الجمعة: 30 أكتوبر، 2020 - 13 ربيع الأول 1442 - 08:45 صباحاً
اقلام
الأربعاء: 28 ديسمبر، 2016
غيث التميمي

قرآءة فوق أسوار المعبد

بقلم _ غيث التميمي

 

أُفرق بين الايمان والدين والشريعة، واعتبر الايمان حاجة وجودية ضرورية للإنسان، لا يمكن البرهنة عليه (علميا) بل ان من يحصر الايمان بوجود الله بالبرهان عليه (عقليا او علميا)فانه يبرر اثبات عدم وجوده بالضرورة. واترك الخوض في التفاصيل لوقت آخر.
واعتقد ان الايمان موضوعة وجدانية، يجب استشعارها روحيا، فمن لم ينبض قبله عشقا للمولى تبارك وتعالى فانه لم يؤمن بعد (الحجرات 14، قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وينبغي له مزيد من التأمل عن باعث الجمال في روحه والاشياء من حوله، فالله محبة وخير وجمال، وهذا يعني ان ما رَآه النبي واستشعره وجدانيا (في عار حراء )بعث في روحه ونفسه نور الايمان، ودفعه نحو التضحية في سبيل الحق، والعدل والحريّة، وهو ما أسميه بالتجربة الروحية الشخصية الفردية الوجدانية التي ينبغي لكل إنسان (منفردا) ان يخوضها بشكل وآخر، فمن لا يستحضر الله في جوارحه لن يحضر الله في جوانحه.
الدين يمثل رؤية (نبوية) زمانية وإمكانية، تدعو للخير والصلاح والحق والعدل والحرّية انسجاما مع ظروفها الزمانية والمكانية، وبيئتها الاجتماعية والثقافية؛ فضاء الرؤية الدينية المفهومي إلهي، وقالبها الموضوعي بشري (نبوي) قد يخطأ الأنبياء في تشخيصهم الموضوعي فيستحقون من الله العقاب ان لم يعجلوا التوبة كما في القصص القرآني عن أخطاء الأنبياء، مثل موسى ويونس ومحمد وغيرهم عليهم السلام اجمعين.
الفضاء المفهومي للدين (الحق والعدل والحريّة) إلهي يجب ان نناضل من اجله، اما قالبه الموضوعي فانه وليد حركة تفاعلية تمثل استجابة الانبياء لحركة إنسان زمانهم، وهذا السبب الذي بعث الله من اجله عدد كبير من الأنبياء في اماكن وازمنة مختلفة، بشرائع ومناهج مختلفة (المائدة – الآية 48 وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) وعليه فان كل (الحقائق ) العلمية والمنجزات الانسانية تمثل دين الله ( وفق هذه القرآءة ) بمعنى انها تحقق هدف الله في اقامة الحق والعدل والحرية للانسان، وهي واجبة الاتباع، وفي حال مخالفتها المتن الديني فان لها العلوية على المتن الديني في (قالبه الموضوعي) وهو امر طبيعي، لحماية (الفضاء المفهومي) من الاختناق والتوقف عند انسان التاريخ، على حساب انسان الحاضر والمستقبل، والانسان يجب عليه دينيا (وفق هذه القرآءة) الاستجابة لحركة الحياة، وتطور مفاهيم (الحق والعدل والحريّة) والدفاع عنها والنضال في سبيلها، وهو بالضبط ما فعله الأنبياء ( النحل – الآية 90 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
اما الشريعة فإنها مجموعة الأحكام الضابطة لذلك القالب الموضوعي، والتي هي بالنتيجة انعكاس زماني ومكاني للاطار المفهومي للدين، وهي خاضعة لفلسفة القانون ذاتها، اما يكون منظم لحالة معينة، او حامي لحالة معينة؛ اذا الأساس (الحالة ) وليس آلية تنظيمها، او آلية حمايتها؛ مثلا الزواج (علاقة جنسية وانسانية بين ذكر وأنثى) تقدم الشريعة أحكاما وضعية ( ما يقابل التكليفية) للزواج الهدف منها الزواج تنظيما وحماية، ولا ينبغي تصور ان واجبنا التمسك بالأحكام الفقهية الخاصة بالعلاقة الزوجية، واعتبارها مقدس، متجاهلين الغاية من تشريعها، المقدس بحسب هذه القرآءة الزواج الذي شرعت هذه الاحكام من اجله وفي سبيله وليس احكام الزواج الدينية، لان الإطار التشريعي للزواج يجب ان يبقى موضع تفاعل مع العلاقات البشرية التي تطورت كثيرا عن شكلها البدائي المنظور في الفقه آن ذاك.
وعليه فان الزواج (المدني) وفق شكل ومحددات القانون الوضعي ( مقابل الديني الالهي ) في كل بلد تعتبر شرعا، وان العلاقة يجب ان تلتزم بذلك القانون، والزواج (الفقهي القَديم) يعتبر غير (شرعي) لانه يحافظ على الشكل التأريخي للرابطة الزوجية على حساب المضمون الانساني البشري المقدس، وهذا المثال ينطبق عَلى أبواب شرعية اخرى منها العبادات في تفصيل ليس هذا محله.
هذه مراجعة سريعة مختصرة تسعى لاعادة (موضعّة ) ثالوث الايمان والدين والشريعة في الوعي الاجتماعي العام، وترتيب الاولويات الروحية وفقها، لاني اعتقد ان تداخل الايماني بالديني بالشرعي احد اسباب العشو في سلوك الجماعات الدينية، وهو سبب رئيسي في التطرف والتعصب الاعمى، فضلا عن العنف الطائفي في مجتمعاتنا، كما اعتقد ان هذه القرآءة تعيد للنزعة الاخلاقية مكانتها في الحياة الروحية للمؤمنين والمتدينين، كما تعمق السلام الداخلي والوصالي الروحي مع الله سبحانه وتعالى.