الأربعاء: 18 يوليو، 2018 - 05 ذو القعدة 1439 - 10:14 صباحاً
على الجرح
السبت: 23 يونيو، 2018

د.حميد عبدالله

في غرف سوداء نضجت طبخة تزوير الانتخابات ، وفي غرف مجاورة اكتملت خطة جهنمية اخرى تقوم على ركنين اساسيين :تمرير الانتخابات بما فيها وعليها من انتهاكات وخروقات وفضائح وتزوير ، وتشكيل حكومة بمن فيها من وزراء يمثلون القوى الفائزة بالتزوير او التمرير!
اذا كان التزوير لعبة فاسدة نفذها لاعبون فاسدون بلغوا مراتب متقدمة في اتقان طرق الدس والالتفاف والسرقة ، فان التمرير خطة وضعتها قوى سياسية مدعومة من اطراف اقليمية للقبول بالامر الواقع ، و الرضوخ لارادة المزورين تحت ذريعة ( الخوف من المجهول)!
هل ثمة علاقة بين لعبة التزوير وسيناريو التمرير ؟ ربما تكون ثمة علاقة خيطية بين الاثنين، او ان اصحاب التمرير وجدوا مصالحهم متطابقة مع اصحاب التزوير !
الفائزون في لعبة التزوير كانوا يرون في التدقيق في نتائج الانتخابات ( اختطاف) للكأس الذي ظفروا به في مباراة كان التحكيم فيها لم يراع الحد الادنى من قوانين اللعب، والحكم يجاهر بانحيازه ، اولئك ( الفائزون ) هم انفسهم من تغاضوا عن حريق صناديق الرصافة ، او من وصفوا الحديث عنه ب( التهويل) ، وهم انفسهم من حذروا من نفق قد تدخله البلاد، واهوال قد تضيع في لججها العباد، اذا تغيرت النتائج وبقي من فاز باستحقاق محتفظا بكرسيه ، وازيح من تسلل الى كرسيه بالدس والاحتيال، او من ( سرق ) الفوز بالمال المسروق!
انتج التزوير فريقين متصارعين، فريق يسعى الى فضح التزوير ومنع التمرير، وآخر يصر على تمرير الانتخابات بما فيها وعليها ، وفي النهاية انتصر الفريق الاول في الجولة الاولى لكنه لم يكسب المعركة بعد ، فثمة صفحات من الازاحة والازاحة المضادة ، وجولات شرسة من لي الاذرع مازالت لم تحسم بعد!
اذا اعترفنا بدور الارادة الخارجية بما يجري على الارض العراقية ، وهو اعتراف يفرضه الواقع وتؤكده الوقائع، فان هذه الارادة لايهمها كثيرا ان كانت الانتخابات نزيهة او مدلسة، مايهمها هو ان تحقق اهدافها في عراق مهشم متناحر لايقوى على درأ المخاطر عنه ، فضلا عن غياب ارادته الوطنية الموحدة ، وضعف موقفه ازاء مايحدث قربه وفي محيطه!
لنبدأ بالطرف الامريكي اولا.
امريكا ( الترامبية) لم يعد يعنيها كثيرا شكل النظام السياسي في العراق ، مايعنيها اكثر هو كيف تنجح في توظيف العراق لتحقيق اهدافها في المنطقة .!
ليس مهما لدى صانع القرار الامريكي الآن ان تكون الحكومة العراقية نتاج انتخابات شرعية او مزورة ، مايهمه ان تبقي الحكومة العراقية القادمة فاصلة بينها وبين ايران ، وان تطمئن واشنطن لرئيس حكومة في بغداد لايرتمي بالكامل باحضان الجار الايراني.
لم نسمع من الامريكان سوى تمنيات مشفوعة بنصائح لساسة العراق ان يشكلوا حكومتهم باسرع وقت ، اما عن شرعية هذه الحكومة ومقبوليتها شعبيا فهذا امر يقع في ذيل الاهتمامات الامريكية !
اما ايران فان هدفها الاساس هو ابقاء الحليف الشيعي متماسكا لاتضعفه خلافات ، ولا تمزقه تناحرات ، ولا تهتم طهران كثيرا بالسجالات بين رؤوس هذا التحالف .
مبعوثو ايران ياتون الى بغداد، ويعرجون على النجف ، محملين برسائل ناعمة ، فتطييب الخواطر ، واصلاح ذات البين بين (الاشقاء الصغار) هو الهدف الاهم عند (الاخ الاكبر)!
كان الجنرال قاسم سليماني يبرق يوميا الى مكتب المرشد الايراني مايترشح عن حواراته مع الفرقاء الشيعة ،والمرشد يبارك مرة ،ويصحح تارة، ويوجه ثالثة لتصحيح المسار ليتطابق مع الهدف الايراني الاكبر وهو احياء التحالف الشيعي الذي فتته بريق السلطة ، واجهز عليه التهافت على المكاسب والغنائم.
حين تاخر سليماني في تحقيق الهدف التحق به المجتبى خامنئي وشكل الاثنان مع السفير ايرج مسجدي خلية عمل دؤوبة ابقت قنوات الاتصال مفتوحة مع الجميع وبين الجميع.
اثبت الثلاثي الايراني ان لا احد من رؤوس القوى الشيعية في العراق متقاطع مع طهران ، وحتى ان ابدى احدهم تمنعا هنا، وتحفظا هناك فانه بالنتيجة ينصاع تحت تاثير السطوة الروحية ،او المشترك المذهبي ، او المصالح العليا ، او الامتثال لاوامر ورغبات ( الشقيق الاكبر)!
ايران ، كعادتها، تلعب بهدوء وتتعلغل بعمق ، وتستعمل القفازات في اية مهة لاتريد ابقاء بصماتها واضحة فيها وعليها.
لم يبح اللاعب الايراني برغبته بتمرير الانتخابات المزورة لكنه سعى الى ذلك بكل ما اوتي من قوة ، مرة بالتلميح وتارة بالهمس في آذان من يعنيهم الامر ، وثالثة في تطييب خواطر الخاسرين ، وتهنئة الفائزين ، كل ذلك من اجل تشكيل حكومة تلعب فيها القوى الشيعية دورا محوريا ، وتكون الاغلبية فيها للاصوات التي تمرر المشروع الايراني او تسنده!
بقي اللاعب الاقليمي العربي .
هذا اللاعب هو الاضعف على الارض ،كما انه الاقل تاثيرا في التحكم بقواعد اللعبة السياسية في العراق.
ادوات اللاعب العربي تتسم بزئبقية الموقف، وضعف التاثير ، وضبابية الهدف!
كانت فتوى المحكمة الاتحادية هي الحاسمة لكل تلك الفرضيات والمساعي والسيناريوهات والخطط المتداخلة والمتقاطعة على الساحة العراقية!
في لحظة ما اوشك فريق التزوير والتمرير ان ينجح في مسعاه ، ويحقق مأربه بسبب حالة التراخي التي ظهرت على القوى الرافضة لكن جلسة البرلمان الاستثنائية ،وتعديل قانون الانتخابات اسعف كفة الرافضين ليأتي قرار المحكمة الاتحادية قاطعا قول كل خطييب!
لكن هل انتهت اللعبة عند هذا الحد؟
اعتقد ان الصفحات القادمة اكثر تعقيدا ،واكثر اشتباكا ، وان تشكيل حكومة عراقية تحظى بمستوى مقنع من المشروعية امر ليس بالقريب ولا بالسهل ايضا والايام حبلى بالمفاجآت وما أكثرها في العراق!