الأربعاء: 24 يناير، 2018 - 07 جمادى الأولى 1439 - 01:46 صباحاً
اقلام
الخميس: 28 ديسمبر، 2017

ليث الحمداني

 

ضرغام مثقف من طراز خاص، فهو، بالرغم من كل ما مر به من ظروف، يدير اليوم مؤسسة ثقافية فردية، ويكتب ويترجم وينشر أبحاثاً مهمة عن مركزه “المركز العربي الألماني للبحوث والدراسات”. وهو من كتاب موقع جريدة البلاد “البلاد دوت نت”.

يهدي الكاتب كتابه إلى قائمة من رفاقه في مسيرة العمل السياسي فقدهم بين اغتيال وإعدام واستشهاد ومعارك قومية، أو تحت التعذيب في سجون رفاقهم. وهي لمسة وفاء تميز بها أبناء جيله من محترفي العمل السياسي من المثقفين، تلمس بوضوح في تلك القائمة مدى انسجام المجتمع العراقي الذي حوّله الاحتلال إلى مجتمع (مكونات)! فقد كان الظلم موزعا على كل الأطراف.

ما هو شعور مثقف حرم من زوجته وأولاده على مدى 16 عاماً قضاها بين جدران سجن أبو غريب؟ يختصر الكاتب ذلك في مقدمة الكتاب حين يقول “لا أريد أن أشيد بأحد، أفراداً أو جماعات، كما أنني لا أريد أن أدين أحدا كفرد. همنا اليوم أكبر من ذلك بكثير.. بكثير جدا، وما شهدَته بلادنا بعد الاحتلال يفوق أضعافا مضاعفة ما كان يحدث قبل ذلك. أريد القول، كفى للحكام والمحكومين كفى، فقد تحطم الإناء الذي يجمعنا وصرنا بفضل سوء تقديرنا للأشياء أعداء بعضنا، فلنرغم أنفسنا على احترام إرادة وفكر الغير، فليس سوى ذلك يجنبنا العذاب المستطير”، وهو هنا مثل المصري فتحي عبدالفتاح في “شيوعيون وناصريون”. كان سجانوه يعملون على إطفاء عينيه بعلاج من طبيب فاشي، ولكنه قيّم التجربة بعيداً عن ذلك الألم، يضيف ضرغام لِما قاله “كل تضحية هي رخيصة من أجل بلادنا وشعبنا”.

شركاء الوطن

في تناوله لوقائع الاعتقال والمحاكمة والحكم، يروي محاولته الخروج من العراق بطريقة غير شرعية بعد أن أغلقت بوجهه السبل الشرعية، ومنع من السفر للالتحاق بعائلته في ألمانيا، وهو يؤكد “إنني لست معادياً للاتجاه القومي الاشتراكي، ولكن ضمن هذا التيار تباعدت مواقفنا الفكرية والسياسية في مفردات وتفاصيل عديدة ابتدأت منذ عام 1963 واستمرت في التفاعل لغاية عام 1968، حتى غدت تناقضاً وتنافراً ثم تطورت إلى ملاحقات وتصفيات حتى طغت المفردات والتفاصيل لتصبح أولويات وشعارات رئيسية ثم تعاظم دور الفرد في مصير الشعارات الرئيسية”.

وهو هنا حاله كحال فتحي عبدالفتاح في تجربته مع الناصرية في مصر. المشكلة في الأنظمة أنها تعتبر كل من يخالفها الرأي عدوّها اللدود حتى وإن كان يلتقي معها في العديد من مفردات فكرها السياسي. يصوّر ضرغام ساعات الاعتقال والتسفير، كما يشير إلى أعمال الضرب العشوائية والسباب والشتم من الحراس، وهو نفسه الأسلوب الذي كان يسميه فتحي عبدالفتاح في كتابه آنف الذكر “الاستقبال”. هناك مشتركات بين هؤلاء الذين يقول عنهم “إن هؤلاء الحراس قد اعتادوا على الإهانة أخذاً وعطاءً، وفقدوا حتى الكثير من صفات البشر المحترمين”. ويضيف “كنت في كثير من الحالات أتطلع بعمق إلى وجود القائمين بعملية الضرب والتعذيب وحفلات الشتائم والإهانات وأسال نفسي: ترى هل كنا وإياهم نسير في شوارع هذه المدينة؟ وهل يضمنا جميعاً هذا الوطن الحبيب؟”.

الوصف الذي يقدمه الكاتب لقاطع الإعدام في سجن (أبو غريب) يعتبر وحده دراسة تفند ما يذهب إليه البعض من أن الدكتاتورية استهدفت في ظلمها فئة أو طائفة واحدة، يصف كيف ينتظر 280 شخصا من مختلف شرائح المجتمع العراقي حكم الإعدام

في التحقيق يشير إلى محاولة المحقق أن يبدو مثقفاً، وتلك حالة مرّ بها الكثير من معتقلي الرأي، حين يعجز المحقق أمام المثقف يحاول أن “يتثاقف” برأسه! أيضا قضية شتم التنظيم الذي كان ينتمي له المثقف المعتقل حالة متوارثة في أنظمة الحكم في دول “شرق المتوسط” التي صورها الراحل عبدالرحمن منيف في روايته التي تحمل هذا الاسم، يتوصل المحقق مع الكاتب إلى مشروع مقال عثر عليه بين أوراقه عنوانه “النداء الأخير قبل غرق السفينة”، وهو (أي مشروع المقال) أحاله إلى محكمة الثورة بالاستناد إلى المادة 208 المتعلقة بالمطبوعات والكتابات، فالمحققون في تلك الدول يكادون يدخلون إلى عقلك ليروا كيف تفكر ويحاكموك على هذا الأساس، فمشروع مقال لم ينشر يقذف بكاتبه إلى محكمة الثورة.

أحكام جاهزة

يعرف الكاتب هنا أن مصيره سوف يحسم في مكان آخر بعيدا عن قاعة المحكمة “إن مصيري سوف يحسم في مكان آخر، ولا قيمة البتة لآراء هؤلاء المحققين”. يحددها أيضا أنها تسديد حسابات قديمة بعضها يعود إلى سنة 1964 وما بعدها، يتساءل بعد أن يستعرض “حفل الاستقبال” الحافل بالضرب والشتيمة “الآن وبعد انقضاء كل ذلك أتساءل: أليس هذا مدعاة للخجل؟ ترى ألا يخجل اليوم الذين قاموا بتلك الأعمال؟ ترى هل يصعب علينا إلى هذه الدرجة أن نخلق مؤسسات محترمة يقوم عليها رجال محترمون؟”.

الكاتب يبدو هنا وكأنه غير مصدّق بأن السلطات تسعى لتدمير معنويات مخالفيها في الرأي، وأن الإهانة والضرب والسرقة هي أدوات تلك العملية المشينة. أيضاً المعتقل الذي يوضع فيه المعتقلون قبل عرضهم على “محكمة الثورة” سيئة الصيت، هو الآخر أحد أدوات تدمير نفسية المخالفين في الرأي من حيث قساوته. يصف الكاتب المعتقل مؤكداً بأنه محطة أخرى من محطات تدمير المعتقلين بدنياً ونفسياً، أما محكمة الثورة فهو يقول عنها “كانت محاكمة قصيرة… محاكمة فريدة من نوعها، المتهم فيها مدان قبل بدء المحكمة” ويضيف “إنها محاكمة بدون شاهد، ومع ذلك أعدم في نهايتها أربعة رجال، ترى هل يمكن محو هذه الواقعة من الذاكرة؟”، ويستطرد فيكتب بعقل “المناضل المثقف” لا عقل صاحب “المظلومية”، وهناك فرق شاسع بين الاثنين، فهو هنا لا يبحث عن ثأر شخصي، ولكنه يبحث عن الوطن “إذا كان نسيانها خدمة للوطن سنمحوها لأجل العراق”.

يضيف الكاتب “بدا لي أن الأحكام جاهزة وليس للقاضي رئيس المحكمة إلا شرف تلاوتها”، وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر الأحكام التي يكون دور القاضي فيها صورياً في الدول العربية والعالم الثالث عموماً.

يؤكد الكاتب “أنا كنت مستعداً أتمّ الاستعداد لمثل هذا اليوم الذي طالما تخيلته، وقد رضيت به دوماً فأنت عندما تريد التغيير، لا بد أن تضع في حسابك رد فعل الآخرين”.

وصف أبو غريب

الوصف الذي يقدمه الكاتب لقاطع الإعدام في سجن “أبو غريب” يعتبر وحده دراسة تفند ما يذهب إليه البعض من أن الدكتاتورية استهدفت في ظلمها فئة أو طائفة واحدة، يصف كيف ينتظر 280 شخصا من مختلف شرائح المجتمع العراقي حكم الإعدام في تلك الزنزانات، وحين تبدأ “حفلات” الإعدام وتنطلق حناجر المعتقلين من وراء القضبان، يوزّع الحراس الموت على المعتقلين داخل زنزاناتهم. “كان وصول المحكومين بالإعدام مستمراً من محكمة الثورة بمعدل عشرة أفراد كمعدل أسبوعي، وربما أقل من ذلك أو أكثر بقليل”. يضيف “عندما دخلت قاطع الإعدام بتاريخ 641987 كان الموجود فيها يناهز الـ280، وعندما غادرت قسم الإعدام بعد 38 يوماً بسبب تخفيض عقوبتي إلى السجن المؤبد، كان الموجود الكلّي هو 301 بما في ذلك نحن الأربعة المحكومون الذين خفضوا حكمنا إلى المؤبد”.

يحاول الكاتب أن يحدّد نسباً لاتجاهات المحكومين بالإعدام موزّعة على كل الفئات العراقية السياسية والدينية والعرقية من العراقيين فيشير إلى أن:

◄ 35 بالمئة أكراد من مختلف الاتجاهات والقضايا.

◄ 35 بالمئة حركات إسلامية، حزب الدعوة وحزب العمل الإسلامي والإخوان المسلمون.

◄ 10 بالمئة شيوعيون وبعث يساري.

◄ 10 بالمئة تهجم، تجاوز حدود، قضايا متفرقة.

◄ 10 بالمئة تجسس، فساد إداري، عمولات.

ويستمر في محاولته الدراسية الهامة ليؤشر توزيع الأفراد حسب المستوى الدراسي. ويضيف “أشير إلى أن موجود قاطع الإعدام الذي كان في ذروته عام 1985 بدأ يتراجع تدريجياً، ثم انخفض بشدة نهاية الحرب العراقية-الإيرانية، لكنه ما لبث أن بدأ يتصاعد مرة أخرى مع أحداث الكويت، ولكنه لم يصل إلى معدل الثمانينات، وقد علمت من مصادر موثوقة أن معدل الإعدام كان 100 فرد سنوياً حتى عام 1995 وربما تصاعد في عام 1997 ولكنه انخفض مرة أخرى وبقي كذلك طيلة التسعينات”.

السؤال هو: هل من مستمع عاقل لهذا النداء النزيه الذي يوجهه الكاتب؟ هل من حاكم عربي استفاد من تجربة سابقيه فحافظ على الوطن من خلال محافظته على كرامة مواطنيه؟

قسم الإعدام

يقول ضرغام “قسم الإعدام تجربة رهيبة ليس فقط بسبب الموت المرتقب مع كل طرقة باب، لا سيما يومي الأحد والأربعاء، وتلك أيام التنفيذ بالنسبة إلى السياسيين بصفة عامة، ولكن لم تكن قاعدة نهائية، بل بسبب صرامة النظام والإغلاق المستمر لأبواب الزنزانات. وكانت النوافذ قد أغلقت بصفائح مثبتة بلحام على الشباك وكان عسيراً معرفة حتى الوقت، ناهيك عما يدور خارج القسم الذي كان يبدو لنا وكأنه كوكب آخر”.

ثم يصف لحظة فاصلة في حياته “كانت الساعة قد قاربت الثانية من بعد ظهر يوم 13 أيار 1987 الأربعاء، أي إن كل المؤشرات المشؤومة متوفرة، الأربعاء هو يوم مشؤوم في عائلتنا، اليوم 13 الساعة الثانية عندما سمع صوت المفتاح يدور في قسم الإعدام، الباب الأول والباب الثاني كان يسود الصمت المطبق وآذان انتظار المحكومين بالإعدام تتطلع إلى المأمور الذي يتوسط ممر القاعة في الطابق الأسفل وبيده ورقة بيضاء رفعها وشرع بقراءة الأسماء. كانت الأسماء أربعة هي اسمي ومن معي في القضية.

وبعد أن أتمّ قراءة الأسماء استدرك قائلاً وبسرعة: إنها.. إنها مرسوم تخفيض، وبالطبع يحق لكثيرين عدم تصديق قصة التخفيض، إلا أنني كنت لا أفكر بشيء، ولا يصدق ذلك الكثير من النزلاء بمن فيهم أخي وسام المشمول بالتخفيض طبعاً. وقفنا في الردهة بين البابين، وقرأ علينا أحدهم مرسوم التخفيض من الإعدام إلى الحبس المؤبد، ومن لم يصدق منا نحن الأربعة لأن نزلاء القسم لا يسـمعون ولا يشاهدون شيئاً، أتيقن الآن أن شبح الموت ابتعد… نعم إن سيف المـوت الحـاد ابـتعد، ولـكن دون أن يختفي نهائياً فبيننا وبين الموت ورقة”.

الأحكام الخاصة

وينتقل الكاتب ليصف قسم الأحكام الخاصة، فيقدم دراسة سريعة ومركزة يشير فيها إلى حالات العفو وإطلاق سراح، وأيضاً إلى حالات أخرى “كنت أعلم بدقة أنني تحت المراقبة الدقيقة جداً طيلة مدة سجني”، هكذا إذن حتى بعد صدور الحكم والسجن هناك من يراقب ويكتب تقارير للحاكم. ويشير الكاتب إلى قرارات العفو وهو يعلم أن اسمه قد حذف من إحدى قوائم إطلاق السراح “بعد أن كانت الأحكام تضيق بالنزلاء، لم يبقَ سوى ذ98 منهم، أطلق سراح أكثر من 6000 نزيل، ترى أيّ وحشة وكآبة تفرض نفسها على من استثناهم العفو؟ تلك مشاعر رهيبة لا يمكن وصفها بسهولة، كما لا يمكن التعبير عنها، وفيما كانت الأقسام تضيق بالنزلاء، وإذا بعد ساعات تصبح فارغة إلا من بعض الرجال الذين يتعيّن عليهم تحمّل مثل هذه التجربة النادرة في القسوة، فقد حدث عام 1988 أن أفرغت القاعة التي كنت فيها ولم يبقَ فيها سوى ثلاثة أفراد. وتكرر الأمر عام 1991 و1995 حيث أفرغ السجن تقريباً”.

مسلسل رعب

ويضيف ضرغام “ترى ما الذي يعين الإنسان على احتمال ثقل تجربة قاسية كهذه، وخاصة إذا تكررت أكثر من مرة؟”، ويستطرد الكاتب ليقدم موجزاً سريعاً عن الإصلاح السياسي والسلطة، ثم يعود ليقدم عرضاً لحالات النزلاء حسب الفئات العمرية والمهن والقوميات وكذلك المحافظات، ويستعرض عدد السجون مشيراً إلى أنها كانت معروفة للرأي العام. ويروي عن بعض حالات الإعدام “إن كل الذين صدرت بحقهم أحكام إعدام نفذت شنقاً في سجن أبو غريب قسم الأحكام الطويلة عدا ثلاث حالات تحديداً..،مجموعة من ضباط الحرس الجمهوري عددهم 15 ضابطا يقودهم الرائد صطام الجبوري أعدموا رمياً بالرصاص في أحد أرجاء سجن أبو غريب.

الشاب عودة ديوان والي من محافظة العمارة، وكان هذا الشاب قد تناول أقطاب النظام بالشتائم. وقد تم تنفيذ الإعدام به رمياً بالرصاص بعد محكمة علنية في ساحة قسم الأحكام الخاصة أمام أنظار الكثير من النزلاء”.

رصاصة في الرأس

إعدام الفريق كامل ساجت الجنابي، وهو من خيرة ضباط الجيش العراقي وأبطاله. الغريب في إعدام هذا الضابط أنه جاء إلى السجن يحمل مظروفاً إلى مدير سجن أبو غريب، وكان ما يزال بإمرة العقيد حسن العامري الذي فوجئ عندما فتح المظروف أن به أمرا يحتم على مدير سجن أبو غريب إعدام هذا الضابط شنقاً وعلى الفور، فاتصل هذا المدير بالجهات العليا، وهو ربما يعلم أن لا جدوى من محاولاته، وأخبرهم أن الوقت متأخر (حوالي الساعة السادسة بعد الظهر وأن الموظف المكلف بالإعدام غير موجود)، فقيل له “ألا يحمل أحدكم مسدسا؟! فرد بالإيجاب: طبعاً، قالوا له: إذن أطلق رصاصة على رأس هذا الضابط، وأغلقوا الهاتف بوجهه”.

يقول الكاتب “اليوم وبعد كل ما حدث وجرى وما تحمّلنا من خسائر في الأرواح والممتلكات والأصدقاء والرفاق، بل وما جرى لبلادنا من تخريب، سواء بأيدينا أو على أيدي أعدائنا، نريد أن يكف مسلسل الرعب، فلا منفعة ولا فائدة لأحد من هذه الجرائم، وكل ربح مفترض هو مجرّد وهم، وكل خسارة ناتجة لا تعوض، وكل ذلك مؤلم، مؤلم بلا حدود، وليس بوسعي صياغة جملة تصف هذا الألم، لست بتصوري أن أتهجم على جهة ما، كما أنني لست غاضباً إلى درجة الجنون، إني أحاول أن ألملم الجراح وأداويها فحسب، وأقبل ببعض الربح عوضاً عن الخسارة الكاملة”.

السؤال المتأخر

السؤال هو: هل من مستمع عاقل لهذا النداء النزيه الذي يوجهه الكاتب؟ هل من حاكم عربي استفاد من تجربة سابقيه فحافظ على الوطن من خلال محافظته على كرامة مواطنيه؟ ما حدث في العراق بعد الاحتلال يفوق بمئات المرات ما عاشه الكاتب، “عندما أستعرض اليوم وجوه العشرات، بل المئات من الذين أعدموا أو اغتيلوا أو الذين أمضوا زهرة شبابهم في السجون وخسروا أعمارهم ومنهم أنا… ألم تكن هناك وسيلة نقيم فيها تفاهماً عوضاً عن الصراع الدامي الوحشي؟ ترى لماذا نحن قادرون على التفاهم حتى مع الأعداء؟ ولكننا غير قادرين على التفاهم فيما بيننا؟ ترى لماذا نضع خطوطاً دمويةً سوداء بين بعضنا، في حين لا نقيم إلا خطوطاً وردية مع أجانب نعلم علم اليقين أنهم لا يريدون الخير لنا كعراقيين؟

إنني أريد أن أقول إنني أفهم وأتفهم تماماً أن الألم قد يدفع الإنسان إلى الجنون وإنه قد يقدم على رد فعل ما، لا يأتيه وهو في كامل وعيه، نعم أنا أعلم أننا قد تعرضنا لآلام مبرحة ولكن:”بلادي وإن جارت عليّ عزيزةوأهلي وإن ضنوا عليّ كرام”. هكذا يقدم الكاتب الحالة التي وصل إليها بعد سني السجن والتعذيب والإبعاد عن الأسرة، ولكن هل هناك من يستفيد من التجربة المرة؟

فضاء إنساني

في الفصول التالية من الكتاب يقدّم الكاتب دراسات مكثفة عن العلاقات الاجتماعية والطعام والموقف الغذائي والعلاجي والمواجهة والماء والكهرباء والاستحمام والمرافق الصحية والتدفئة والتبريد، ثم ينتقل إلى العلاقات السياسية والسجناء من حيث انتمائهم السياسي والعلاقات بين النزلاء والمافيا والتنظيمات والأخبار، ويفرد فصلاً للعلاقة بين السجين والسجّان التي يصفها بأنها مواجهة مستمرة مع تساؤل يجيب عليه: ماذا يريد السجين؟ وماذا يريد السجّان؟

ويتحدث في الفصل عن نظم إدارة السجن والقمع، ثم يفرد الفصل الأخير للحياة الثقافية داخل السجن، القراءة والكتابة والترجمة والتلفزيون والراديو والرياضة والشعائر الدينية والندوات والمحاضرات والتدريس. ويختم الكتاب بفصل خاص عن إطلاق سراحه والظروف والخلفيات التي رافقته، ثم مغادرته العراق. وهو في هذا الفصل يعكس صورة المشاعر التي تنتاب مثقفا سجينا مثله يخرج إلى الحرية ثم يستقبله محبوه وهو يغادر العراق، ويمر في طريقه إلى عمان بالقرب من سجن أبو غريب، “كان الظلام يلفه والقمر لا يبزغ فوق أبو غريب، ربما هو حزين أو في حالة إضراب عن البزوغ”.

إنّ كل فصل من فصول كتاب ضرغام الدباغ يستحق دراسة وحده، ولكن السؤال الذي يظل قائماً: من يستفيد من تلك التجارب؟ الجهة التي دفع البعض حياتهم ثمنا لها، ودفع ضرغام وغيره أجمل سنوات العمر وراء القضبان لا لشيء إلا لخلاف في الرأي.مازال العراق أسوأ مما كان بكثيرما زال دولاب الدم يدور.نحن شعب لا يقرأ ولا يتعلم، تحكمنا سلطة لا تتعظ من دروس الماضي.

ضرغام عبدالله الدباغ مثقف عراقي شغل مواقع متقدمة في حزب البعث اليساري “جماعة صلاح جديد”.