الجمعة: 22 نوفمبر، 2019 - 24 ربيع الأول 1441 - 03:00 صباحاً
دفاتر
الخميس: 20 يونيو، 2019

عواجل برس/متابعة

التدخين ضار جدًا بالصحة ويسبب الوفاة»، عبارة نراها كثيرًَا وقد كتبت على عُلَب التبغ، حتى أنها ارتبطت بالتدخين وشراء السجائر، لكن هل كان التبغ دومًا عشبة قاتلة؟ بعضنا لا يعرف الكثير عن  تاريخ هذا النبات الذي كان ينمو بالأصل في الأمريكتين -الجنوبية والشمالية- ولم يكتشفه العالم القديم إلا باكتشاف كريستوفر كولومبس لعالمه الجديد.

إذ وفي أواخر القرن الخامس عشر، تحديدًا في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1492، عاد كولومبس إلى بلاده محملًا بأوراق التبغ المجففة كهدايا من شعب الهنود الحمر -الشعب الأصلي للأمريكتين، ومن هنا بدأ تاريخ كاملًا للتبغ، أصبح خلاله شائعًا جدًا إلى درجة أن استخدمه بعض الأفراد نقودًا في القرن 16 الميلادي، قالوا عنه «يساوي الذهب»، فما الذي لا نعرفه عن هذا النبات القاتل؟

«علاج إلهي».. يشفي تقريبًا أكثر من 36 مشكلة صحية

عشبة التبغ، والتي يطلق عليها «نيكوتيانا» قد تسببت على مدار تاريخها في كثرة عدد الوفيات أكثر من أي عشبٍ آخر؛ إذ كان التدخين مسؤولًا عن ما يقارب 3 ملايين حالة وفاة سنويًا، وأوراق التبغ تنتج عند حرقها أكثر من 4 آلاف مادة كيميائية، أشهرها النيكوتين، وهو المادة المسؤولة عن إدمان المدخنين على التبغ، والتي تتخلل سريعًا كل عضو من أعضاء الجسد في حال تدخينها، إلا أن ذلك لم يكن الحال دائمًا، فقبل أكثر من خمسة قرون مضت، لم يكن التدخين قاتلًا، بل صُنف علاجًا ربانيًا، له قدرات سحرية على شفاء كل شيء تقريبًا.

بدأ كل شيء عندما زار كولومبس بعض بلدان الأمريكتين، كوبا وجزر هايتي، وهناك وجد المزارعين يحصدون التبغ ويستخدمونه شرابًا مقدسًا له بعض الآثار الممتعة، وفي الوقت ذاته يعالج العديد من الأمراض المختلفة. لم تكن استخدامات التبغ حينها قاصرة على التدخين فقط، بل كان البعض يمضغونه لعلاج رائحة الفم الكريهة أو لتسكين آلام الأسنان، كما لاحظ بعض البحارة أن أهالي كوبا وهايتي يدخنون هذه الأوراق المجففة، عن طريق أنبوبٍ من القصب له فتحتين للاستنشاق، ويسمى «Tavaco»، والذي جرى تحريفه فيما بعد إلى «Tobacco» أو التبغ، وأصبح هذا الاسم يطلق على النبات ذاته فيما بعد.

كان رجال الجزر يحملون معهم في زوارق الصيد تلك الأوراق المجففة، دليلًا على الاهتمام بالصحة، وذلك لدرء الأمراض، والمساعدة في التغلب على الإرهاق، كما قاموا بمزج أوراق التبغ مع عشبة التي استنشقوها عبر الأنف من أجل الغياب عن الوعي لبضعة ساعات -هي عشبة لها آثار مهلوسة وتصنف ضمن النباتات المخدرة، وكان يصفها الحكماء في ذلك الوقت لأغراضٍ طبية.

كان القدماء أيضًا في فنزويلا ودول أمريكا اللاتينية يستخدمون التبغ المخلوط بالجير معجونًا لتبييض الأسنان، وعلى الرغم من كل ذلك، إلا أن التبغ لم يصبح علاجًا شائعًا حتى بداية القرن 16 الميلادي. وذلك عندما أبلغ المستكشف البرتغالي بيدرو ألفاريز عن استخدام عشبة التبغ في علاج القروح والجروح والأورام الحميدة والخراجات المتقيحة وأسماها «العشبة المقدسة»، نظرًا لقدرتها على علاج الحالات الميؤوس منها.

[null img]

الجدير بالذكر، أن التبغ في عام 1571 ميلاديًا، أدرج باعتباره أحد أفضل النباتات الطبية؛ إذ قام الطبيب الإسباني نيكولاس مونارديس بنشر كتابه عن «تاريخ النباتات الطبية في العالم» الجديد، وفيه ادعى أن التبغ يمكنه أن يعالج أكثر من 36 مشكلة مرضية؛ وكان ذلك هو السبب الرئيسي وراء الشعبية الكبيرة للتبغ لدى سكان القارة الأوروبية واعتقادهم أن التبغ يعالج تقريبًا كل شيء من رائحة الفم الكريهة، وحتى أمراض السرطان.

«أسطورة العشبة المقدسة»

منذ زمنٍ طويل، عندما كان شعب بوتواتومي ما زال يحيا شرق المحيط بالقربِ من أرض أجدادهم، قبائل «Delaware أو ديلاوير»، كان بينهم رجل عجوز، تأتيه رؤى غريبة بأن شيئًا مقدسًا سينمو في حقله. كان الحقل يقع بمكانٍ قريب، قد قام الرجل بتطهيره سابقًا بالنارِ، وفي الرؤية حذرته الأرواح من السماح لأي امرأة بالاقتراب من مزرعته. في الصباح قام العجوز بقطع الأشجار، فكونت جذوعها سياجًا طبيعيًا حول المزرعة، يمنع أي شخص من الاقتراب منها.

كان حقله غامضًا، ونتيجة لذلك كان الجيران كلما مروا عليه يهزؤون به، كما سخر منه أقاربه وأصدقاؤه، قائلين: «كيف تتوقع محصولًا من أرضٍ لم تضع بها بذورًا؟». احتمل الرجل العجوز كل ما واجهه من سخرية، وعندما ذهب الجميع للصيد في شهر يوليو (تموز)، بقى الرجل وحيدًا في منزله، وقبل أن يعود الجميع، ذهب الرجل إلى الحقل، فوجد به نباتًا غريبًا قد نما، لم يعرف حتى اسمًا له. وفي أحد الأيام مرَّ به واحد من أرض الأجداد، سعى العجوز ليريه نبتته التي انبسقت من الرؤى، وأهدتها له الروح العظيمة، حينها قال له الرجل أن في أراضي الأجداد نبتت نفس العشبة المقدسة من حلم رجل عجوز.

أراد البوتواتومي أن يعرف كيف تستخدم هذه العشبة التي جاءت له هدية في كبر سنه، فأجابه الزائر: «يا عزيزي، إذا كانت هذه النبتة هدية لكَ من الروح العظيمة، ستزورك الروح مرةً أخرى وتظهر لك كيف تستخدمها». كان العجوز في حيرة من أمره، وقرر أن يصوم وينتظر الرؤى، وبقى بدون طعام يومين، وفي اليوم الثالث، ظهرت له الروح العظيمة وأخبرته بأن يجمع أوراق النبات ويجففها ليصلي، وأن يحرقها في النارِ بخورًا، ويدخنها في أنبوب خاص.