الثلاثاء: 27 أكتوبر، 2020 - 10 ربيع الأول 1442 - 02:54 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 20 فبراير، 2020

باسل عبد العال

عَاش الشاعر بدر شاكر السياب غربتهُ الخاصة، حين خرج من قريتهِ “جيكور” في محافظة البصرة، إلى بغداد، حيث عمل في دار المعلمين، وهناك بدأ السياب اغترابه الأول، حيث ابتعد عن القرية وتفاصيلها الجميلة التي ولد فيها، مثل “نهر بوَيْب” الذي يمرُّ من أمام بيته، والحدائق الجميلة الموزعة. كلُّ هذه التفاصيل أصبحت في ذاكرتهِ، لذلك كان لها تأثير على شعره، فأنشد لجيكور من مدينة بغداد العظيمة، يقول:

آه جيكور، جيكور

ما للضّحى كالأصيل

يسحب النورَ مثل الجناح الكليل

ما لأكواخك المقفرات الكئيبة

يحبس الظلُّ فيها نحيبه

أين أين الصبايا يوسوسنَ بين النّخيل

عن هوى كالتماعِ النجوم الغريبة؟

أين جيكور؟ جيكور ديوان شعري

موعد بين ألواح نعشي وقبري.

هي اللوعة الأولى، والاحتراق الأول في حضرة قريته، جيكور. لكنّ هذا الاغتراب، علّمهُ أشياءَ كثيرةً، كما شحنه بالشعر الجميل والجديد في آن، فحاول وصف القرية من بعيد، يتأمّل فيها الصبايا اللواتي تركهنّ وهو في عزِّ شبابه. ولكنّ بغداد أسست لهُ مرحلة شعرية أخرى، إذ انفتح فيها على العالم، حيث العلم والمعرفة والأصدقاء الشعراء هناك. تعرف على سعدي يوسف، كما تعرف بدر شاكر السياب على مقاهي بغداد الأدبية، ومجالسها مثل: مقهى الزهاوي، ومـقـهى ا لبلدية، ومقهى البرازيلية، وغيرها من المقاهي التي كان يرتادها مع مجموعة من الشعراء الذين غدوا في ما بعد روّاد حركة الشعر الحرّ مثل بلند الحيدري، وعبد الرزاق عبد الواحد، ورشيد ياسين، وسليمان العيسى، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم.

 

وفي مدينة الكويت، عاش السيّابُ حياةَ الغريب؛ الغريب على الخليج. وهي غربة من نوعٍ آخر، حيث المنفى البعيد الذي عاش فيه السياب، يقول في قصيدة “الغريب على الخليج”، والتي تصوّر حالة الغربة لديه:

الرّيحُ تلهث بالهجيرة كالجثامِ، على الأصيل

وعلى القلوعِ تظلُّ تطوى أو تنشّر للرحيل

زحم الخليج بهنّ مكتدحون جوّابو بحار

من كلِّ حافٍ نصف عاري

وعلى الرّمالِ، على الخليج

جلس الغريبُ، يسرّح البصر المحيّر في الخليج

ويهدّ أعمدةَ الضياءِ بما يصعّد من نشيج

أعلى من العبّاب يهدر رغوَه ومن الضجيج

صوتٌ تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق

هذه الأبيات نلمس فيها الغربة الكاملة، هنا جلس الغريبُ الذي يرمز إلى ذات الشاعر، يتأمل غربتهُ البعيدة، من خليج البحر في مدينة الكويت. ولكنّهُ لا يكفُّ عن مناشدة بلده الأول، العراق؛ ذاك البلد المتفجّر في نفسه كما قال. هذه روح المغترب الذي لا ينسى وطنه مهما ابتعد. نتخيّل هنا رجلاً لفظهُ الموج على الرّمال، وبدأ يبحث عن وطنه في داخله، هذا هو شاعرنا بدر شاكر السيّاب.

 

سافر السيّاب إلى بيروت، وكانت بيروت على موعدٍ معه. التقى في بيروت بأدونيس، ويوسف الخال، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وشارك في أمسيات شعرية عديدة فيها، وغادرها حزيناً، لكنّهُ كان يشعر بأنّهُ سيعود إليها ذات يوم، وعاد إليها في تاريخ 18 أبريل 1962 وأُدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، فكتب من بيروت قصيدته الوصية إلى زوجته، يقول فيها:

إقبالُ، يا زوجتي الحبيبة

لا تعذليني، ما المنايا بيدي

ولستُ، لو نجوتُ، بالمخلّد

كوني لغيلان رضىً وطيبهْ

كوني له أباً وأمّاً وارحمي نحيبَه

الحزن بدأ يخيّم هنا على شعرهِ؛ هي الوصية الأولى من بيروت، ومن غرفة المستشفى. يلملمُ كلماتهِ كي يصيغ آخر القصائد في حضرة الموت الذي ينتظرهُ هناك، قصيدة النحيب. كأنّهُ يرمي تحيتهُ الأخيرة لزوجتهِ التي تنظر عودته سالماً إلى العراق، على أملٍ بالشفاءِ، لكنّها لا تعرف أنّهُ سيسافر هذه المرّة إلى عالمٍ آخر.

 

وفي البحث عن طريق الحياة التي لم يجدها، سافر إلى باريس للبحث عن أطباء كبارٍ للعلاج. صار يتنقلُ من مطارٍ إلى آخرٍ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ، هنا وهناك، ولم يجد علاجاً لمرضِه. وفي يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة، وفاضت روحه في السّاعة الثالثة بعد الظهر، وكان صاغ قبلها قصيدة الموت، يقول فيها:

يمدّون أعناقَهم من ألوفِ القبورِ يصيحون بي

أنْ تعال

نداءٌ يشقّ العروقَ، يهزّ المشاشَ، يبعثر قلبي رماداً

أصيلٌ هنا، مشعلٌ في الظّلال

تعال اشتعلْ فيه حتى الزّوال

جدودي وآبائي الأوّلون سرابٌ على حدّ جفني تهادى

وبي جذوةٌ من حريقِ الحياة تريد المحال

الإحساس بالموت حتى في الغربة، هو موت من نوعٍ آخر. وهذا ما حصل مع شاعرنا المغترب بدر شاكر السياب في غربته التي لم تنته. إنّها تراجيديا كاملة لسيرة شاعرٍ كبيرٍ، فمن بغداد إلى الكويت حتى بيروت التي لم يتوقّع أنّه سيعود منها محمولاً إلى المستشفى، بدأ الموت ينتشر في جسد الشاعر حتى الرّمقِ الأخير، ويختم:

جراحي بقلبِك أو مقلتيك ولا تحرفنّ الخطى عن طريقي

ولا شيءَ إلّا إلى الموت يدعو ويصرخ فيما يزول

خريفٌ شتاءٌ أصيلٌ أفول

وباقٍ هو اللّيلُ بعد انطفاءِ البروق

وباقٍ هو الموتُ أبقى وأخلد من كلِّ ما في الحياة

فيا قبرها افتحْ ذراعيك

إني لآتٍ بلا ضجّةٍ دون آه

العودة إلى بلدهِ محمولاً على الأكتاف كانت حزينة جداً، حيث نقل جثمانه إلى مسقط رأسه. كان السيّاب يفضّل أن يعود من غربتهِ سالماً، كعودةِ المنفيِّ إلى وطنه الأمّ منتصراً، لكنّ مصيره كان تراجيديّاً وفائضاً بالموت، وانتهت حياتهُ من الغربة الطويلة إلى عودةٍ أخرى.

 

تمسّكُ شاعرنا بالأمكنة هي إحدى صفاتِ المصابِ بالعاطفة الجيّاشة، والحنين هو الرائحة، كما يقولون، ويبدو أنّ شاعرنا في هذه القصيدة التي تحمل عنوان “يا دار جدي”، مصابٌ بذاك الحنين السرمديّ إلى البيت الأوّل أو المكان الأوّل الذي ترعرع فيه، يقول:

مطفأة هي النّوافذ الكِثار

وبابُ جدّي موصدٌ وبيته انتظار

وأطرق الباب فمن يجيب يفتح؟

تجيبني الطفولةُ الشبابُ منذ صار

تجيبني الجِرارُ جفّ ماؤها فليس تنضحُ

بُويبُ، غير أنها تذرذر الغبار

مطفأة هي الشّموسُ فيه والنّجوم

الحقَبُ الثّلاثُ منذ أن خفقتُ للحياة

في بيت جدّي ازدحمن فيه كالغيوم

تختصر البحارُ في خدودهنّ والمياه

فنحن لا نلمّ بالرّدى من القبور

العودة إلى دار الجدّ، هي عودة الرّوح إلى طينِها الأوّل، والتمسّك بالذاكرة خوفاً عليها من التلاشي في غياهب النسيان؛ فشعر السيابِ كان له الدّورُ الكبيرُ في المحافظة على إحياء الإنسان الذي يتألّم داخل وخارج وطنه، ولا يستطيع الشاعر تصوير الذاكرة إلا من خارجها، أي من غربته البعيدة. يستطيع النبش داخله، لإخراج حنينه الأوّل إلى وطنه الأم، مثلما يفعل شاعرنا، فيمزج بين زمن الطفولة وبين زمن الموت، والتفاصيل التي تحيا فيه، كما نهر بويب المشهور في شعرِه منذ بدايتِه.