :
مالي وقفتُ على القبور مسلّما
قبرَ الحبيب فلم يردّ جوابي
أحبيبُ مالَكَ لا تردّ سلامنا
أنسيت بعدي خلة الاحبابي
علي وجرير اختلفا في مرجعيتهما، لكنهما معا أعلنا بشكل اكبر من الكلمات، ان العشق اقوى من الحب والتقاليد!
توقف جرير عن الحضور عند قبر ام عمر، لكنه لم يتوقف عن إنشادها ضعفه وشوقه، وكذا علي لم يحوقل ( لا حول ولا قوة الا بالله ) ولم يسترجع ( انا لله وانا اليه راجعون ) كما ينبغي في السياق الديني لمن هو دونه، بل استسلم لمنطق العشق، لقوانين الحب، لهيمنة القلب، ليقول لفاطمة اني مشتاق وجئت مسلّما، أين الجواب ايتها الحبيبة.
قليلة هي المشاهد البشرية في سيرة علي، فصورة علي في المدونة ( الوعظية ) الاسلامية أشبه بالأسطورية والمثالية، كما هي صورة جرير البدوي، شديد التزمت بالقَبَليَّة، حتى يكاد جرير ان يكون مدونة لتميم القبيلة، كما وصف علي بانه قرآن يمشي على قدمين، الا في العشق.
في ظل التصحر القاهر الذي يصيب عالمنا العربي والإسلامي، ارى اعادة قراءة التاريخ البشري لرموز هذه الذاكرة امراً ضروريا ملحّا ، ينبغي علينا ان نتعرف على عليّ العاشق، وجرير الانسان، لنعيد للتاريخ واقعيته، ونمنح اجيالا من ابنائنا في سياق سلوكهم البشري فرصة التواصل مع الهوية الضائعة.