الثلاثاء: 25 يونيو، 2019 - 21 شوال 1440 - 01:52 صباحاً
دفاتر
الأثنين: 31 ديسمبر، 2018

عواجل برس/متابعة

بين فاروق الأول وجمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات، ومعمّر القذافي، والحسن الثاني، وحافظ الأسد، وملوك السعودية وغيرهم… ظهرت تناقضات كثيرة، لكنها لم تمنع عشراتُ المطربين الكبار من التغنّي بأمجاد أكثر من واحد منهم، أملاً في التقرّب من أصحاب السلطة، أو طمعاً بوسام أو نيشان يزيّن الصدر.

أم كلثوم

في 17 سبتمبر 1944، كانت كوكب الشرق تدندن بأغنيتها “ليلة العيد” في حفل في النادي الأهلي، عندما دخل الملك فاروق بشكل فاجأ الحاضرين إلا مطربة مصر الأولى.

تفاعلت “الست” بسرعة مع الحدث وغيّرت في كلمات أغنيتها لتقول: يا نيلنا ميتك سكر/ وزرعك في الغيطان نور/ يعيش فاروق ويتهنى/ ونحيي لو ليالي العيد، لتنال منذ تلك اللحظة “الرضا الفاروقي السامي”، وليُنعم عليها ملك مصر بـ”وسام الكمال” لتصير صاحبة العصمة، وهو لقب كان قبلها مقتصراً على أميرات أسرة محمد علي.

بعد ذلك، غنّت أم كلثوم في حفل زواج الملك الثاني من الملكة ناريمان، عام 1951، وقدّمت مجموعة من القصائد للشاعر أحمد شوقي بعنوان “الملك بين يديك”، و”اجمعي يا مصر أزهار الأماني” لأحمد رامي، وهي أعمال جمعها الباحثون تحت اسم “فاروقيات”.

فعلت كوكب الشرق نفس الشيء مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1956. غنّت له: “الزعيم والثورة”، “تحويل السد”، “يا جمال يا مثال الوطنية”، “فأنت الأمل”، “الفجر الجديد”، وتُردّد في أحد المقاطع: “وفتاكِ عبدُ الناصرِ بطلُ الكفاحِ الظافرِ، لم تعطِنا الدنيا سواه ولا نريد لها سواهْ”.

وعلى الرغم من أن أم كلثوم عاصرت الرئيس المصري أنور السادات إلا أنها لم تنل نفس المكانة في عهده، بسبب خلافها الشهير مع جيهان السادات التي حاولت إبعادها عن الأضواء واستبدالها بـ”ياسمين الخيام”، داعمةً الأخيرة لتكون “مطربة الرئيس”.

محمد عبد الوهاب

بعد تكريم الملك فاروق غريمته الأولى “أم كلثوم”، أراد “موسيقار الأجيال” أن ينال من الكرم الملكي حظاً، فلحّن وغنّى أغنية تحمل اسم “الفن” في عيد الفن، ذكر فيها اسم الملك بشكل مباشر: “والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه/ والفن مين شرّفه غير الفاروق”، لتنجح خطته ويُمنح لقب “البكوية”.

بالإضافة إلى ذلك، غنّى “الشباب” من كلمات صالح جودت بمناسبة جلوس الملك على العرش، وفي أحد مقاطعها: “من كتر غيرتي عليك في القلب خبيتك/ وقلت لك يا فاروق القلب ده بيتك”.

ومع وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة، غنّى عبد لوهاب للزعيم الجديد “ناصر كلنا بنحبك”، و”يا جمال النور والحرية”، كما شارك في أوبريت غنائي بصوته قال فيه: “ردينا عليك يا جمال وإيدينا في إيديك يا جمال/ وطلعنا معاك يا جمال نبني/ وياك يا جمال/ حيّوا معايا قولوا معايا/ عاش عبد الناصر عاش”.

وعلى الرغم من أنه لم يغنِّ للسادات، إلا أن عبد الوهاب لحّن نشيد “مصر السادات” الذي بثته الإذاعة المصرية عام 1976 احتفالاً بافتتاح قناة السويس، كما تقرر منحه رتبة لواء عسكري الفخرية.

ولم تقتصر “مدائح” عبد الوهاب على زعماء مصر، إنما غنّى قصيدة للشاعر أحمد شوقي تمدح ملك العراق فيصل في الثلاثينيات من القرن الماضي فيها: “ملك الشط والفراتين والبطحاء أعظم بفيصل والبلاد”.

كذلك، شدا بأغنية تحمل اسم “يا رفيع التاج” تمتدح الملك عبد العزيز آل سعود، بمناسبة استقبال الملك فاروق له في ميناء السويس عام 1946، وكانت أول أغنية تُذاع عبر أثير إذاعة السعودية، كما غنى للرئيس حافظ الأسد أنشودة “يجعلها عمار”.

عبد الحليم حافظ

عبد الحليم حافظ هو من أكثر المطربين الذين حملت أغانيهم اسم الرئيس جمال عبد الناصر. غنى “حكاية شعب”، من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان كمال الطويل، وفيها: “صرخة أطلقها جمال واحنا أمّمنا القنال”، وغنّى “إحنا الشعب”، من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل.

وعام 1958، غنى “يا جمال يا حبيب الملايين”، من كلمات إسماعيل الحبروك وألحان كمال الطويل؛ و”ناصر يا حرية”؛ وغيرها من الأغاني التي رصدها الباحث الموسيقي الدكتور نبيل حنفي محمود في كتابه “الغناء المصري/ أصوات وقضايا”، مؤكداً أن “العندليب الأسمر” طرح أكثر من 50 أغنية عن جمال عبد الناصر والثورة.

وبعد هزيمة 1967، توقف عبد الحليم عن الغناء إلى أن جاء نصر أكتوبر فعاد من جديد يدندن بالأغاني الوطنية وطرح “عاش اللي قال”، في إشارة إلى السادات، بسبب موقف الأخير الرافض لورود اسمه في أية أغنية وطنية، وهو قرار طُبّق على جميع الفنانين عدا المطرب سيد مكاوي الذي أهداه أغنية “تعيش يا سادات”.

ويسجّل حنفي في كتابه المذكور أن العندليب غنى لملك المغرب الحسن الثاني في 13 مناسبة، علاوة على أنه يعتقد أن أغنية “تهاني”، من كلمات محمد عبد الغني حسن وألحان عبد الحميد توفيق زكي، وأذيعت في الثالث من مايو عام 1951، تم تأليفها خصيصاً للاحتفال بعيد جلوس فاروق على العرش.

فريد الأطرش

لم تجمع بين فريد الأطرش وبين الملك فاروق علاقة ود بسبب تنافسهما على قلب الراقصة سامية جمال، إلى درجة أن الملك أمر بمنع إذاعة أغانيه في “الراديو”، وهو قرار لم ينتهِ إلا بعد ثورة الضباط الأحرار.

بين فاروق وعبد الناصر والسادات، والقذافي، والحسن الثاني، وحافظ الأسد، وملوك السعودية وغيرهم… ظهرت تناقضات كثيرة، لكنها لم تمنع عشراتُ المطربين الكبار من التغنّي بأمجاد أكثر من واحد منهم

شاركغردفي 17 سبتمبر 1944، كانت أم كلثوم تغنّي “ليلة العيد” في حفل، عندما دخل الملك فاروق بشكل مفاجئ. تفاعلت “الست” بسرعة مع الحدث وغيّرت في كلمات أغنيتها لتقول: “يعيش فاروق ويتهنى/ ونحيي لو ليالي العيد”

ارتبط “ملك العود” بعلاقات قوية مع عبد الناصر وغنى له أغنيتين حملت الأولى منهما اسم “يا مرحباً بك يا جمال” كتب كلماتها أنور عبد الله، ولحّنها بنفسه وغنّاها في عيد الثورة سنة 1964 بمصاحبة فايدة كامل وسعاد محمد وفجر.

كما غنّى الأطرش أغنية من كلمات مأمون الشناوي حملت اسم “حبيبنا يا ناصر”، وفي مطلعها: “حبيبنا يا ناصر يا أعز الحبايب بطل وانت حاضر وبطل وانت غايب، زعيمنا يا ناصر يا أغلى الرجال يا فاتح طريق مجدنا يا جمال”.

وعام 1955، كان الأردنيون على موعد مع زفاف الملك حسين من الأميرة دينا عبد الحميد، وطلب الملك الشاب من الأطرش الحضور إلى عمّان لإحياء حفل زواجه.

وبالفعل حضر الأطرش وغنى في الزفة الملكية كلمات للشاعر صالح جودت يقول فيها: “يا أغلى من أمانينا وأحلى من أغانينا/ يا زينة الدنيا يا دينا/ يا وردة في بحر حرة/ وتاج غالٍ وشعب أصيل/ دعانا هاتف البشرى/ وجينا من ضفاف النيل/ باسم الشعب والثورة نقدم لك تهانينا”.

وفي ذات الأغنية، لاحظ الأطرش حضور ملك العراق فيصل الثاني فحيّاه بمقطع ارتجالي قال له فيه: “يا دجلة أنا عطشان ما أقدر أرتوي/ من حسنك الفنان هيدا الفيصلي”.

وردة الجزائرية

تسببت أغنية غنّتها وردة على شرف الزعيم الليبي معمر القذافي، وكتبها نوري الحميدي، أمين الثقافة الليبية في ذلك الوقت، ولحّنها محمد حسن، وفيها: “الغلا إن زاد زيدك يا فاتح غلا/ والغلا إن زاد يزيدك يا معمر غلا”، في أزمة بينها وبين السادات الذي أمر بطردها من مصر، وتم منعها من الغناء في مصر لمدة ثلاث سنوات انتهت بالسماح لها بالمشاركة في أوبريت “إحنا الشعب” الذي أدته في حفل للقوات المسلحة، وصالحها السادات علناً أثناء غنائها، بعدما اعتذرت له مبررة ما فعلته بأنها لم يكن لديها “وعي سياسي كافٍ”.

قررت وردة التوقف عن الغناء لفترة لم تطل، فعادت بناءً على طلب الرئيس الجزائري الهواري بومدين، وغنّت عام 1972 في عيد الاستقلال العاشر للجزائر.

واشتهرت “الجزائرية” بلقب “مطربة مبارك” لكثرة ما غنّت له، فقالت بحقه: “بحب مبارك”، و”يا مبارك يا حبيب الشعب”، و”البطل ده من بلادي” وغير

ولكن عام 1997 ارتكبت خطأ جسيماً كلّفها منعها من الغناء مرة أخرى في مصر. فحينما كانت تحيي ذكرى احتفالات أكتوبر، قالت على الهواء مباشرة: “الريس بيقولكم زقفوا”، ووجهت كلامها إلى مبارك: “حتى سعادتك هتغني معايا… أنا هغني أغنية جالك يوم، ده مش أنت، لكن اسم الأغنية كده”. وقتها خرجت سوزان مبارك عن طورها، واعتبرت أن ما فعلته وردة إهانة لا تُغتفر، فتحركت لمنعها من الغناء.

“ليس عيباً”؟

يلتمس الناقد الفني طارق الشناوي العُذر للمطربين الذين غنّوا لأكثر من زعيم، معتبراً أن ذلك “ليس عيباً، ويجب ألا يخرج عن سياقه التاريخي”.

يشير الشناوي إلى أنه بعد ثورة يوليو كان عبد الناصر أول رئيس مصري، و”جرى دمج الوطن مع الرئيس، وكان الغناء له كأنه غناء للوطن، وهذه مراهقة غنائية بكل تأكيد”.

ويضيف لرصيف22 أنه بالعودة إلى أرشيف الإذاعة المصرية، “تجد عشرات الأغاني التي نافقت عبد الناصر، ليس لأم كلثوم وعبد الحليم فقط، بل لشادية، ونجاة، وفايزة أحمد، ومحرم فؤاد، وعبد المطلب، ومحمد الكحلاوي، قليل منها كانت صادقة في كلماتها، لذا لم يعش منها إلا 10%، أما البقية فدُفنت”.

ويتابع أن “الفنان العربي يبحث دوماً عن مظلة تحميه، لذا يحاول الاقتراب من الزعيم ويقيم علاقات وثيقة مع أولاده والمقرّبين منه”.

ويلفت إلى وقوع مفارقات بسبب محاولات التقرّب من الزعماء مثل ما يُقال عن أن سوزان مبارك امتعضت من غناء وردة الجزائرية لمبارك باسمه، وما يُقال عن غضب جيهان السادات من شريفة فاضل عندما غنّت “أسمر يا سمارة يا أبو دم خفيف/ حبيتك يا سمارة وأنا قلبي خفيف”، لأنها اعتبرتها غزلاً بالسادات.

أعمال لا تُحصى

تبقى محاولات حصر الأغاني التي قُدّمت للقادة العرب مستحيلة، ويعلق في أذهان الناس بعضها وينسى آخرون غيرها مثل غناء “القيصر” كاظم الساهر في بداية حياته للرئيس العراقي صدام حسين “هلا يالناذر عمره”، الأمر الذي كلفه منعه من الغناء في الكويت حتى هذه اللحظة.

كذلك، قال سعدون جابر لصدام حسين: “تهنّن يا خوات صدام، يا ساري بينا للمعالي”.

وغنّى لحافظ الأسد هاني شاكر في “جنة المواعيد”، وسميرة سعيد ونجوى كرم في “أبو باسل قائدنا”، ووديع الصافي في “ظلك يا أسد عالوطن حافظ/ لأنك غدر هالإيام حافظ”…