الثلاثاء: 19 نوفمبر، 2019 - 21 ربيع الأول 1441 - 12:39 صباحاً
ثقافة وفن
الخميس: 12 سبتمبر، 2019

أزهر الربيعي

كما في دول كثيرة حول العالم، يتعرّض الصحافيون في الدول العربية إلى أشكال عديدة من الاعتداءات، من ضرب وحبس واعتقالات، نتيجة انتقادهم للسلطة أو لأحد رموزها… وفي العراق تتفاقم المشكلة حتى بات يُعتبر أحد أخطر الدول على الصحافيين، إذ تكثر الاعتداءات عليهم أثناء تأديتهم واجبهم المهني.

 

في مؤشر حرية الصحافة الذي أعدّته منظمة “مراسلون بلا حدود” عام 2019، احتل العراق المركز 156 عالمياً، من بين مجموع 180 دولة، بعد أن كان في المركز 150 عام 2013.

 

الوجود في مرتبة متدنية لا بل التراجع المستمر أيضاً، ما هو إلا مؤشر خطير على ما يعاني منه الصحافيون في عموم البلاد. وعلى الرغم من أن المادة 38 من الدستور العراقي (2005) كفلت حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والنشر بما لا يخل بالنظام العام والآداب، إلا أنه يبدو أن ذلك مجرّد “حبر على ورق”.

 

فالسلطات القضائية لا زالت تعمل وفق قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، ما يفسح المجال لتحجيم وتكبيل تلك الحريات في أي وقت، إذ حددت المادة 85 من القانون المذكور عقوبة تتراوح بين الحجز في مدرسة إصلاحية وصولاً إلى الإعدام لكل مَن يسيء إلى الدولة عن طريقة النشر والإعلان.

 

الخميني خط أحمر

في أقصى جنوب العراق، في محافظة البصرة، بدأ الصحافي أحمد عبد الصمد العمل في الصحافة عام 2004، في صحيفة “كل العراق” التي تصدر من بغداد، ثم تدرّج حتى أصبح مديراً ومراسلاً لقناة دجلة الفضائية.

أحمد عبدالصمد خلال تغطيته تظاهرات البصرة

ولكن عام 2016 كان يخبّئ له مفاجأة غير سارة. يقول لرصيف22: “تعرّضت للتهديد بالتصفية الجسدية من قبل الميليشيات، بعد إجرائي تقريراً تلفزيونياً ينتقد تسمية شارع باسم (المرشد الأعلى السابق للثورة الإيرانية) الإمام الخميني وتعليق صورته وسط مدينة البصرة”.

 

ويضيف: “إثر هذا التقرير، أرسلت إليّ الميليشيات تهديداً عبر رسائل وُضعت أمام منزلي، كما تلقيت اتصالات هاتفية، تضمنت تهديدي بالقتل”، معلقاً: “كل هذه التهديدات لم تهزّ شعرة من جسدي، ولم توقفني عن مواصلة رسالتي الصحافية”.

 

تعددت مصادر الاعتداءات التي تعرّض لها أحمد. ففي حوادث أخرى سابقة، تعرّض لاعتداءات من قبل الأجهزة الأمنية في المدينة بسبب انتقاده لضعفها وتراخيها في تعاملها مع التفجيرات والأحداث الأمنية، وبسبب حديثه عن تعاونها مع مهرّبي السلاح والمخدرات من دول جوار العراق.

 

يقول أحمد: “كنت أتعامل مع هذه التهديدات وكأنها لم تصلني، لسبب بسيط، هو أنني اتخذت هذا الطريق وأنا أعلم بعواقبه، وما فيه من تعرجات، أحياناً ظاهرية وأحياناً مبطنة، وأعني بالمبطنة تهديد الأحزاب والمليشيات”.

 

ويتابع: “يزداد الخطر عليك عندما تكون صحافياً حقيقياً، ولكن عندما تجامل وتمدح فلا خطر عليك، بل ربما تدر عليك المجاملة والمديح أموالاً طائلة”.

 

وكان قائد عمليات البصرة قاسم نزال قد توعّد في تصريح باعتقال الصحافيين الذين يغطّون التظاهرات، ما أثار انتقاد الوسط الإعلامي في عموم العراق، وهو تهديد يُعدّ مخالفة قانونية ومحاولة لتكميم للأفواه وتقييد حركة الصحافيين، ويوضح حقيقة ما تقوم به الأجهزة الامنية من انتهاكات بأوامر من الجهات الأمنية العليا في محافظة البصرة.

مساندة المتظاهرين خط أحمر

تعرّض ابن محافظة بغداد ومراسل قناة “الشرقية” الصحافي سجاد أكرم أحمد للاعتداء ثلاث مرات خلال فترة عمله. يروي لرصيف22 أن “أول اعتداء كان من قبل الأجهزة الأمنية عام 2018، أثناء تغطيتي المباشرة لتظاهرات المواطنين في منطقة باب الشرقي، لمساندة المتظاهرين في مدينة البصرة، بسبب تلوث المياه وسوء الخدمات وتردي الوضع الأمني”.

أما الاعتداء الثاني، فكان في مطار بغداد الدولي، “عند عودتي من تغطية مناسك الحج، وهذا موقف مضحك ومبكٍ في نفس الوقت. القصة أنه تمت سرقة ماء زمزم من الحجاج العائدين من الحج من داخل المطار، فطلب مني الحجاح تصوير الحادث، ففتحت كاميرا موبايلي الشخصي، ولكن سرعان ما تدخل أمن المطار وسحبه مني ومسح الفيديو. حقاً هذا موقف لن أنساه أبداً”.

ويروي الصحافي العراقي أنه مرةً ارتكب أحد الأطباء خطأ طبياً في مستشفى اليرموك في بغداد، عندما وضع قطعة “بلاتين” في الساق الأيسر لمريض بدلاً من اليمنى. ويقول: “بناء على مناشدة أهل المريض، اتجهت مسرعاً إلى غرفة العمليات داخل المستشفى وبدأت بتصوير الحالة بواسطة موبايلي الشخصي، لكن الكادر الطبي المتواجد في الغرفة اعتدى عليّ بالسب والشتم وكسر جهاز الهاتف، وأجبرني على مسح التصوير لكي يُسمح لي بمغادرة المكان بسلام”.

 

سألناه عمّا إذا قدّم شكوى إلى الجهات المختصة، فأجاب: “أنا إعلامي، وآخذ حقي بنفسي من خلال الإعلام، لأنه السلطة الرابعة”.

صحافيون في “قوارب الموت”

يعاني الصحافيون في العراق على مستويات كثيرة ولا يمارسون عملهم بحرية وأمان. لذلك، ركب كثيرون منهم نفس قوارب الموت التي كانوا يكتبون عنها متجهين إلى أوروبا.

 

أحد هؤلاء هو الصحافي سندباد أحمد الشبكي الذي كان يسكن في محافظة الموصل، ويعمل مديراً لقناة الفيحاء الفضائية. عندما احتل تنظيم داعش مدينته في يوليو 2014، اقتحم التنظيم مكتبه، وكسر عناصره كل أجهزة التصوير وأثاث المكتب، وهددوه بالقتل في حال واصل العمل الإعلامي.

 

اضطر سندباد إلى ترك مدينته واتجه إلى إقليم كردستان العراق، تحديداً إلى محافظة دهوك، مع زوجته زينب زهير التي كانت تعمل معه في نفس المكتب.

 

يروي سندباد “في محافظة دهوك، تعرّضت للمضايقات من قبل قوات البيشمركة عندما ذهبت لعمل تقرير عن مخيمات النازحين، إذ منعتني من التصوير لأسباب لا أعرفها حتى اللحظة”.

 

المضايقات والتهديدات المستمرة جعلته يقرر الهجرة إلى ألمانيا، مع زوجته وأبنائه الثلاثة. تقول زوجته زينب “عانينا كثيراً خلال رحلتنا هذه حتى وصلنا بسلام إلى ألمانيا، لحظات أشبه بالموت، لا أريد أن أتذكرها وأستعيد آلامها”.

 

“أمام منزلي، تركت لي رصاصتين داخل ظرف، وورقة مكتوب عليها ‘إذا ما تترك عملك خلال يومين سيكون مصيرك التصفية الجسدية’”… عن الواقع الصعب لعمل الصحافيين في العراق.

 

“تفاجأت بشرطي ينتظرني حاملاً سلاحه، وكان متعجباً: أتحمل كاميرا؟ كاميرااا؟ وهو يرفع صوته مع إشارة بيده تعني أنني ممنوع من التصوير، فأجبته: إنها فقط كاميرا وليست عبوة ناسفة”… عن الواقع الصعب لعمل الصحافيين في العراق.

 

الآن، يعمل الشبكي موظف خدمات في معمل لطباعة الصحف والمنشورات في برلين. ويقول: “هناك سببان يجعلاني لا أتوقف عن عملي الصحافي، الأول: أريد أن أكمل مسيرة أبي الذي كان يعمل في مجال الصحافة قبل وفاته، والسبب الآخر هو بسبب شعوري الوطني تجاه بلدي”.

خوف من الجماعات المسلحة

ما عانى منه سندباد وأسرته، عانى تماماً منه الصحافي حيدر الحلفي (31 عاماً)، ابن محافظة البصرة. ومثله، وصل إلى ألمانيا بعد رحلة متعبة عبر البحر والبر.

حيدر الحلفي في برلين 

عمل الحلفي مراسلاً لقناة البغدادية والشرقية. وأثناء تغطيته تظاهرات شهدتها المدينة نتيجة سوء الخدمات وقلة فرص العمل، ألقت القوات الأمنية العراقية القبض عليه واعتقلته لساعات قليلة ثم أطلقت سراحه.

 

يقول الحلفي : “أطلق سراحي بعد أن دفعت كفالة مالية قدرها مليون دينار ($840)، مع توقيعي على تعهد ألتزم فيه بعدم تغطية أي تظاهرات مستقبلية، وصادرت القوات الأمنية معدات التصوير التي كنت أحملها ذلك اليوم”.

 

ويضيف: “لكن الغريب في الأمر أنه، حتى بعد خروجي بكفالة، استمرت كتب التبليغ من مراكز الشرطة، تصل إلى منزلي تطالب بحضوري الإجباري”.

 

لم يكن هذا الاعتداء الوحيد الذي تعرّض له الحلفي. سبقته اعتداءات عدة، بسبب تناوله في تقارير تلفزيونية، ملفات الفساد في مشاريع البناء والإعمار في مدينته، أو بسبب نقله هموم الناس ومشاكلهم.

 

تلقّى الحلفي تهديدات شفوية من ضباط أمنيين، وميليشيات طائفية. وعام 2015 غادر العراق، بعدما عجز القضاء العراقي عن استرداد حقة بموجب شكاوي تقدّم بها في محكمة استئناف البصرة.

 

سألناه عن رد السلطات القضائية حول قضيته، فأجاب: “قال لي القاضي: لا يمكنني أن أفعل لك أي شيء” وتابع: “غادرت العراق بعد أن فقدت ثقتي في الأجهزة الأمنية، والسلطة القضائية. كلاهما سرقا حقي”.

 

منظمة مراسلون بلا حدود وثّقت معاناة الحلفي بعد وصوله إلى برلين بسلام، ليعيش هناك معتمداً على نفسه. تمكن الحلفي من الاستمرار في مهنة الإعلام، وعمل مراسلاً لصالح قنوات فضائية عراقية وعربية متنوعة.

“بقيت في تركيا 45 يوماً بين مافيات التهريب، دفعت مبلغ قدره 9000 دولار لمهرّب تركي الجنسية باعنا إلى مهرّب آخر، كأننا سلع ولسنا بشراً”.

 

الصحافي حسين الخزعلي الذي وصل إلى السويد في رحلة لم تستمر طويلاً، عاد بعدها إلى العراق، رغم إدراكه خطورة عودته.

 

“في القارب الذي لا يتجاوز طوله ثمانية أمتار، لا زالت أتذكر صوت بكاء الأطفال وأنين الأمهات اللواتي خاطرهن بحياتهن من أجل حياة آمنة. موج البحر كان أقسى من الظروف في بلدي”، يقول.

 

الخزعلي الذي يسكن في محافظة السماوة، جنوب العراق، تعرّض لتهديدات ممهورة بتوقيع “كتائب أتباع الحق”، دفعته للهجرة إلى السويد عام 2014.

 

يقول “كنت أنجز تقارير تلفزيونية تكشف فساد وتورط مسؤولين في الدولة وأعرضها أمام الرأي العام، وكان ذلك يغضب المسؤولين في المحافظة”.

 

ويروي أنه “في أحد الأيام، ذهبت لتصوير طفح المياه في أحد شوارع المدينة، بسبب سوء إدارة ملف الخدمات، وتفاجأت بشرطي ينتظرني حاملاً سلاحه، وكان متعجباً من حملي كاميرا وقال: أتحمل كاميرا؟ كاميرااا؟ وهو يرفع صوته مع إشارة بيده تعني أنني ممنوع من التصوير، فأجبته: إنها فقط كاميرا وليست عبوة ناسفة”.

صورة تهديد حسين الخزعلي برصاصتين

“أمام منزلي، تركت لي رصاصتين داخل ظرف، وورقة مكتوب عليها ‘إذا ما تترك عملك خلال يومين سيكون مصيرك التصفية الجسدية’”. هذا آخر وأخطر تهديد تلقاه الخزعلي.

 

دائماً ما ترفض السلطات الأمنية المحلية التصريح حول قضايا الاعتداءات على الصحافيين ولكن الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، اللواء سعد معن، قال: “هناك تنسيق عالي المستوى مع نقابة الصحافيين العراقيين من أجل تقليل الاعتداءات التي تطال الصحافيين، ونعمل كل ما بوسعنا لأجل ذلك”.

 

ويشير رئيس الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين، إبراهيم السراج، إلى أنه “كل سنة تقريباً، يتعرض من 220 إلى 280 صحافي في عموم العراق، لاعتداءات مختلفة، منها الضرب والاحتجاز، ومصادرة أدواتهم الصحافية”.

 

ويضيف أغلب هذه الاعتداءات تصدر من قبل الأجهزة الامنية والشرطة وحمايات المسؤولين أو جهات مرتبطة بمسؤولين في الحكومة العراقية”.

 

ويتابع: “لا يوجد أي تعاون من قبل الحكومة العراقية، وحتى لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب العراقي مقصرة في ذلك، فكل الجهات الحكومية لم تستمع إلى مطالبنا بإيقاف العنف أو حتى فتح ملفات الصحافيين الذين تعرّضوا للاعتداءات”.

 

ويختم بأن “تشريع قانون حقوق الصحافيين لم يحدّ من الاعتداءات التي يتعرض لها الصحافيون من مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية”.