الأربعاء: 18 يوليو، 2018 - 05 ذو القعدة 1439 - 10:17 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 3 يوليو، 2018

استهل إرفين جميل الباحث في شؤون التاريخ الثقافي والفكري، مقاله المنشور في مجلة «أيون» الإلكترونية والتي تهتم بالأفكار والفلسفة والثقافة، أن التاريخ قد يكون أفضل كاشف لموضوع الهوية الجنسانية ومغايري الجنس، عند مواجهة حقيقة أنه في معظم التاريخ لم يكن الناس ببساطة يتصورون الجنسانية بعبارات ثابتة وديموقراطية، يصبح من الأسهل بكثير تخيل مستقبل تحرري وتعددي.

تقدم العلاقات شبه المؤسسية بين الرجال البالغين والصبية الصغار في الحضارة اليونانية القديمة مثالًا للممارسات الجنسية التي تختلف عن تلك الموجودة في الحاضر، عندما يقول العلماء إن «المثلية الجنسية» هي بنية حديثة، فإنها لا تعني أن الناس في الماضي لم ينخرطوا في علاقات من نفس الجنس سواء كانت عاطفية أو جنسية، بل تعني أنه تم النظر إلى العلاقات المثلية في عصور ما قبل الحداثة باعتبارها مجرد ميل أو ممارسة، بينما اعتبرت خلال القرن التاسع عشر طبيعة فطرية وهوية.

تم صياغة مصطلح المثلية الجنسية باللغة الألمانية في عام 1868، من قبل الكاتب والصحفي النمساوي المجري كارل ماريا بينكيرتن، هذه الحقيقة تثير تساؤلًا حول كيف يمكن أن يكون الناس قد تصوروا ما نفكر به الآن بوصفه مثلية جنسية قبل وجود الكلمة، إن عنوان كتاب المؤرخ الفكري خالد الروَّيهب عن العلاقات المثلية «قبل المثلية الجنسية في العالم العربي الإسلامي» يعتبر ذا أهمية.

يكمل إرفين أن قبل مجيء التأثير الغربي على معيارية المغايرة في أواخر القرن التاسع عشر، قدمت الأعراف الجنسية صورة مختلفة جدًا في الإمبراطورية العثمانية، إذ قام بالنظر إلى التجربة العثمانية للجنس بمساعدة هيلجا أنيتشوفير وأيبك هونر كورا ذوي الأصول العثمانية من جامعة شيكاغو، والبحث عن المصطلحات الجنسية في الأعمال الأدبية العثمانية، تدور نتائج البحث حول وجود أكثر من 600 كلمة جنسية، وإيضاح الطريقة التي تعايشوا بها مع الجنس وكيف فكروا به في جميع أنحاء العالم الناطق بالعثمانية، وبصورة أساسية في إقليم تركيا الحديث وجيرانها المباشرين.

بلا شك أن المفردات المستخلصة حتى الآن ليست شاملة، لكن ظهرت بعض الأنماط الجنسية الواضحة التي يمكن الحديث عنها، وهي وجود ثلاثة أنواع جندرية ونوعان من الجنسانية. أولًا، بدلًا من الانقسام بين الذكور والإناث، ترى المصادر بوضوح أن الرجال والنساء والغلمان ثلاثة أنواع جندرية مختلفة، في الواقع، لا يعتبر الغلمان بدائل للنساء ويعود هذا إلى الخصائص المشتركة بينهم مثل غياب شعر الوجه، فيتم تصنيفهم -الغلمان- باعتبارهم جندر منفصلًا، وعلاوة على ذلك يتم اعتبارهم متحولين جنسيًا بعد البلوغ -الرجولة.

ثانيًا، تشير المصادر إلى أن هناك نوعين بارزين من الجنسانية، ولكن بدلًا من الانقسام الثنائي المتفرع (مغاير-مثلي الجنس)، يتم تعريف نوعي الجنسانية على أنهم طرفين، الطرف المسيطر في الممارسة الجنسية والطرف المسيطر عليه. بالنسبة للمسيطر، يعتبر اختيار الشريك في العملية الجنسية مسألة ذات أهمية قليلة وبالمقام الأول ذوق شخصي. والجدير بالذكر أن الكلمات العثمانية المستخدمة الواصفة للتوجه الجنسي للمسيطر كانت خالية تمامًا من تقدير القيمة والذات للطرف المسيطر عليه مثل المطالب، والرغبات، والمزاج، والشخصية، والتصرف، والطريقة، والسلوك، والمسار، والاختيار والتفضيل. ويعتبر الغلمان والنساء ليسوا بالنبلاء ولا أكثر تقديرًا مثل الرجال كونهم مسيطرًا عليهم في العملية الجنسة. باختصار بدلًا من هوية جنسية محددة بشكل جيد، تشير الأدبيات إلى أنه في المجتمع العثماني كان اختيار الرجل للشريك الجنسي يُنظر إليه على أنه مجرد مسألة ذوق شخصي.

لقد أظهر خالد الرويهب أن تقييم العديد من المستشرقين الغربيين فيما يتعلق بظهور وقبول المثلية الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كان مفارقة تاريخية، ويعاني من الافتراض المتعالي للصحة العالمية والتاريخية لفكرة موحدة عن المثلية الجنسية. وقد جادل بأن المصادر العربية الحديثة تشير إلى وجود وجهة نظر مختلفة، وكما قال الباحث في الأدب العربي في جامعة السوربون في باريس فريدريك لاغرانج، في كتابه «الجنسانية الإسلامية»:  القارئ الغربي المعاصر الذي لم يشكك أبدًا بمفهومه الشمولي عن المثلية الجنسية وجده مقسمًا إلى العديد من الأدوار،حيث إن مؤلفي القرون الوسطى لا يرون عادةً تماثل الرغبة بين المسيطر  والمسيطر عليه في العلاقة الجنسية المثلية.

ويرى إرفين جميل أن المصطلحات الجنسية المستخدمة  في الأدب العثماني تشير إلى أن الأمر نفسه ينطبق على هذه الحالة أيضًا، «المثلية الجنسية» باعتبارها تعبيرًا شاملًا يشمل الشركاء الذكور والإناث، الغلمان وكبار السن، والمسيطر والمسيطر عليهم لم تكن موجودة ببساطة، بدلًا من ذلك فإن اللغة العثمانية غنية للغاية بكلمات عالية التخصص التي تصف المشاركين المحددين الذين يقومون بأدوار محددة.

كانت العلاقات بين الرجال والغلمان بحلول أواخر القرن التاسع عشر قد وقعت في حالة من عدم الرضا، وفي وثيقة مقتبسة إلى السلطان عبد الحميد الثاني، كتب المؤرخ ورجل الدولة أحمد جودت باشا: «ازداد عدد محبي النساء، في حين انخفض عدد محبي الفتيان، وكأن شعب لوط قد ابتلعته الأرض،لقد تم الآن إعادة توجيه الحب والألفة اللتين كانتا في إسطنبول نحو الفتيات، وفقًا لحالة الطبيعة، والتي كانت سابقًا موجهة نحو الشباب بشكل سيء».

بالطبع كان انخفاض تلك الظاهرة مفيدًا، لكن التغيير بشر أيضًا بظهور التأثير الغربي على معيارية المغايرة في المجتمع العثماني، والقمع الذي تفرضه حتمًا. يعتبر اليوم رهاب المثلية قوة مطلقة في تركيا، في 26 مايو (أيار) 1996 أي قبل أسبوع من انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة الثاني للمستوطنات البشرية الذي عقد في إسطنبول، قام مافيا يمينيون بمذبحة ضد المتحولين جنسيًا الذين يعيشون في شارع أولكر بالقرب من ميدان تقسيم، مما أسفر عن وفيات وإصابات، وفي العام الماضي منعت السلطات إقامة الاستعراض السنوي لمثليي الجنس في إسطنبول.

يختتم إرفين جميل مقاله أن المرء لا يسعه إلا أن يأمل من الحكومة التركية من تبجيلها المستمر لأسلافها العثمانية نهجًا أكثر استنارة للجنسانية.