الأربعاء: 19 سبتمبر، 2018 - 08 محرم 1440 - 08:51 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 29 يناير، 2018

إبراهيم عيد

في العقود الأولى من القرن الماضي، اندلعت معركة مثلثة الأطراف بين الطربوش والعمامة والقبعة، ما لبثت أن تحوّلت إلى حرب ضروس. بدأ الصراع بين الطربوش والعمامة وسرعان ما دخلت القبعة إلى الحلبة لتطيح بالطربوش عن عرشه، قبل أن تهدأ الأوضاع ويهيمن الأخير على مشهد الرؤوس.

شغلت قضية غطاء الرأس المصريين في عشرينيات القرن الماضي فأجهدوا فكرهم في حل مسألة تحوّلت إلى معضلة قومية.

ظل سعد زغلول يرتدي العمامة حتى عمل في تحرير مجلة الوقائع المصرية مرتدياً الطربوش عام 1880. وحين كان طه حسين على متن الباخرة متجهاً إلى باريس عام 1914، خلع عمامته ملقياً بها في البحر ليبدأ رحلته مع الثقافة الأوروبية.

كان لهذين الموقفين أبلغ الأثر في تحريك وجدان طلاب مدرسة دار العلوم لارتداء الطربوش حتى يكونوا في زمرة المتمدنين، حسبما تقول سناء البيسي في مقال بصحيفة الأهرام.

العمامة VS الطربوش

دار العلوم هي مدرسة نظامية شيّدها علي مبارك في حي السيدة زينب عام 1872، وكانت تجمع بين ما في الطرق الأزهرية القديمة وبين الاهتمام بتقوية الملكات العلمية.

بدأت حلقات العلم في المدرسة بـ32 تلميذاً راح عددهم يتزايد يوماً تلو الآخر. وكان كبار الأساتذة المصريين يتولون مسؤولية تعليم طلابها، وهم طلاب دراسات عليا، حسبما روى الدكتور حامد طاهر في كتابه “دار العلوم: رائعة علي مبارك”.

كان لباس الطلاب يقتصر على العمامة والجبة والقفطان، أكانوا من طلاب دار العلوم أو من طلاب الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي، وهو نفس لباس رجال الدين المسلمين، بحسب رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة القاهرة، المؤرخ محمد عفيفي.

وفي بدايات صيف عام 1925، خرج الطلاب في مسيرة من أبواب دار العلوم، طالبوا فيها بخلع العمامة الأزهرية وارتداء الزي الإفرنجي (الطربوش والبدلة)، سائرين على درب الفتى طه حسين والزعيم سعد زغلول، حسبما يروي الكاتب جمال بدوي في كتابه “شاهد عيان على الحياة المصرية”.

هيئة التدريس بدار العلوم عام 1897 من كتاب تقويم دار العلوم لمحمد عبدالجواد

إزاء ذلك، تدخّلت وزارة المعارف لحسم الجدل وألزمت الطلاب بارتداء العمامة مبررة قرارها بـ”أن هذا زيهم من قديم الزمان وأصبحوا معروفين به فلا يصح تغييره”.

وقال شيخ الأزهر للطلاب الذين قاموا بزيارته بأسلوب وعيد: إن لم تعودوا إلى زيكم الأصلي سأكون مضطراً لإخراجكم من المدرسة واستبدال الأزهريين بكم، حسبما يروي المؤرخ يونان لبيب في مقال بجريدة الأهرام.

الاصطدام بالعمامة في ليلة العرس

حينما توهجت شعلة الصراع بين الطلبة ووزارة المعارف، وقف رواد الصحافيين مع الطلاب المطالبين بارتداء الطربوش والمطالبين بخلع العمامة، وعلى رأسهم رئيس تحرير “المصور” فكري أباظة.

أباظة نشر مقالاً في مجلة “المصوّر” قال فيه إنه سمع من أهل العلم أن العمامة ترجع إلى أصل يهودي، مشيراً إلى أن لهيب الحرب سيمتد إلى الأرياف وقراها وتصل العدوى من دار العلوم إلى القضاء الشرعي فالأزهر، وتساءل: مَن من الآنسات الرقيقات تقبل أن تصطدم ليلة العرس بالعمامة؟

 

بدأ الطلبة يجمعون الآراء الفقهية لإثبات أن الزي ليس من جوهر الدين. وناصرتهم فتوى وكيل الأزهر حينذاك محمد شاكر والتي جاء فيها: “الدين الإسلامي لا يطلب إلا ما يستر العورة”، يروي بدوي.

وهاجمت جريدة كوكب الشرق وزير المعارف حينذاك علي ماهر، وقالت إنه ميت في دباديب العمة وتساءلت: لماذا لا يخلع طربوشه ويلبس العمة أسوة بطلاب دار العلوم؟

ومع بداية عام 1926، لجأ طلاب دار العلوم إلى حيلة لدخول المدرسة بالزي الإفرنجي. ارتدت أغلبيتهم الزي التقليدي فوق الإفرنجي وحين دخلوا خلعوه. فوجئت المدرسة بذلك وفصلت 600 طالب في مقابل 100 طالب لم يشاركوا في الحركة وبقوا مرتدين زيهم التقليدي.

مع أعضاء هيئة التدريس في دار العلوم

احتشد الطلاب أمام سراي وزارة المعارف وأعلنوا رفضهم قرارات الفصل. واضطرت إدارة المدرسة بعد ذلك إلى الموافقة على ارتداء الزي الإفرنجي وسميت هذه الحركة “معركة تغيير الزي”، بحسب طاهر.

إذا تنقلت نظرات عينيك في شوارع مصر وقتذاك، كنت ستجد موظفي الهيئات الحكومية والوزير والحكمدار (رئيس الشرطة بالمحافظة) والضابط يرتدون الطربوش والبدلة (الزي الإفرنجي). وهذا ما جعل طلبة دار العلوم ينظرون إلى العمامة نظرة يسودها اعتبارها عقبة في طريقهم الوظيفي، حسبما روى فكري أباظة في مقال نشر في مجلة “المصور” تحت عنوان “الحرب الطاحنة”.

العمامة كيان الرجل

العمامة موروث ثقافي عند العرب. منذ العصر الجاهلي، حملت بين خيوطها المنسوجة الكثير من معاني التبجيل والهيبة، وزيّنت رؤوس أصحاب الجاه والنفوذ عند العرب. وفي العصر العباسي، استعملها الرجال من كل الطبقات، لكن كل طبقة كانت تعتمر عمامة بشكل ونوعية معينة، تقول الدكتورة أهداب حسني في كتابها “العمامة العثمانية في تركيا ومصر”.

وظهرت مقولة شهيرة عند العرب: “إذا أهينت العمامة لحق الذل بصاحبها”. وتعددت أسماء وأشكال وألوان العمامة على مر العصور.

نجيب الريحاني بالطربوش

طربوش الريحاني

الطربوش الذي صرخ فيلسوف الضحك، الممثل الكوميدي نجيب الريحاني، من أجل استرداده في فيلم “غزل البنات” حينما كان ملقى على الأرض، في مشهد يمثل استعادته لكرامته المهدورة وهو في أوج لحظات الامتهان، كان قديماً قلنسوة طويلة ضخمة تشبه التاج مثلث الشكل ويلبسه الأمراء والوزراء.

وحين أباد السلطان محمود الثاني الإنكشاريين عام 1826، جعل الطربوش لباس الرأس الرئيسي لعامة الشعب واقتفى المصريون خطوات الأتراك، وأمر محمد علي الضباط والموظفين وأعيان الدولة بارتدائه.

لم يكن الطربوش مجرد خيوط منسوجة من الصوف أو الخوص المُحاك لحماية رؤوس المصريين من الشمس أو الهواء العليل بل كان يدلّ على المكانة الاجتماعية والفكرية للمطربشين. وكانت ألوانه تتدرّج من الأحمر الفاتح إلى الغامق، وتتدلى من جانبه الخلفي خيوط حريرية يغلب عليها اللون الأسود، تروي الدكتورة أهداب حسني.

قبعة عزمي

البرلماني المعارض محمود عزمي الذي رأس وفد مصر في منظمة الأمم المتحدة عام 1952، كان من أنصار الثقافة الأوروبية. وفي مطلع شهر يوليو 1925، أخذ يتجوّل في شوارع القاهرة ويخبر أصدقاءه بأنه سيرتدي القبعة، تجنباً لعنصر المفاجأة ولتشجيعهم على حذو حذوه، يروي يونان لبيب رزق.

ثم قصد عزمي بائع القبعات عازماً على تنفيذ هذه الخطوة، ولكن تباطأت سرعة خطواته حينما اقترب من الحَانوتُ وتراجع عن شراء القبعة، متهماً نفسه بـ”الجبن”، حسبما جاء في كتاب شاهد عيان على الحياة المصرية.

القبعة VS الطربوش

مع بدايات القرن العشرين، كانت القبعة تعلو رؤوس الأوروبيين. لم يكن أحد في مصر يرتديها وقتذاك. وفي 22 فبراير 1926 ثار طلاب مدرستي الحقوق (كلية الحقوق في جامعة القاهرة حالياً) والمعلمين العليا لاستبدال الطربوش بالقبعة تشبهاً بأتاتورك الذي فرض القبعة على الشعب بالإجبار في نوفمبر 1925، بحسب يونان لبيب رزق.

وفي 2 مارس 1926، اجتمع أعضاء اللجنة التنفيذية للطلاب المطربشين مع وفد من طلاب أتراك أتوا لزيارة مصر مرتدين القبعة في فندق شبرد بالقاهرة. التقط مصوّر الأهرام صورة لهم وظهر الفارق الشاسع بين المطربشين والمقبعين. ومن هنا دعا رئيس اللجنة إلى “ثورة” لارتداء القبعة، واشتدت رحى الصراع ودخلت القبعة ساحة المعركة كطرف ثالث.

الطربوش ضار بالصحة

تدخلت “جمعية الأطباء” وأصدرت “فتوى طبية” في 2 يوليو 1926 تنص على أن الطربوش لباس غير صحي وأن للباس الصحي شروطاً تتوفر في القبعة. تجنبت الرابطة الشرقية، وهي مؤسسة نشأت بهدف توثيق الروابط بين الدول العربية والإسلامية وتكوّنت من كبار العلماء وترأسها نقيب الأشراف عبد الحميد البكري حينذاك، إصدار فتوى حتى لا تتهم بالمروق.

وكان البرلماني والكاتب محمود عزمي أول من عمل بقرار هيئة كبار الأطباء وارتدى القبعة في 3 يوليو 1926، حسبما ذكر المؤرخ محمد محمد حسين في كتابه “الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر”.

مجلة المصور في يوليو 1926

واعتبر النائب الوفدي حسن يس أن القبعة التي راح يرتديها طلاب المدارس العليا بدعة وفتنة كما هاجمها الأزهر وأصدر شيوخ معهد طنطا بياناً نشرته الصحف المصرية تحت عنوان “إلى عموم المسلمين” قالوا فيه إن لبس القبعة حرام باتفاق جميع المذاهب وخروج على السنّة ويُحرّم على المسلم لبس الزى الخاص بالكفار”، كما ورد في كتاب “شاهد عيان على الحياة المصرية”.

وفي هذا الخضمّ، أعلنت مجلة الكشكول أن مقاومة الحكومة للطربوش في دار علوم والقبعة في المدارس العليا  ليس مصدرها علي ماهر باشا بل يقف وراءها القصر الملكي.

القبعة بدعة وفتنة

استطلعت مجلة الهلال رأي اثنين من كبار الكتاب أحدهما يدافع عن الطربوش وهو الأديب مصطفى صادق الرافعي والآخر يناضل من أجل القبعة وهو الكاتب محمود عزمي.

واعتبر الرافعي أن القبعة مظهر من مظاهر التحلل الاجتماعي وأن الذين لبسوها لم يلبسوها إلا من زمن قريب بعد أن تهتكت الأخلاق الشرقية الكريمة، حسبما ورد في كتاب “شاهد عيان على الحياة المصرية”.

أما الدكتور عزمي، فأوضح أن مصر بلاد مشمسة والطربوش لا يصد الشمس، وأن نسيجه نفسه يمنع الهواء من الدخول إلى رأس الإنسان، مؤكداً أن الطربوش ليس رداءً قومياً.

وأعلن الأطباء عن مسابقة لاختراع أشكال من لباس الرأس تمزج بين القبعة والطربوش والعمامة حتى تهدأ الحالة العامة.

واخترع الأديب شعبان أفندي زكي نموذجاً للطربوش مقتبساً من لباس الرأس الفرعوني والعربي والإفرنجي. كما ابتكر حنا أفندي مارون طربوشاً آخر له رفرف لحماية الرأس من الشمس، حسبما ذكر المصدر السابق.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، انطفأت شعلة الصراع وخرجت القبعة رويداً رويداً خارج المعركة وأصبحت مقتصرة على الفئات الاجتماعية العالية.

طربوش على اللحم

يوضح المؤرخ عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، أن رؤوس عامة الناس كان يعلوها الطربوش أو العمامة كنوع من الوقار ولكن أصبح ذلك سراباً، وتوارى الطربوش و أحيته الأفلام لتحاكي بدايات القرن الماضي.

وبحسب مذكرات نجيب الريحاني، فإن دلالات وضع الطربوش يشرحها فيلسوف الضحك وهو يتلاعب بالزر أمام الراقصة وعلى رأسه طربوش مراكشي في ملهى “الأبيه دي روز”. فإذا انسدل إلى الأمام يعكس مظهر المهابة، وإذا طوح للخلف يدل على الاستهتار بمَن تتحدث معه، أما في حال غطّى الحاجبين فيدل على مدى الانبساط.

ويحكي أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر، المؤرخ محمود زايد، أن الطربوش كان موضعاً للسخرية بين المُطربين والشعراء. فقد مازحت أم كلثوم شخصاً جاء متأخراً في إحدى البروفات بقولها له: “أنت الليلة لابس الطربوش سواريه؟”. بينما لاطف الشاعر إبراهيم ناجي، في جلسة مع بعض الأدباء، شخصاً صمم على ارتداء الطربوش رغم حرارة الجو بقوله له: “سيبه يمكن لابس الطربوش على اللحم”.

وفي جنازة الملك فؤاد، ازدحم شارع الجمهورية بخطوات المطربشين لينتج مشهداً يشبه سجادة حمراء تتحرك أعلى الرؤوس، يستطرد الدسوقي.

جنازة الملك فؤاد

ولكن حالياً، حسبما يوضح الدكتور محمود زايد، فإن لباس العمامة الارستقراطي انحسر وصار يقتصر على وعاظ وزارة الأوقاف.

وعبّر بعض المصريين عن ضجرهم من المعارك بين العمامة والطربوش والقبعة، وأرسل أحد القراء رسالة مقتضبة إلى مجلة “المصور” جاء فيها: “ألم توجد قضية تشغل المفكرين غير لباس الرأس تنفع المجتمع؟”.

وفي النهاية، بعد ثورة 1952، تمرّد الجميع على أغطية الرأس فى صورة تنم عن التحرر من “قيود الرجعية”. أصبحت الرؤوس حاسرة عقب إعلان الجمهورية وقرار عبد الناصر إلغاء كل ما يتعلق بالملكية، يوضح الدسوقي.