الأثنين: 14 أكتوبر، 2019 - 14 صفر 1441 - 05:57 مساءً
بانوراما
الأثنين: 24 أبريل، 2017

عواجل برس _ بغداد

 

صبري هلال

 

في تقرير لمجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، تناولت الكاتبة تارا جارسيا ماتيسون، حقيقة العلاقة بين الفقر وبين الصعاب المضاعفة التي يواجهها الفقراء في حياتهم لمواجهة مشكلاتهم والتغلب عليها.
تقول ماتيسون في تقريرها: إننا ربما اعتدنا في دروس العلوم في مدارسنا رؤية صورة مقطعية للمخ، توضح عمل كل جزء منه. ذلك الجزء في أقصى المقدمة – تمامًا عند الجبهة – تعرف بالقشرة أمام الجبهية، ودور هذا الجزء هو عمليات التخطيط وحل المشكلات، بالإضافة إلى تحديد الأهداف وتنفيذها، ويعمل هذا الجزء مع ما يعرف بالجهاز النطاقي، والذي يقع بالقرب من مركز المخ. هذا الجهاز النطاقي هو المسئول عن الوظائف الانفعالية والعاطفية، وهو المتسبب دائمًا وراء إثارة الاستجابات العاطفية.
وتشير دراسة حديثة إلى أنه عندما يعيش شخص ما في فقر، فإن جهاز النطاقي يواصل إرسال إشارات الخوف والقلق بشكل مستمر إلى القشرة أمام الجبهية، والتي بدورها تُصبح مُثقلة بهذا النوع من الإشارات التي تعيق قدرتها على أداء مهتمها الأساسية في التخطيط وحل المشكلات وتحديد أهداف حياتية جديدة.

مشكلة عامة

يؤكد المقال أن البشر جميعًا يمرون بهذه المرحلة، بغض النظر عن طبقاتهم الاجتماعية، وأن هذا التحميل الزائد على تلك القشرة يمكن أن يحدث لأسباب متعددة، من بينها المرور بفترة صعبة في العمل، أو وجود ظروف أسرية غير مستقرة، إلا أن من يعانون الفقر يواجهون ضغطًا إضافيًا، وهو ضغط ظروفهم المعيشية. يتحدث العلم بوضوح في هذه النقطة، إذا ما استُهلِكت قدرة العقل في هذه المخاوف والأمور المقلقة، فلا يمكن للعقل إعطاء المزيد.
في الولايات المتحدة، أسست منظمة «Economic Mobility Pathways» غير الهادفة للربح نموذجها لمساعدة المجتمع حول هذه الحقيقة العلمية، أو ما تصفه المنظمة نفسها بـ«استخدام علوم الإدراك لإيجاد طرق جديدة للتغلب على الفقر». تسعى المنظمة بالأساس إلى مساعدة الأسر الفقيرة لتحقيق اكتفاء ذاتي، وقد طورت المنظمة من نموذجها عبر سنوات من الخبرة، إلى أن توصلت لطريقة مثلى من خلال تدريب الأطفال في مراكز المنظمة للتغلب على الفقر باستخدام علوم الإدراك.
وبحسب إليزابيث بابكوك، المديرة التنفيذية للمنطمة التي تشتهر اختصارًا بـ« EMPath»، فإن أولئك الذين يواجهون الفقر يظلون عالقين في حلقات مفرغة من الضغوط النفسية التي تقودهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة، وهو ما يعزز من اعتقادهم بأنه ليس بوسعهم تحسين ظروفهم المعيشية. تقول بابكوك «ما تحاول المنظمة فعله هو خلق أفكار جديدة داخل عقولهم، والتي ستساعدهم بدورها في تحقيق أهداف كانوا يرونها مستحيلة».

هل من حل؟

ويشير التقرير إلى أن تلك الأفكار تدور حول مساعدة الفقراء على كسب المزيد من المال، ومحاولة تدريبهم للإمساك بزمام الأمور في حياتهم، وبالتالي إتاحة مساحة أكبر لعقولهم للتفكير نحو خطوات أكثر إيجابية. من المؤكد أن تلك الضغوط والمخاطر المستمرة التي تتلازم دائمًا مع الفقر تغير من الطبيعة العقلية للفقراء، وهو ما يؤكده آل ريس، نائب مدير مركز تطوير الطفل بجامعة هارفارد، والذي أكد أن الأطفال الذين تربوا في بيئة فقيرة يواجهون تلك الآثار بشكل مضاعف، إلا أنه أكد أن تلك الأجزاء من المخ «مرنة نسبيًا»، بما يعني أنه يمكن العمل على معالجتها وتحسينها.
يستخدم المشروع الذي أطلقته منظمة Empath لمواجهة الفقر، والذي يحمل اسم « Intergen» على ثلاثة برامج رئيسة، أحدها للكبار، وآخر للأطفال، وبرنامج ثالث للأسرة ككل لوضع إطار عام لنمط تفكيرهم الفردي والجماعي. ينظر برنامج الكبار والأطفال إلى كل فرد باعتباره جزء من الجسر الذي تعبره الأسرة نحو النجاح، وأنه إذا كان هناك جزء ضعيف من ذلك الجسر فسينهار بأكمله.
عندما يعيش شخص ما في فقر، فإن جهاز النطاقي يواصل إرسال إشارات الخوف والقلق بشكل مستمر إلى القشرة أمام الجبهية.
وانطلاقًا من هذه الحقيقة، سُمِى برنامج مواجهة الفقر للكبار باسم «جسر تحقيق الاكتفاء الذاتي»، ويرشد الآباء نحو تحقيق الاستقرار العائلي، والادارة المالية الناجحة، ويسعى لمساعدتهم للحصول مستوى تعليمي وتدريبي وتوظيفي متميز. في المقابل، يحمل برنامج الأطفال اسم «جسر المستقبل المشرق»، والذي يوجه تفكير الأطفال نحو مفاهيم صحية وإنسانية سليمة، بالإضافة إلى إعدادهم ليكونوا مستقلين، وليحققوا تقدمًا دراسيًا. البرنامج الأكبر – الموجه للأسرة بالكامل – يساعد الآباء والأبناء على تنظيم أهدافهم الفردية والجماعية.
تعمل ستيفاني برويك، منسقة المشروع، حاليًا مع أم وحيدة تدعى جينيل، تربي 5 أطفال في مراحل عمرية مختلفة تتراوح بين روضة الأطفال لأصغرهم وحتى الجامعة لأكبرهم. خلال العام الماضي، ساعدت برويك الأسرة على التفكير وتحديد الأهداف الشخصية لجينيل وللأسرة بشكل عام. الطفل الأصغر لجينيل (5 سنوات)، يعاني من حالة مرضية تتطلب تدخلًا جراحيًا، إلا أن تلك الجراحة يمكن تأجيلها لفترة والاستعاضة عنها ببعض التمارين التي رشحها لهم الطبيب، إلا أن بعضًا من تلك التمارين لا يمكن للصغير القيام بها وحده، وهو الهدف الذي وضعته برويك لهذا الطفل.
تقول جينيل «أنا بالغة، ولدي عقل أفكر به، إلا أنه بقدر ما يكون عقلك منشغلًا، تصبح حياتك كذلك. نحن نرى الأشياء دائمًا بمنظور الأبيض والأسود، وللأهداف باعتبارها أمور يمكن تحقيقها وأنها من المستحيل تحقيقها.. الحياة ليست أبيض أو أسود.. إنها رمادية».
بحسب آخر بيانات البرنامج والتي كشفت عنها برويك، فقد حققت 86% من الأسر التي كانت جزءًا من برنامج المنظمة خلال العام الماضي تقدمًا ملحوظًا على المقياس العلمي الذي أعدته المنظمة كجزء من برنامجها للأداء العقلي، وأن هذه النسبة من الأسر تمكنت من تحقيق المزيد من التقدم الأسري والتخلص من الفوضى
تعميم التجربة

تصف بابكوك تلك النتائج بالمذهلة، وأضافت أن المنظمة في طريقها لإطلاق برامجها في المزيد من مناطق الولايات المتحدة، كما يدرسون إمكانية نقل خبراتهم للمزيد من منظمات خدمة المجتمع. تقول بابكوك «الكثير ممكن شاركوا في برامجنا تمكنوا من تجاوز الفقر وتحقيق استقرار مادي لأسرهم. تحاول الكثير من المنظمات التي تركز على الأسر ذات الداخل المنخفض إيجاد فرص عمل لهم، ولكن ما نفعله نحن هو مساعدة هؤلاء على إيجاب الطريق الصحيح للاكتفاء الذاتي هم وأسرهم».
بحسب التقرير، ما علينا أن ننظر إليه في هذا النموذج هو أن تلك النتائج التي حققتها المنظمة تعتمد تمامًا على العِلم، وأن المشرفين المتخصصين في EMPath يعرفون علميًا كيف يعمل المخ، وما يقومون به فعليًا هو توجيه الأسر بشكل فعال نحو استغلال قدراتهم العقلية، إذ يقف الفقر عائقًا أمام من يعيشون فيه نحو التحكم في حياتهم بالشكل الأمثل.