الثلاثاء: 28 يناير، 2020 - 01 جمادى الثانية 1441 - 09:18 مساءً
بانوراما
السبت: 7 ديسمبر، 2019

محمد السلطان

 

في خيمة صغيرة، في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية بغداد، بَنَت مجموعة من المحتجين “وطناً صغيراً” لأعضائها. بهويتهم الوطنية لا الطائفية أو العرقية يمثلون مختلف المدن والانتماءات ويصنعون نموذجاً مصغراً عن بلد يحلمون بالعيش فيه.

 

يطلق أبناء هذا الوطن الصغير على أنفسهم اسم “تيم المحافظات”، نسبة إلى مجيئهم من خارج العاصمة بغداد. وحددوا لأنفسهم مهمة أساسية: يعملون كخلية نحل على مكافحة قنابل الغاز المسيلة للدموع ليل نهار.

 

يقول أعضاء الفريق إن الصدفة هي التي جمعتهم، ولم يكونوا يعرفون بعضهم بعضاً قبل ذلك.

 

على وقع أزيز الرصاص وانفجار القنابل الصوتية والمسيلة للدموع في ساحة الخلاني القريبة من ساحة التحرير، أيقونة احتجاجات العراقيين، وعند إحدى الحواجز الأمنية، حيث كانت قوى الأمن تحاول تفريق المحتجين بالقوة، وفي أجواء حرب لا احتجاج سلمي، كان اللقاء الأول لأعضاء الفريق الذين كانوا يحتمون معاً خلف أحد السواتر الكونكريتية من رصاص الأمن العراقي.

 

“الجوكر” ينضم إليهم

مقداد (20 عاماً) جاء من محافظة أربيل في إقليم كردستان العراق إلى بغداد للمشاركة في الاحتجاجات. يقول لرصيف22: “أنا وحيدر والجوكر وعلاوي ومرتضى قررنا إنشاء فريق باسم ‘تيم المحافظات’ خلال لقائنا الأول في ساحة الخلاني، على أن تكون مهمته مكافحة القنابل المسيلة للدموع”.

 

ويضيف أن كثيرين من المتظاهرين انضموا إليهم في وقت لاحق، “من محافظات الوسط والجنوب والشمال”.

 

بلال (19 عاماً)، أو “الجوكر” كما يحب أن يناديه المتظاهرون يقول لرصيف22 إن “الفريق تشكل في البداية من خمسة أشخاص تكرر لقاؤهم في أكثر من يوم على التوالي، وجاءت الفكرة من أشخاص عدة، وانضم إلينا عدد آخر ليصل العدد إلى عشرة شباب، من مختلف المحافظات، وكان لهم دور كبير في تقديم الدعم للمحتجين وتوفير احتياجاتهم”.

 

وضع أعضاء الفريق شروطاً أمام المتظاهرين للانضمام إليهم، من ضمنها أن يتمتع العضو بالسرعة وخفّة الحركة، والقدرة على التحمل، وأن يكون صبوراً وقادراً على الوحدة والبعد عن الأهل، وأن يتحمل مسؤوليته بنفسه.

 

الجوكر (من اليسار) يرفع علامة النصر وبجانبه مرتضى وفي مقدمة الصورة إبراهيم مع متظاهرين آخرين.

 

كفاح بأدوات بدائية

إناء، وماء، وكفوف، ودرع من صفيحة حديد، هي الأدوات البدائية التي يستخدمها أعضاء الفريق لمكافحة قنابل الغاز المسيلة للدموع التي تطلقها قوات مكافحة الشغب ضد المتظاهرين العراقيين. يتسابقون للظفر بإطفاء القنابل المسيلة للدموع، ثم وضعها في إناء الماء حتى تنطفئ. بهذه الطريقة تعمل المجموعة منذ شهرين.

 

يقول أعضاء الفريق إنهم اصطادوا منذ مشاركتهم في الاحتجاجات عشرات العبوات من القنابل المسيلة للدموع، وشاركوا بها في أحد المعارض في ساحة التحرير والذي تضمن أيضاً ملابس وخوذات وبقايا عبوات رصاص وأعلاماً وطنية خضبت بدماء المتظاهرين.

 

مقر عمليات “تيم المحافظات” في ساحة التحرير

مع دخول فصل الشتاء وبدء هطول الأمطار في العراق غمرت المياه خيمتهم، فأجبروا على الجلوس خارجها بعد أن غرقت أغطيتهم وملابسهم.

 

بعيداً عن مدنهم وأهاليهم، يتجرع المتظاهرون ومعهم “تيم المحافظات”، صنوفاً من المعاناة نتيجة تجاهل النخب السياسية لمطالبهم، لكن ذلك لم يمنعهم من الاعتصام في ساحة التحرير. يقول المتظاهرون إنهم لن يعودوا حتى إزاحة الطبقة السياسية الحاكمة.

 

“تعرّضت لتعذيب شديد خلال اعتقالي مع أكثر من عشرين شاباً بالقرب من ساحة التحرير، لكنّي لن أتراجع عن مشاركتي في الحراك الشعبي حتى لو خسرت حياتي”… مجموعة شباب عراقيين يبنون “وطناً صغيراً” لهم في ساحة التحرير.

 

“تيم المحافظات”… شباب عراقيون أتوا من محافظات مختلفة إلى ساحة التحرير وحددوا لأنفسهم مهمة أساسية: يعملون كخلية نحل على مكافحة قنابل الغاز المسيلة للدموع ليل نهار.

 

مصطفى (19 عاماً)، أحد المعتصمين منذ نحو شهر، يكابد آلام البعد عن أهله. جاء إلى بغداد من محافظة البصرة التي تُعَدّ عاصمة العراق الاقتصادية والواقعة في أقصى جنوبه للمشاركة في الاحتجاجات الشعبية على الرغم من أن مدينته تشهد احتجاجات شعبية واسعة أيضاً وهي المعروفة محلياً بعاصمة المحتجين، نظراً إلى كثرة التظاهرات فيها.

 

إصرار رغم العذاب والتهديد

يؤكد مصطفى رفضه كل أنواع العنف والتخريب في الاحتجاجات الشعبية، ويشدد على أهمية الحفاظ على سلميتها وإيصال صوت المتظاهرين إلى العالم حتى تحقيق مطالبهم المشروعة التي ينادون بها منذ أكثر من شهرين.

 

أما إبراهيم (18 عاماً)، وهو من محافظة البصرة كذلك، فلا تزال آثار الكدمات ظاهرة عليه، فيكشف لرصيف22 عن “تعرّضه لتعذيب شديد خلال اعتقاله مع أكثر من عشرين شاباً بالقرب من أحد الحواجز الكونكريتية القريبة من ساحة التحرير”.

 

ويؤكد “أنه تعرّض لضرب مبرح وتهديد من قبل عناصر القوة الأمنية التي اعتقلته. رغم ذلك، يصرّ على أنه لن يتراجع عن مطالبه حتى تحقيقها، “ولو كلفني ذلك حياتي”.

 

أعضاء المجموعة خلال تواجدهم في ساحة الخلاني (يظهر في أعلى اليمين مرتضى وفي الأسفل إبراهيم).

 

أنتجت حركة الاحتجاج الشعبي أشكالاً كثيرة من التعاضد بين العراقيين. ففي ساحة التحرير مثلاً، كان التكافل والتعاون والتعايش هو العامل الأساسي لبقاء الاعتصامات واستمرار زخمها.

 

وحققت الاحتجاجات أيضاً أهدافاً اجتماعية. ففي ساحات الاحتجاج، لا يُسمح لأي متظاهر بالحديث عن الطائفة أو المعتقد، وكذلك لا مجال للتمييز الطبقي هناك، فالكل

متعايشون من طوائف ومذاهب شتى، وسائقو التك تك والعمال يجلسون مع الأطباء والمهندسين…

 

كما أظهرت الاحتجاجات شغف العراقيين بالحياة، وبانَ تشبّثهم أكثر بحياة كريمة، كما برزت لدى الشباب مواهب عديدة، في فنون مختلفة، ظهر أثرها في تزيين شوارع بغداد، فضلاً عن بروز قدرة كبيرة لديهم على تغيير واقعهم المرير، حتى بات الخجل ينتاب الأجيال الكبيرة من جيل شابّ شغوف ومقاتل، أعمار أفراده بين 15 و25 عاماً.

 

ويوصف جيل شباب العراق اليوم بأنه جيل لا يؤمن بما تؤمن به النخب السياسية، وبأنه ضرب عرض الحائط بخطوطها الحمراء وباستخدامها السياسي للدين.

لافتة معلقة داخل خيمة “تيم المحافظات”

 

رسالة ساخرة: شكراً للحكومة

بكلمات ساخرة، قدمت مجموعة “تيم المحافظات” شكرها للحكومة العراقية، لأنها كانت السبب في إنشاء تجمعهم ومشاركتهم ضمن حركة الاحتجاج الشعبية العفوية.

 

يقول أعضاء الفريق إنهم لن يتفارقوا مهما حدث لهم، ولن يتركوا أيضاً ساحات الاحتجاج حتى الخلاص من الأحزاب الحاكمة الحالية عبر حراكهم السلمي.