الأثنين: 23 سبتمبر، 2019 - 23 محرم 1441 - 01:12 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 12 سبتمبر، 2019

عواجل برس / بغداد

“بيرم التونسي” شاعر مصري ذو أصول تونسية، اسمه “محمود محمد مصطفى بيرم الحريري”، ويُعد من أشهر شعراء العامية المصرية .

حياته..

ولد “بيرم التونسي” في  23 مارس 1893، لعائلة تونسية كانت تعيش في مدينة الإسكندرية، بحي السيالة. مات أبوه الذي لم يترك غير المنزل الذي يعيشون فيه، ونتيجة لذلك انقطع “بيرم” عن الدراسة وهو في الثانية عشرة من عمره، واضطر للالتحاق كصبي في محل بقالة، حيث أصبح رجل البيت، إلا أنه لم يستمر في هذا العمل حيث طُرد منه. تزوجت أمه، والتحق “بيرم” بالعمل مع زوج أمه في عمله الشاق وكان يعمل بصناعة هوادج الجمال. ثم توفيت أمه عام 1910.

قرر “بيرم” الزواج وهو في السابعة عشر خاصة بعدما ماتت أمه. فكلف شقيقته الكبرى للبحث له عن زوجة من أسرة محافظة في الحي، ووجدتها في ابنة تاجر عطارة، وتم الزواج وعاش معها في حجرة في بيت أبيها. ولكن أغلق بيرم محل البقالة الذي كان قد فتحه قبل الزواج، وأفلس، فلم يستسلم لذلك، فباع المنزل الذي تركه له أبوه، وعمل في تجارة السمن من ثمن المنزل واشترى بباقي النقود بيتا صغيرا في الأنفوشي. وماتت الزوجة بعد ست سنوات زواج تاركة له ولدا وبنتا. ولم يجد طريقا سوى الزواج مرة ثانية.

كاد “بيرم” أن يقنع تماما بعمله الجديد، لولا أنه فوجئ ذات يوم بالمجلس البلدي في الإسكندرية، وهو يحجز على بيته الجديد، ويطالبه بمبلغ كبير كعوائد عن سنوات لا يعلم عنها شيئا. اغتاظ “بيرم”، وقرر أن يرفع راية العصيان ضد المجلس البلدي بقصيدة وتدل على نبرة السخرية والنقد التي بدأ بها “بيرم” حياته كشاعر ساخر.

نشرت القصيدة كاملة بجريدة «الأهالي» وفي الصفحة الأولى، وكانت أول قصيدة تُنشر ل”بيرم”، وقد طُبع من العدد الذي نشرت فيه أربعة آلاف نسخة، وكانت النسخة تباع بخمسة مليمات، وأحدث نشرها دويا فلم يعد في الإسكندرية من لم يتكلم عنها، أو يحفظها أو يرددها، كما طلب موظفو المجلس البلدي ترجمتها إلي اللغات الأجنبية ليستطيعوا فهمها، فقد كانوا جميعاً من الأجانب. ويقول بيرم: “لم اكتف بنشرها في الصحيفة، بل أصدرت كتيبا يتضمنها، بعته بخمسة مليمات للنسخة الواحدة، فراج رواجا عظيما وطبعت منه مائة ألف نسخة، وهكذا وجهني القدر إلى مهنة الأدب وسيلة للرزق، ثم دأبت على إصدار كتيبات صغيرة بها مختلف الانتقادات الاجتماعية».

بدأ “بيرم” بعد هذه القصيدة يتجه إلى الأدب فترك التجارة واهتم بتأليف الشعر، إلا أنه أدرك بعد فترة أن الشعر وسيلة محدودة الانتشار بين شعب 95 في المائة منه لا يقرأون فاتجه إلى الزجل، ليقرب أفكاره إلى أذهان الغالبية العظمى من المصريين. وكانت أزجاله الأولى مليئة بالدعابة والنقد الصريح الذي يستهدف العلاج السريع لعيوب المجتمع، وكان يعتمد في لقطاته الزجلية على السرد القصصي، ليصور العلاقات الزوجية، ومشكلات الطلاق، والعادات الاجتماعية الموجودة آنذاك، مثل حفلات الولادة والطهور والزار.

سيد درويش..

يروي “بيرم” قصة لقائه بسيد درويش فيقول: «لازمت الشيخ سيد درويش وألفت له رواية شهرزاد بعيدا عن النشاط السياسي، وتم عرضها بعد رحيلي الأول منفيا إلى الخارج، وكان الاسم الذي اقترحناه للرواية هو «شهوزاد» إشارة إلى شهوات العائلة الحاكمة ولكن الرقابة منعت ذلك الاسم فعدلته»  وكان سيد درويش قد طلب من “بيرم” أن يؤلف له أوبريت يُلهب الحماسة في نفوس المصريين، ويدفعهم لمناهضة الاحتلال. فيقول لبيرم: «دائما حجة الإنجليز أمام العالم لتبرير استعبادنا أننا شعب ضعيف لا يستطيع حكم نفسه وأننا بحاجة إلى حماية مستمرة، وعلشان كده أنا شايف إن الأوبريت من أولها إلى آخرها لازم يكون فيها تمجيد للإنسان المصري».

فقام “بيرم” بتأليف “شهرزاد” للشيخ “سيد”، وأحداث هذا الأوبريت مقتبسة عن أوبريت «دوقة جيرولستين الكبيرة» للكاتبين الفرنسيين: “ميلهاك وهاليفي”.  ويأتي في هذا الأوبريت أروع ما قيل عن الشعب المصري.

المنفى..

صدر الأمر بإبعاد “بيرم التونسي” من مصر، ونفيه إلى وطن أجداده في تونس يوم 25 أغسطس عام 1920، في يوم كان الاحتفال بعيد الأضحى. وكان سبب الإبعاد غضب الملك فؤاد عليه بسبب قصيدته «البامية الملوكي والقرع السلطاني»، وبتوصية من زوج الأميرة فوقية ابنة الملك فؤاد حيث هاجمه في مقال تحت عنوان «لعنة الله على المحافظ» حيث كان آنذاك محافظًا للقاهرة. وما إن وصل تونس حتى بحث عن أهل أبيه، ولكنهم طردوه ولم يساعدوه. وحاول الاتصال ببعض الكتاب التونسيين للاشتراك معهم في إصدار صحيفة، ولكن الإدارة التونسية كانت تضعه تحت المراقبة منذ وصوله، باعتباره مشاغبا، ولأن الدعاية التي أحاطته منذ وصوله أنه ينتمي إلى عائلة أصلها تركي وأنه كان أحد الثائرين في مصر ضد انجلترا، فقد جعلت تلك الدعاية حينما يعود من جولته اليومية إلى الفندق الذي ينزل فيه يقول مديره للخدم: «أعطو التركي مفتاح غرفته عشان يرقد»، ولهذا كله لم يستطع ممارسة أي نشاط صحفي أو سياسي طوال فترة إقامته، وسمحوا له بالأعمال التي تحتاج قوة جسمانية، فاشتغل في بعض المحلات التجارية، ثم اكتشف أن البوليس بدأ يضيق الخناق عليه، ويتتبعه في كل مكان يذهب إليه، فقرر الرحيل من تونس بعد أربعة أشهر.

سافر إلى فرنسا وما إن وصل إلى ميناء مارسيليا الذي لم يحتمل المكوث فيه أكثر من ثلاثة أيام، انتقل بعدها إلى باريس التي شعر فيها بقسوة الغربة ولسعة البرد الشديد.

فشل “بيرم” في الحصول على عمل في باريس، فنصحه بعض المغتربين بالسفر إلى مدينة ليون، التي وصفها في مذكراته قبل وفاته بقوله: “سعيت بنفسي إلى مدينة صناعة الصلب في فرنسا، تلك المدينة التي لأهلها قلوب مثل الصلب لا تعرف الرحمة أو الشفقة، وهي أيضا مدينة مشهورة عند الفرنسيين أنفسهم بأنها مدينة معتمة.. وصلت لهذه المدينة في عز الشتاء ولأن جيوبي كانت شبه خاوية فقد أخذت المسألة من أقصر طرقها، وذهبت إلى أفقر أحيائها، واستأجرت فوق سطوح أحد المنازل شيئاً يسمونه حجرة، كانت من الخشب الذي حولته مياه الأمطار إلى مكان له رائحة من نوع خاص، إنها رائحة قريبة من العفن، وداخل تلك الثلاجة كنت أنام الليالي القاسية البرودة، وفي النهار كنت أسعى مع الفجر في البحث عن عمل قبل أن يتبخر آخر مليم في جيبي”.

لا يستطيع “بيرم” أن يواصل تلك الحياة القاسية، ولهذا يبدأ في البحث عن طريقة تساعده في العودة إلى مصر. فلجأ إلى اختصار اسمه في جواز السفر الجديد الذي كان يحمل ختم القنصلية البريطانية، واستطاع بهذا الجواز أن يصعد إلى السفينة، وينزل في ميناء بورسعيد، وذلك في يوم 27 مارس عام 1922. ويتجه فوراً إلى الإسكندرية، إلى حي الأنفوشي، متخيلًا اللحظة التي سيلتقي فيها بزوجته، ويأخذ بين يديه مولودهما الذي لم يتعرف على ملامحه بعد، فقد ترك زوجته الجديدة وهي حامل. وما إن وصل إلى حي الأنفوشي حتى علم أن زوجته وضعت طفلة اسمها عايدة، وأنها طلبت الطلاق في فترة غيابه، وحصلت عليه بعد أن أثبتت أن زوجها مغضوب عليه، وليس هناك أي أمل في عودته للبلاد.

كان الوضع السياسي مُلتبس في هذه الأثناء، وسلطات الاحتلال تقمع أي معارضة، وتم نفي سعد زغلول للمرة الثانية. التقي “بيرم” بعبد العزيز الصدر صاحب جريدة «الشباب»، واتفق معه أن يرسل للجريدة كل أسبوع معظم مواد العدد، بشرط ألا يضع اسمه على الأزجال السياسية. وواصل “بيرم” كتابة الأزجال السياسية التي ليست فقط بها نقد للحكم بل تتخطى ذلك بكثير، وأدى تعقد الأحوال السياسية وتشابكها آنذاك، وانشغال القصر بالصراعات مع المعارضة إلى اطمئنان “بيرم” وإلى تماديه في كتابة أزجاله التي تترجم إحساسه بالضيق والثورة. استمر وجوده في مصر لمدة 14 شهرا، وتم اكتشاف أمر دخوله مصر متسللا، وتم القبض عليه للمرة الثانية، ووضع يوم 25 مايو عام 1923 على ظهر أول سفينة تغادر البلاد إلى فرنسا.

قابل “بيرم” “عزيز عيد” في فرنسا، وطلب “عزيز” منه أن يؤلف له مسرحية في مقابل عشرين جنيها كمقدم، وتكون أحداث هذه المسرحية مقتبسة من نص أجنبي، ثم سأله “بيرم” عن الطريقة التي يستطيع بها العودة إلى مصر، لأنه لم يترك وزيرا أو شخصية مهمة حضرت إلى فرنسا دون أن يقابلها، ولكن دون جدوى. وقال “عزيز” ل”بيرم”: إنه من جانبه سيحاول أن يثير مشكلته مع كل مسئول يأتي إلى مسرحه. ووجد “بيرم” الرواية الأجنبية في رواية تسمى «لو كنت ملكاً»، وبدأ في تمصيرها وسماها «ليلة من ألف ليلة»،  ونجحت نجاحا مبهرا. وصل خطاب ل”بيرم” من “عزيز عيد” أخبره فيه بأن يتفرغ لكتابة المسرحيات لفرقته وإرسالها إليه، وأنه سيمده باستمرار بالنقود بدون انقطاع، وأنه سيترك له حرية اختيار الأفكار دون تدخل من جانبه.

مرت تسع سنوات قضاها في فرنسا بعد نفيه من مصر للمرة الثانية، لا ينقطع فيها “بيرم” رغم الألم النفسي والجسدي الذي عاناه من الانقطاع عن تأليف أبدع الأزجال التي كان يرسلها إلى الصحف وناشري الكتب بصفة مستمرة، ولم يمنعه من مواصلة الكتابة سوى خروج الصحف الفرنسية ذات يوم وبها إنذار يطالب الأجانب بالاستعداد لمغادرة البلاد والعودة إلى أوطانهم فورا ويُرحل بعد ذلك من فرنسا لتونس ومن تونس لسوريا ومن سوريا يوضع على ظهر سفينة لنفيه لأي دولة في شمال أفريقيا، واستطاع أثناء ترحيله أن يهرب عن طريق أحد البحارة المصريين وينزل بورسعيد هاربًا، خشية أن يراه أحد، وكان وصول “بيرم” إلى مصر في اللحظات التي صاحبت انتخابات البرلمان الجديد، في 8 أبريل عام 1938. ويبدأ “بيرم” في مصر حياة من الهروب والخوف التي كان يعيشها خشية أن يكتشف أحد أمره فيتم نفيه من مصر مرة أخرى. ويطلب من زوج ابنته أن يذهب إلى جريدة الأهرام، ويقابل صديقا من المعجبين به ويعطيه خطابا مهما. وكان هذا الصديق هو الصحفي”كامل الشناوي”، يقول فيه:

“غلبت أقطع تذاكر وشبعت يارب غربة”، ويطلب في هذا الخطاب من “كامل الشناوي” أن ينشره له.. ويتصل “كامل الشناوي” ب”أنطون الجميل “رئيس تحرير الأهرام ويروي له قصة هذا الخطاب فيفاجأ برئيس التحرير نفسه وهو يقول له: أن محمد محمود رئيس الوزراء ومحمود فهمي النقراشي وزير الداخلية، وأحمد حسانين الأمين الأول في القصر، من أشد المعجبين ب”بيرم”، وقد سمعت منهم بعض أزجاله وسأتصل بهم وأستأذنهم في نشر هذا الزجل، وبعد ساعتين استدعى “أنطون الجميل” “كامل الشناوي” وقال له: “مبروك انشر الزجل في الصفحة الأولى. وكانت هذه أول مرة ينشر فيها الأهرام زجلا في الصفحة الأولى.. وقدم هذا الزجل كامل الشناوي بقوله: إنهم تلقوا هذا الزجل من مجهول وهو بخط بيرم التونسي، وطلب في هذا التقديم العفو عن صاحب الزجل خاصة وأن زجله ملئ بالاستعطاف، وما أن نشر هذا الزجل حتى أصدر وزير الداخلية أمرًا بتجاهل وجود “بيرم” في مصر.

وقامت ثورة 1952 في مصر ففرح بها وأيدها وقال فيها الأشعار والأزجال. وفي عام 1954 حصل “بيرم” على الجنسية المصرية.

دخل المجال الفني فألف الكثير من الأغاني والمسرحيات الغنائية فتعامل مع “أم كلثوم”، و”فريد الأطرش”، و”أسمهان”، و”محمد الكحلاوي”، و”شادية”، و”نور الهدى”، و”محمد فوزي”، كما قدم العديد من الأعمال الإذاعية. ومنحه جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية عن جهوده في الأدب والفن عام 1960.

كان لقاء “بيرم التونسي” و”أم كلثوم” نقطة تحول كبرى في حياة الشاعر الكبير، فقد كوّن معها و”زكريا أحمد” ثلاثيا حقّق نجاحا ساحقا، وأصبحت مصر كلها تتغنى بكلمات “بيرم”، في أغنيات باتت علامات مهمّة في مسيرة الطرب العربي: “الأولة في الغرام”، و”أنا في انتظارك”، و”حبيبي يسعد أوقاته”، و”حلم”، و”الأمل”، و”غني لي شوي شوي”، و”الورد جميل”.

وفاته..

توفى “بيرم التونسي” في مايو 1961، بعد معاناة مع مرض الربو، تاركا للأجيال التالية إرثًا كبيًرا من الأزجال والقصائد والمسرحيات، وتجربة عريضة مليئة بالدروس، خاصة في مجال النضال الاجتماعي من أجل الوطن، مما جعله يستحق عن جدارة لقب فنان الشعب، وشاعر العامية، وهرم الزجل.

قصيدتين لبيرم التونسي..

قصيدة عتاب..

ليه أمشى حافي، وأنا منبت مراكيبكم

ليه فرشي عريان، وأنا منجّد مراتبكم

ليه بيتي خربان، وأنا نجّار دواليبكم

هي كده قسمتي؟

الله يحاسبكم!

ساكنين علالى العتب، وأنا اللي بانيها

فارشين مفارش قصب، ناسج حواشيها

قانيين سواقى دهب، وأنا اللي أدور فيها

يارب ماهوش حسد

لكن بعاتبكم

من الصباح للمسا، والمطرقه فيدى

صابر على دى الاسا ! حتى نهار عيدي

ابن السبيل انكسى، واسحب هرابيدى

تتعروا من مشيتى

وأخجل أخاطبكم

ليه تهدموني وأنا اللي عزكم باني

أنا اللي فوق جسمكم قطني وكتاني

عيلتي في يوم دفنتي مالقيتش أكفاني

حتى الاسيّه وانا راحل وسايبكم؟

  • صفحات