الثلاثاء: 27 يوليو، 2021 - 17 ذو الحجة 1442 - 11:53 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 14 فبراير، 2017

عواجل برس

حيدر ناشي آل دبس
استطاع الشعر العراقي طوال تاريخه التعبير عن معاناة وآلام شعبه، وبرز لدينا العديد من الشعراء الفحول الذين أثروا الشعر العربي بنتاجاتهم. ولغرض تسليط الضوء على مكانة الشعر العراقي عند الشعراء العرب التقت عواجل برس عدداً من الشعراء العرب الموجودين في المربد وطرحت عليهم أسئلة بشأن واقع الشعر العراقي.

التواصل العربي
سألنا الشاعر الليبي عبد الحفيظ العابد:


* لظروف يعلمها الجميع انقطع التواصل بين الشعراء العرب والشعراء العراقيين، هل خلق هذا الانقطاع فجوة في سيرورة الشعر العربي ومكانته في المجتمعات العربية؟
– إنّ انقطاع الشعر العراقي عن محيطه العربي، فرضية تعوزها الأدلة؛ ذلك أنّ عزلة الشعراء لا تستدعي بالضرورة عزلة نصوصهم الشعرية التي يظلّ في وسعها ممارسة هجرتها الأبدية، لتُسهم في ابتناء نصوص لاحقة. فالنص، بوصفه كياناً لغوياً، عصيّ عن الاعتقال.
إنّ زحزحة الشعر عن عرشه، بعد أنْ كان حاكم لا شريك له، لصالح أنواع أخرى منها الرواية، هي حالة عامة يمكن تعميمها على المشهد الشعري العربي والعالمي، من هنا يبدو لي أنّ الفجوة بين القارئ والنص الشعري نفسه، وهي فجوة انبثقت منذ أبي تمّام عندما سُئل (لماذا لا تقول ما يُفهم؟ فأجاب : لماذا لا تفهمون ما يُقال؟)، اذ طرح الشعر المحدَث إشكاليّة تلقيّه، لأنه قطع أفق انتظار المتلقين، وشكّل انزياحاً عن الذائقة الجمعية آنذاك، فلم يعد من الممكن تأويله بالنصوص السابقة، لأنّ الشعر تخلّى عن كونه فنّاً شعبيّاً، وأضحى، على النقيض من ذلك، فنّاً نخبوياً بامتياز.
إنّ انقطاع التواصل بين الشعراء العراقيين والشعراء العرب بوصفهم شخوصاً، وإنْ حدث، لا يعني انقطاع التواصل بين ذواتهم الشاعرة، ونتاجاتهم الشعرية في عصر نشهد فيه هيمنة النصوص الرقمية، والنشر الإلكتروني، وهو ما أسهم إلى حدّ كبير في إلغاء ثنائية المركز والمحيط الشعريين، لنكون إزاء مشهد شعري تفاعلي، يتكوّن من مراكز شعرية قديمة معروفة ومنها العراق، ومن مراكز جديدة لم يكن لها دور فاعل من قبل، من هنا يمكن القول إنّ انقطاع التواصل الحقيقي هو بين القارئ والشعر، إذ في حين أعاد النص الشعري تموضع نفسه مرات متعدّدة ناشداً الجِدّة، حافظ القارئ على خبراته القديمة بالنص.

الأزمات وتأثيرها
وتوجهنا بالسؤال الآتي إلى الشاعر المصري السعيد عبد الكريم


* مرّ العراق بظروف استثنائية، من حروب خارجية وداخلية وحصار اقتصادي واحتلال بشع، مضافاً الى ذلك طبيعة حكامه الذين أوغلوا في ظلم شعبه، هل تعتقد ان هذه الازمات المتلاحقة اثرت على نوعية النتاج الشعري العراقي؟
– من المعاناة الحقيقية يولد الشعر، والمعاناة تجعل النفوس تساق إلى هدفٍ سامٍ ترغب في تحقيقه، وحلم جمعي لا فردي يتناسب مع ما تشكّله للعقل الجمعي. وإذا نظرنا إلي تاريخ العراق الشقيق على طول وعمق حضارته نجده أكثر شعباً تعرضاً للقهر. في الشعر نجد المتنبي، لايخلو من معاناة ودسائس سيف الدولة الحمداني، وقد جسد حياته وحال أمته في بيت لا أجد له مثيلاً في شعرنا العربي حينما قال ( على قلقٍ كأن الريح تحتي ) إذن أين الأمن والاستقرار لشاعرٍ في وطنه؟ في العصر الحديث أفرخت معاناته شاعرين كبيرين في ظل الاحتلال البريطاني هما الزهاوي والجواهري صاحب (تنويمة الجياع ) الخالدة، أليست هذه القصيدة وليدة الفقر والجوع والعوز وانطلاقاً من رغبة الشاعر في عدالة اجتماعية؟ ثم السياب ونازك والبياتي ومأساة بلند الحيدري ومظفر النواب وفجيعتهم وانكسار أحلامهم، وعبد الرزاق عبد الواحد (رثيته بنص نشر وعلق عليه دكتور أحمد فرحات) هؤلاء الذين صنعوا أفقاً رحباً للنص الشعري، بعد أن تلاحقت المصائب على العراق وأمته، بالصراعات المذهبية وصراع القيم والمادة، كل ما ذكرته أدى الى اتساع أفق القصيدة العراقية وخروجها من قالب الرومانسية الى الواقعية. خرجت من أكثر بقاع العالم التهاباً وتأزماً، عراق الشعر والالم، والآن هناك اصوات مثل الشاعر أجود مجبل الذي تجد هموم العراق بجيوبه كلما فتشته، وكثير من الشعراء مثله يحلمون بعراقٍ جديدٍ خارج إطار الأزمات.

انحسار الابداع
وللشاعر نفسه توجهنا بهذا السؤال:
* الابداع لا يمكنه التكيف مع القمع، والحرية هي الحاضن الأول له، اذن من الطبيعي الاعتقاد بتوقف الابداع العراقي، ما رأيك بذلك؟
– لم تستطع عصي القمع وقف عجلة الإبداع على مر العصور في العراق، إذ طالما وجد الأديب أساليب و طرقاً لتمرير أفكاره بالرمز و المواربة وغيرها. مما لا شك فيه أن الحرية هي التربة الخصبة للإبداع، لكن على النقيض من ذلك كان الموقف من القمع دافعاً لا يقل أهمية عن الحرية في عملية الخلق الإبداعي، يعتقد الكثير أن العراق نهرا دجلة و الفرات، ويغفلون نهره الشعري، الذي اعتاد المسير حافياً على صفيح ساخن، نهر كهذا طائش لا تؤطره السياسة أو الطوائف و لا يقف عند اشارات المرور.

جدوى المهرجانات
عن جدوى المهرجانات كان سؤالنا للشاعر التونسي خالد الوغلاني :


* تقام في العراق العديد من المهرجانات الشعرية سنوياً، هل ترى بإمكانية هذه الأنشطة إشاعة الوعي المجتمعي؟ ام هي مجالات للظهور الفردي؟
– تمثل التظاهرات الثقافية بوجه عام والشعرية بوجه خاص، في أي مكان من العالم وسيلة مقاومة للانغلاق الفكري والتطرّف الديني والسياسي، إذ نحتاج نحن العرب إلى تأسيس علاقة جديدة بين أبناء الوطن الواحد أساسها احترام الاختلاف وإرساء ثقافة الحوار. أما في العراق حيث تعج الساحة الشعرية بالقامات الكبرى والاسماء اللامعة، فيمثّل الحدث الشعري، ملتقى للخبرات الشعرية والنقدية ومناسبة لتطوير الأدوات الشعرية لدى شعراء المرحلة، بما من شأنه إثراء الشعر والمجتمع في آن . إن الشعر يسهم في التعبير عن المشاعر الإنسانية، ويدعو إلى رؤية منفتحة للوجود، وهي إلى ذلك كله مجالات لبروز قامات شعرية مهمة، تمثل موجة إبداعية جديدة، فيمكن القول إنها تمثل خصوصية عراقية داخل حركة الشعر العربي المعاصر.

 

الشعراء والسلطة
في الختام التقينا الشاعر والروائي الفلسطيني أحمد أبو سليم ووجهنا إليه السؤال الآتي:


* ذكر لنا التاريخ العديد من الحالات التي تصور لنا الشعراء وعلاقتهم بالسلطة، فهناك المتملق وهناك الثوري الرافض لسياسات الحكّام، وللاسف لازال شعر التزلف سائداً وخصوصاً في العراق الذي يمر بظروف غاية في الصعوبة، بماذا يمكن ان تصف هؤلاء المتملقين؟
– لايمكن للإبداع الحقيقيِ اَلتمظهر من خلال مثقف خاضع لسلطة مهزومة، وسؤالك هو السُّؤال الجدليُّ حول علاقة المثقَّف بالسُّلطة، بل ربَّما يذهب الأَمر في العراق الآن إلى ما هو أَبعد من ذلك، أي إلى علاقة المثقَّف بالقبيلة، والطَّائفة، وما يترتَّب على ذلك من موروث مقدَّس لا يجوز المساس به، وقد تابعتُ بنفسي ردود أَفعال بعض المثقَّفين العراقيين -إن جاز تسميتهم كذلك- حول هذه المسأَلة.
سأَقول ما قلته في روايتي “الحاسَّة صفر” حول دور المثقَّف المُفترض، جازماً بأَنَّ كل ثقافة حقيقيَّة لا يمكن أَن تكون تابعاً بل عليها أَن تكون همزة التأسيس الَّذي يُبنى عليها كلُّ ما هو سياسيٌّ ناجح، لا العكس، وحين تنقلب المعادلة سترى بالضَّرورة شعوباً مهزومة، فاقدة القدرة على التأثير.
في رواية “الحاسَّة صفر” قلت إنَّ على الشَّاعر لو أُدخل الجنَّة أَن يبحث عن عيوبها لا أَن يتغنَّى في محاسنها لأَنَّ تلك هي وظيفته في الحياة.