الخميس: 20 يونيو، 2019 - 16 شوال 1440 - 05:26 صباحاً
سلة الاخبار
السبت: 8 يونيو، 2019

عواجل برس/متابعة

ينتشر السلاح في العراق كالنار في الهشيم، وما الأحداث التي تشهدها البلاد إلا علامة على اتساع انتشار السلاح في البلاد إلى حد غير مسبوق.

تحقيق صحفي لوكالة “يقين” يحاول الوقوف على حقيقة انتشار السلاح في المحافظات العراقية، ومن المتحكم في تجارة السلاح في البلاد، وكيف تدار عمليات تهريب وبيع الأسلحة؟

أرقام وإحصائيات

يشهد العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 انتشارًا كبيرًا للسلاح خارج إطار الأجهزة الأمنية، إذ يكشف العقيد في وزارة الداخلية “عباس كاظم” الذي عمل في عهد وزير الداخلية الأسبق “جواد البولاني” أن عدد الأسلحة التي تسربت من الأجهزة الأمنية إلى السوق السوداء يقارب الـ 190 ألف قطعة سلاح.

“عدد الأسلحة التي تسربت من الأجهزة الأمنية إلى السوق السوداء يقارب الـ 190 ألف قطعة سلاح”

وأضاف الضابط الذي عمل في مديرية الميرة (مخازن السلاح) في الوزارة، أن هذه الإحصائية هي للفترة بين عامي 2003 و2006 فقط، إذ شملت الأسلحة المسربة عشرات آلاف المسدسات الشخصية التي كانت قد وزعت على منتسبي الأجهزة الأمنية وتشمل عدة أنواع أمريكية ونمساوية أبرزها (كلوك وسيزار وألبتا) إضافة الى أنواع متعددة من الأسلحة الرشاشة مثل الكلاشنكوف والـ M16 والـ M4.

وكشف كاظم عن أنه في بعض الحالات باع منتسبون في الأجهزة الأمنية مخازن وحداتهم بأكملها ثم فروا من الخدمة، لافتًا إلى أن الأسلحة التي تسربت إلى السوق السوداء بيعت بأٌقل من 50% من قيمة شرائها من المصنعين، وأن كثيرًا من الأسلحة باتت بيد الميليشيات والعشائر، والتي ما تزال تستخدم في تقويض الأمن، بحسبه.

ضابط في وزارة الداخلية كشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2018 شهدت أكبر موجة من تهريب وبيع السلاح غير المشروع في البلاد.

 

وأضاف الضابط الذي اشترط عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن عمليات بيع السلاح وتهريبه تتم من خلال عمليات معقدة تديرها مجموعات وفصائل مسلحة محسوبة على الأحزاب الإسلامية في البلاد، وأن لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها، إذ إن هذه الفصائل تستخدم باجات رسمية وكتبًا صادرة عن قيادة الحشد الشعبي تخولها بحمل السلاح، بحسبه.

“الأسلحة التي تسربت إلى السوق السوداء بيعت بأٌقل من 50% من قيمة شرائها من المصنعين”

وعن إحصائيات الأسلحة التي بيعت في هذه الفترة، أضاف المصدر أنه لا توجد إحصائية معينة، لكن الحرب الأخيرة ضد تنظيم الدولة (داعش) تسببت في موجة غير مسبوقة من بيع الأسلحة وتهريبها إلى جهات داخلية وخارجية، خاصة أن بعض المعارك التي خاضتها الأجهزة الأمنية فقدت فيها جميع أسلحتها، ولا يعلم أحد فيما إذا كانت تلك الأسلحة ذهبت لتنظيم الدولة (داعش) أم لجهات مسلحة تتبع الحشد الشعبي، بحسبه.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أضاف المصدر أن هناك فسادًا كبيرًا في الأجهزة الأمنية وخاصة في مديريات الشرطة المحلية، إذ يتم تسليم ذخيرة إلى المنتسبين بعدد معين يوقع عليه المنتسب، إلا أن ما يتم تسلميه إلى المنتسب أقل مما كان قد وقع عليه، إذ لا قدرة للمنتسبين على المعارضة مع تهديدهم بنقلهم إلى وحدات أمنية أخرى بعيدة عن أماكن سكناهم.

ويكشف الضابط في مديرية شرطة محافظة البصرة “منتظر لازم” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن عشائر البصرة وحدها تمتلك سلاحًا وذخيرة يمكن من خلاله تجهيز فرقتي مشاة عسكريتين بمعدل 5 آلاف جندي لكل فرقة.

وعن ماهية هذه الأسلحة فيما إذا كانت أسلحة تتبع الجيش السابق الذي نهبت مخازنه في 2003، كشف لازم لوكالتنا عن أن 60% من الأسلحة المستخدمة من قبل العشائر حديثة وليست قديمة، وأنها من مناشئ روسية وصينية وكرواتية، لافتًا إلى أن مستوى التسليح لدى العشائر بات يصل لمستوى الأسلحة الثقيلة باستثناء الدبابات، بحسبه.

كيف تتم تجارة السلاح؟

كثيرة هي أماكن بيع السلاح في العراق، لكن أكثر مناطق تمركز بيع السلاح في العراق يتركز في سوق مريدي بمدينة الصدرشرقي بغداد، إذ يكشف أحد أصحاب متاجر بيع السلاح في سوق مريدي والذي عرف عن نفسه بـ “محمد التقي” أن الحصول على الأسلحة في العراق غاية في السهولة، إذ إن هناك طرقًا عديدة للحصول عليه وإدخاله إلى البلاد.

“عمليات بيع السلاح وتهريبه تتم من خلال عمليات معقدة تديرها مجموعات وفصائل مسلحة محسوبة على الأحزاب”

وعن طرق حصول تجار السلاح على مختلف أنواع الأسلحة، يكشف التقي عن أن من أهم طرق الحصول على الأسلحة هي المنافذ الحدودية خاصة مع إيران، إذ بحسب التقي فإن هذه المنافذ لا تضم أي أجهزة سونار للكشف عن الأسلحة أو الذخائر، وحتى لو اكتشفت فإنه من السهولة بمكان تمريرها عبر المنافذ إما من خلال العلاقات وفصائل الحشد أو من خلال الرشاوى، بحسبه.

ويضيف التقي أن حجم ما يهرب من أسلحة من خلال تركيا عبر إقليم كردستان لا يستهان به، وتشمل الأسلحة المهربة من إقليم كردستان الأسلحة الروسية والذخائر، وخاصة ذخائر الأسلحة الروسية من العيارات الثقيلة، ثم تنقل هذه الأسلحة إلى بغداد وبقية المحافظات الوسطى والجنوبية عبر طرق نيسمية غالبها يخضع لفصائل الحشد الشعبي الذين لهم الدور الأساس في بيع ونقل هذه الأسلحة، بحسب التقي.

وكشف التقي في ختام حديثه لوكالتنا عن طريق آخر للحصول على السلاح، ويتمثل بتسريبها من الوحدات العسكرية في المناطق الساخنة، إذ إنه بحسب التقي فإن الجيش لا يحاسب على الذخائر التي يستخدمها خلال المعارك والاشتباكات، وبالتالي يكون تسريبها سهلًا للغاية.

 

الحدود العراقية الإيرانية والموانئ وتجارة السلاح

تشير كثير من المعلومات إلى أن غالبية الأسلحة المهربة إلى العراق يتم إدخالها عن طريق الموانئ في البصرة وخاصة ميناء أم قصر، إضافة إلى الحدود الإيرانية العراقية المطلة على البصرة أيضًا، إذ يكشف المخلص الجمركي في ميناء أم قصر “حميد محسن” في حديثه لوكالة “يقين” إن ميناء أم قصر يعد دولة داخل الدولة، إذ إنه لا أحد يستطيع تجاوز المافيات التي تتحكم به وخاصة من عصائب أهل الحق والنجباء والخرساني وغيرها، ويكشف أيضًا عن أن لكل رصيف في الميناء مجموعة من الميليشيات التي تتحكم به.

وعن تهريب السلاح من خلال الميناء، يكشف محسن عن أن الطرق التي تتبعها الميليشيات سهلة وتعلم بها السلطات الأمنية، إلا أن لا أحد يجرؤ على منعها، إذ يشرح الطريقة بالقول: “تصل يوميًا عشرات الحاويات إلى ميناء أم قصر وكلها تصل عبر السفن والبواخر، ولأجل إنزالها إلى الميناء، يتطلب ذلك تخليصًا جمركيًا وتفتيشًا من وحدة الجمارك، وهذا ما يتم عادة مع البضائع المستوردة العادية، إلا أن بعض الحاويات يتم تخليصها جمركيًا دون المرور بوحدات التفتيش، ودون تدقيق عدد الحاويات الداخلة، وهذا يتم من خلال الميليشيات المسيطرة على الميناء بالإضافة إلى بعض الموظفين الذين يعملون معهم”.

“ما يحققه مهربو وتجار السلاح من أرباح يقدر بما لا يقل عن 3 مليون دولار شهريًا”

ويضيف محسن أنه تحدث بين الفينة والأخرى تنقلات أو اغتيالات لبعض الأفراد العاملين في الميناء من الذين يرفضون التعاون في إدخال الممنوعات عبر الميناء، وهذا ما لا يتم الكشف عنه في وسائل الإعلام، بحسبه.

فيما يكشف الموظف في منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران والذي يقع شرق مدينة البصرة بنحو 30 كيلومترًا عن أن المنفذ يعد البوابة الرئيسة لدخول كل ما هو ممنوع إلى العراق.

ويضيف الموظف الذي فضل التعريف عن نفسه بـ (م.ج) أن كميات كبيرة من المخدرات والأسلحة تدخل إلى العراق عبر هذا المنفذ، مشيرًا إلى أنه ووفقًا لما يتداوله العاملون والميليشيات المسيطرون على المنفذ، فإن المنفذ يدخل شهريًا ما لا يقل عن 5 حاويات محملة بالأسلحة أو الذخائر والممنوعات، موضحًا أنه لا أحد يستطيع السيطرة على عمل المنفذ، وأن إغلاق المنفذ قبل أسابيع جاء بأوامر من بغداد بعد أن عجزت القوات الأمنية عن السيطرة على ما يدخل عبره، إلا أنه بحسب محسن فقد أعيد افتتاحه مؤخرًا بضغط من الأحزاب الدينية والفصائل التابعة لها، بحسبه.

ويقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة في العراق “ليث عامر” في حديثه لوكالة “يقين” إن الميليشيات باتت تركز نشاطها في تهريب السلاح والذخيرة من المنشأ الصيني لسهولة الحصول عليها عبر إيران، إضافة إلى رخص ثمنها مقارنة بالأسلحة الأمريكية والأوروبية.

ويكشف عامر عن أن ما يحققه مهربو وتجار السلاح من أرباح يقدر بما لا يقل عن 3 مليون دولار شهريًا، من ضمنها بيع وتجارة السلاح في الأسواق السوداء الداخلية وخاصة في سوق مريدي شرقي العاصمة وسوق الناصرية، بحسبه.

ويعتقد عامر أن العراق وفي ظل التوترات الأمنية الأخيرة في البلاد، فإنه من غير المستبعد أن تندلع حرب أهلية في مناطق الوسط والجنوب العراقي خاصة أن العشائر تمتلك سلاحًا ثقيلًا بل حتى مضادات طائرات، لافتًا إلى أن تعدد الميليشيات ومسمياتها يدل على اختلاف توجهاتها، وبالتالي فإن ضربت مصلحة إحداها وتطور الأمر إلى صدام مسلح، فإن ذلك كفيل بإشعال الاقتتال، في ظل توفر كميات هائلة من الأسلحة والأعتدة، بحسبه.

 

إنكار الميليشيات دورها في تجارة السلاح

اتهامات كبيرة للفصائل المسلحة بلعب دور كبير في تجارة وبيع السلاح غير المشروع في البلاد، اتهامات ينفيها القيادي في فصيل عصائب أهل الحق المدعو “ليث العذاري”، إذ نفى الأخير في حديثه لوكالة “يقين” تورط العصائب أو أي من قياداتالحشد في تجارة أو تهريب السلاح إلى العراق.

“من غير المستبعد أن تندلع حرب أهلية في مناطق الوسط والجنوب العراقي خاصة أنالعشائر تمتلك سلاحًا ثقيلًا”

وأضاف العذاري أن العصائب وغيرها من الفصائل ليست بحاجة للتجارة في سوق السلاح، إذ إنها تحصل على السلاح من خلال الحكومة، كونها جهازًا أمنيًا أساسيًا في المنظومة الأمنية في البلاد، بحسب تعبيره.

وعن سوق مريدي الذي يتاجر فيه بمختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والخفيفة وتحكم الفصائل وامتلاكها لمحلات بيع السلاح، أوضح العذاري أن الفصائل ليس لها علاقة بالأمر وأنه لا دليل على هذا الاتهام، لافتًا إلى أن التحكم بمحلات بيع السلاح وترخيصها ومحاربة وإغلاق غير القانوني منها يعد من واجبات وزارة الداخلية وليس الحشد الشعبي، بحسبه.

إجراءات وزارة الداخلية

وفي ظل انتشار بيع وتهريب السلاح في العراق، يقول الناطق باسم عمليات بغداد اللواء “سعد معن” في حديثه لوكالة “يقين” إن الأجهزة الأمنية واستخبارات الداخلية تعتقل كل من يخالف قوانين حمل السلاح وحيازته أو بيعه أو المتاجرة به.

وكشف معن عن أن وزارة الداخلية حققت إنجازًا كبيرًا في هذا الصدد من خلال مديرية شرطة مكافحة الإجرام في بغداد، إذ إن هذه القوة داهمت عشرات أوكار بيع السلاح غير المرخص، إضافة إلى اعتقال ما لا يقل عن 90 متهمًا ببيع السلاح خلال الأشهر الـ 12 الماضية.

“مناطق شمال غرب العراقباتت تعد أحد أكبر مناطق بيع وتهريب السلاح في شمال البلاد”

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أشار معن إلى أن وزارة الداخلية فعلت عدة إجراءات من أجل الحد من تجارة السلاح غير المشروع، ومن بينها ترخيص عدد من محال بيع الأسلحة، إضافة الى استحداث باجات حديثة غير قابلة للتزوير تختص بحاملي وحائزي الأسلحة في مختلف المحافظات العراقية، بحسبه.

من جهته وفي حديثه مع وكالة “يقين” يقول عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية “عدنان فيحان” إن الحكومة مقصرة جدًا في وضع خطة من أجل حصر السلاح بيد الدولة، لافتًا إلى أنه في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، فإن العراق مقبل على كارثة مكتملة الأركان.

وأوضح فيحان أن سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على مساحات واسعة من البلاد عام 2014، تسبب في تسرب مئات آلاف قطع السلاح إلى الجماعات المسلحة التي ما لبثت أن استخدمت في قتل العراقيين ثم بيعت إلى جهات أخرى.

وعن الجهات التي تقف وراء تهريب وتجارة السلاح في البلاد وفيما إذا كانت هناك أحزاب سياسية وجهات أمنية تقف وراء ذلك، أكد فيحان على أن تنظيم وحصر السلاح بيد الدولة والضرب بيد من حديد على المخالفين كفيل بحل جميع تلك المشاكل، دون الإدلاء بمزيد من المعلومات.

ويكشف المحلل السياسي “رياض الزبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن العراق بات بوابة سهلة لتهريب السلاح ومن أكثر من منفذ ولأكثر من جهة.

وكشف الزبيدي عن أنه بالإضافة الى استخدام السلاح المهرب من قبل فصائل مسلحة تتبع الحشد الشعبي، فإن مناطق شمال غرب العراق باتت تعد أحد أكبر مناطق بيع وتهريب السلاح في شمال البلاد، إذ إن منطقة سنجار التي يسيطر عليها مقاتلو حزب العمال الكردستاني التركي –الذي تعده أنقرة إرهابيًا– يعملون على تهريب السلاح من عدة أطراف ولعدة أطراف خاصة أن سنجار ترتبط مع محافظة دهوك ومحافظة نينوى فضلًا عن محاذاتها للحدود السورية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وبالتالي فإن الأسلحة الإيرانية تعبر من إيران إلى العراق ومن ثم إلى مجاميع مسلحة داخليًا أو لجهات كردية سورية والتي تقوم بدورها ببيعها لجهات أخرى، بحسبه.