الخميس: 29 أكتوبر، 2020 - 12 ربيع الأول 1442 - 07:14 مساءً
سلة الاخبار
الأثنين: 21 سبتمبر، 2020

عواجل برس\ بغداد

محمد عبد الجبار الشبوط

مما ينبغي العمل على تحقيقه في اطار الاصلاح، تحرير الدولة من الاقتصاد الريعي و الانتقال الى الاقتصاد الانتاجي، ومن المجتمع الاستهلاكي الى المجتمع المنتج، ومن التوظيف في الدوائر الحكومية الى العمل الاقتصادي المنتج في القطاع الخاص.

منذ اكتشاف النفط، والعراق ينزلق بسرعة الى صفة الدولة الريعية rentier state ، وهو وصف يطلق على الدول الغنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، اي الدولة ذات الاقتصاد الريعي الذي يعني اعتماد الدولة على مصدر واحد للريع (الدخل)، وهذا المصدر غالبا ما يكون مصدرا طبيعيا ليس بحاجة إلى آليات إنتاج معقدة سواء كانت فكرية أو مادية كمياه الأمطار والنفط والغاز. الدولة الريعية هي الدولة التي تستمد كل أو جزءاً كبيراً من إيراداتها الوطنية من بيع أو تأجير مواردها الأصلية للعملاء الخارجيين. والعراق دولة ريعية بامتياز حيث يقوم العمود الفقري لاقتصاده على النفط.
الحركة الشعبية الاحتجاجية، او الحركة الاصلاحية، لم تجعل التحرر من الاقتصاد الريعي هدفا لها قط، بل طالبت باهداف تزيد الطين بلّه مثل المطالبة بالمزيد من الوظائف الحكومية بدل مطالبة الدولة بالمساعدة على تهيئة فرص عمل في الاقتصاد الانتاجي، في الزراعة والصناعة خاصة، ودعم القطاع الخاص والعاملين معه، وهذا يعني ان المتظاهرين هم ابناء الدولة الريعية، اعضاء المجتمع الاستهلاكي الذين تربوا في احضان الاقتصاد الريعي ولم يتمكنوا من الخروج من هذه الدائرة الضيقة الى الدائرة الاوسع للدولة الحضارية الحديثة، ذات الاقتصاد الانتاجي. لا يكون الحراك اصلاحيا ما لم يجعل من اهدافه تحرير الدولة والمجتمع من الاقتصاد الريعي، الاحادي، الاستهلاكي.

العراق بلد نفطي. هذا صحيح. ولكن الصحيح ايضا ان العراق بلد ذو ارض ومياه وايدي عاملة شبابية كبيرة العدد. وتخلفه الاقتصادي المتمثل بالاقتصاد الريعي، الاحادي، والبطالة والاستيراد المتفوق على الانتاج، وتضخم الجهاز الوظيفي التابع للدولة، والفقر، وغير ذلك، هو في جوهره عبارة عن خلل حاد في المركب الحضاري للمجتمع والقيم العليا الحافة به. واي اجراء اقتصادي لا يعالج هذا الخلل انما هو اجراء ناقص، سطحي، تخديري. الاصلاح الاقتصادي لابد ان يتضمن اعادة ادخال الانسان في العلاقة الانتاجية مع الطبيعة، اي تفعيل الزراعة والصناعة، والابتكارات والخدمات المتعلقة بهما. ضمن هذه الرؤية لا يكون حل بطالة الخريجين مثلا، كخريجي كليات الزراعة، بتعيينهم في دوائر الدولة، وانما بتوفير فرص عمل لهم في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات ذات العلاقة. وحسنا فعلت وزارة التخطيط باطلاق المشروع الوطني لتشغيل الشباب (المتوقف حاليا). كما ان اطلاق حملة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومساعدة الشباب العاطل على الانخراط فيها يمثل حلا اخر. هذا فضلا عن استثمار الاموال المكتنزة في البيوت. وظيفة الدولة ليس تعيين الشباب العاطل في دوائرها، وانما في تشريع القوانين وتهيئة البيئة المناسبة التي تشجعهم على العمل المنتج، وتحمي انتاجهم، وتيسر لهم العمل. وحين لا تنتبه الدولة والمجتمع كلاهما الى الحل الاقتصادي الانتاجي لمشاكل البطالة والفقر والاقتصاد الريعي والاحادي والاستهلاكي، فهذا يعني اننا ندور في حلقة مفرغة، ونعيد انتاج التخلف الاقتصادي، ونرسخ ظواهره السلبية كالبطالة (المقنعة) والفقر والاعتماد الكلي على النفط والاستيراد.

ولست افهم او استوعب كيف نتهم الدولة بالفساد والفشل ثم نطالبها بالاصلاح! ان دولة فاسدة وفاشلة لايمكن ان تكون اداة للاصلاح، وخاصة الاصلاح الاقتصادي، لكن شعبا واعيا فعالا يمكن ان يكون هو المصلح ورائد الاصلاح. بعد تأكّد فشل الدولة وفسادها لا يمكن الرهان عليها للإصلاح، ولا يمكن الرهان الا على المواطن الفعال والمجتمع الفعال لتحقيق الاصلاح المطلوب، وخاصة الاصلاح الاقتصادي. فاذا قيل ان الشعب غير قادر على ذلك، سأكون مضطرا الى القول: اذاً، طريقك مسدود يا ولدي!