الأثنين: 16 ديسمبر، 2019 - 18 ربيع الثاني 1441 - 12:39 مساءً
ملفات
الأحد: 22 يناير، 2017

عواجل برس  _  خاص

 
قبل أن نتحدث عن حال المفوضية المستقلة العليا للانتخابات ، نلقي نظرة على التنافس المخيف لاحتلال المواقع السياسية في بلد باتت فيه السياسة مرادفة للتجارة . إن القضيتين مرتبطتان : المفوضية التي تدير الانتخابات وتشرف عليها ، واولئك المزدحمون على أبوابها للتسجيل ككيانات سياسية . الرقم الذي سنعطيه ليس من اختراع مخيلة مغاليّة ، بل أعلنته مفوضية الانتخابات نفسها .

 
نائب رئيس مجلس المفوضين في المفوضية كاطع الزوبعي قال إن عدد الاحزاب التي راجعت المفوضية بلغ 114 حزبا سياسيا منها 64 من الاحزاب القديمة التي شاركت في الاستحقاقات الانتخابية الماضية و50 من الاحزاب الجديدة التي سجلت حديثا لغرض المشاركة في الانتخابات المحلية لمجالس المحافظات المقررة في ابريل عام 2017 والبرلمانية العامة المنتظرة في ابريل عام 2018.

 
إن هذا العدد الهائل من الكيانات السياسية يعني ، احتكاما للتجربة السياسية السابقة ، أن العمل السياسي بات مشروعا ربحيا ، وأن ما يدعى بالعملية السياسية تحولت الى شكل من اشكال المكافأة السياسية لشتى الجماعات التي تتشكل على عجل ، وتموت على عجل ، وتخلف صبيان سياسة ونجوما تلفزيونيين ، تتلقفهم الكتل البرلمانية الكبرى لتحسين النسل !

 
ومن الواضح أننا ذاهبون الى الانتخابات ونحن في الظاهر نضرب الرقم القياسي في تعددية لم يحلم بها ديمقراطيو الارض في التاريخ الحديث . طبعا أن واحدا من صناع العراق الحالي ، التعددي جدا جدا ، هو السيد نوري المالكي ، يستطيع أن يفاخر بهذا الانجاز ، فمعروف عنه أنه أكبر صانع للكيانات السياسية الصغيرة ، مخطط العملية السياسية ، في انقساماتها ، وفي تناسلاتها لتصبح جماعات صغيرة ذات أسماء مخادعة . إنه صانع بيوض قبان تنفع في لحظات المصادفات غير المحسوبة ، ومفكك القوى المدنية والقوى التي يستشعر بقوتها ونموها المستقل ،مثلما هو كرس هيمنة الكتل الكبيرة ، فضلا عن أنه مؤسس كتلة دولة القانون الأكبر في البرلمان.

ليس اعتباطا أن اتخذت مفوضية الانتخابات اسم المستقلة ، فهي حقا مستقلة حسب القانون ، أي أنها غير خاضعة للحكومة ولا للأحزاب السياسية ولا للبرلمان . إنها هيئة فنية محايدة تعد للانتخابات وتشرف عليها وتهيئ مستلزماتها . إلا أن السيد المالكي ألغمها بجماعته وأنهى استقلالها وباتت تأتمر به هو وحده .

 
إن تاريخ هيمنة المالكي على هذه المفوضية معروف بدأت من إحساس المالكي بالخطر . ففي انتخابات عام 2010 ظهر المالكي مجرد منافس لاياد علاوي حسب الأرقام التي اعلنتها المفوضية ، الا أن المالكي الزعلان والمتبرم طالب بإعادة فرز الأصوات ، بيد أن رئيس المفوضية آنذاك السيد فرج الحيدري رفض الطلب ، فظهرت شخصية المالكي المشحونة بالضغائن ، وظل هذا الامر يحز في نفسه حتى جاءت اللحظة المناسبة ، إذ طالب المالكي وجماعته بسحب الثقة من المفوضية وإقالة الحيدري الذي كان قد ترأس المفوضية في عام 2007، ولما لم يستطع الحصول على أغلبية في البرلمان ، دبر له حادث لا أخلاقي في عام 2012، انتهى بتوقيفه على ذمة التحقيق بتهمة تقديمه 130 دولارا كمكافأة لموظف في المفوضية!

 
حكومة المالكي التي علست ميزانيات خرافية ، وأفلست الدولة ، تمارس الاخلاق من اجل 130 دولارا !

 

فيما كان المالكي يحطم مفوضية الانتخابات ، ويحولها الى تابع ذليل ، حطم كذلك مفوضية النزاهة التي أدارها بكفاءة رحيم العكيلي وربطها بجماعته ، متهما إياه بالفساد.

 
الغريب أن المالكي الذي أدار حكومة فاسدة ، ووقع على عقود خرافية مشبوهة ، لم يتطرق ولا مرة الى أن قانون مفوضية الانتخابات سيء جدا ، ينقل اشخاص بلا كفاءة الى البرلمان ، وهناك يفسدون تماما . الحقيقة أن المفوضية تعاني من قانون واجراءات غريبة أعدت لكي تنتصر الكتل الكبيرة ويخسر الصغار ، فإذا بالنتائج تصنع برلمانا يضج بالمشاكل ، وبحكومة ضخمة تستهلك أموال الدولة. إذن الفساد مرسوم الخطى على وقع الممشى السياسي للكتل الكبيرة ، فالفساد بات موضوعيا . إن جميع توزيعات المحاصصة ترجّح صعود (أصحاب الآراء) الذين يظهرون في التلفزيون على أصحاب الكفاءات والمناقبية المهنية . وهذا هو عين الفساد .

 
أبدا لم يجر الحديث عن استقلالية المفوضية ، وهذا هو عين الفساد كذلك . فالمفوضية تعمل في بيئة فاسدة ، وأكثر من هذا ، تقبض عليها جهة سياسية تدير الدولة والسلطة ، فيضاف الفساد إلى التسييس هذه المرة . وفي الظروف العراقية المعروفة لا يعد التسييس سوى صورة لفساد شرس مرفوع الى مستوى الاديولوجيا والأفكار الكبيرة للقائد .

 
من المؤسف أن (دولة القانون) بدلا من أن تقود فكرة القانون والمأسسة على أسس ديمقراطية أجرت أمامنا عروضا هزيلة جميع عناصرها السياسية والأخلاقية يمكن أن تستدير إليها ، وتؤشر الى مئات الثقوب والعيوب . قبل ذلك قدمت دولة القانون عرضا في دمج الهيئات المستقلة في رئاسة مجلس الوزراء، ومع بقاء وزارتي الدفاع والداخلية من دون وزراء ، ليبدو معها أننا ازاء رغبة إلحاقية مكشوفة لا يمكن الدفاع عنها.

 
كشفت نتائج انتخابات عام 2014 عن أن الأهداف التي سعى اليها المالكي منذ 2010تكللت بالنجاح ، فائتلاف “دولة القانون” الذي يتزعمه نوري المالكي حقق نصرا انتخابيا بـفوزه بـ 93 من إجمالي 328 مقعدًا في البرلمان، فضلا عن أن فرق الاصوات ما بين دولة القانون وباقي الكتل الاخرى كان كبيرا ويشير الى وجود تلاعب كبير .

 
وكانت كتلة “الأحرار” التابعة لمقتدى الصدر، و”المواطن” التابعة لعمار الحكيم، ومتحدون برئاسة أسامة النجيفي، و”الكتلة الوطنية” التي يتزعمها إياد علاوي، وائتلاف “متحدون للإصلاح” ،قد شككت بنتائج الانتخابات التي أعلنتها المفوضية ، وجميع هذه الكتل اشارت إلى وجود تلاعب واسع في الانتخابات ، مع وجود أدلة على ذلك .

 
من المثير مثلا أن المفوضية أعلنت وصول نسبة المشاركة في مناطق حزام بغداد إلى 90٪ في الوقت التي تعرضت هذه المناطق للغرق والمضايقات الأمنية مما أدى لضعف المشاركة بشكل واضح. الأغرب من ذلك أن تصل نسبة التصويت في هذه المناطق إلى 80٪ لصالح “دولة القانون” في حين أن الجميع يعلم أن هذه المناطق ليست موالية أو مؤيدة لدولة القانون.
وأصدر ائتلاف المواطن الذي تزعمه عمار الحكيم في بيان له أن “لديه أدلة تشير إلى عمليات تلاعب واسعة في الانتخابات “.
وأشار البيان إلى أن “هناك ملابسات كثيرة شابت العملية الانتخابية بدأت باستبعاد عدد من المرشحين، وفق انتقائية قانونية غير مسبوقة، مرورا بالضغوط غير المعهودة على مرشحي بعض القوائم للانسحاب من قوائمهم بالإغراء والتهديد والضغط على المفوضية ومجلس موظفيها”,.

 
وأوضح البيان أنه “تم استخدام السلطة والمال العام في الدعاية الانتخابية لكسب الأصوات بشكل مفرط، ووزعت أعداد هائلة من قطع الأراضي على المواطنين والوعود بتعيينات واسعة من قبل مرشحي أطراف محددة ذات نفوذ في السلطة وتوزيع أموال طائلة تحت عناوين مختلفة”.

 
وطالبت “الكتلة الوطنية” التي يتزعمها رئيس الوزراء العراقي الأسبق “إياد علاوي” بإعادة إجراء الانتخابات البرلمانية، وقالت مسؤولة علاقات الكتلة “انتصار علاوي” إن “الكتلة لن تعترف بنتائج الانتخابات التي أعلنتها مفوضية الانتخابات أمس، وتطالب بإعادة إجراء الانتخابات”.

 
وأضافت “علاوي”: “هناك حالات تزوير كبيرة وخروقات عديدة شهدتها العملية الانتخابية، وقدمنا العديد من الشكاوى إلى المفوضية لكنها أهملتها”.

 
اليوم ونحن نتوجه إلى الانتخابات القادمة ، يقف المالكي وجماعته يدافعون عن بقاء مفوضية الانتخابات على حالها ، دون إصلاح ، وبقاء قانون الانتخابات على حاله دون تغيير ، على الرغم من تصاعد الاصوات في البرلمان وخارجه ضد التركيبة السياسية للمفوضية ، وضد القانون الانتخابي الذي ظل يحمي الحيتان الكبار . وحسب المعطيات المتوفرة يوجد اصرار مدعوم من عشرات البرلمانيين على تغيير المفوضية قبل بداية عام 2017 المقرر أن تجري فيه انتخابات مجالس المحافظات، مع وجود ضغط من نواب كتلة ائتلاف دولة القانون التي يرأسها المالكي، للحيلولة دون إنجاز إجراءات الاستجواب والإقالة. من الواضح أننا الان في عام 2017 ولم يتحقق هذا المطلب.

 
مراقبون أشاروا إلىوجود أربعة ملفات في مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي تتعلق بفساد المفوضية كانتماء أعضائها للأحزاب وقبول بعضهم رشى مالية والتلاعب بنتائج الانتخابات على أسس طائفية وعرقية وحزبية.

 
وكانت مفوضية الانتخابات في العراق، رفضت في وقت سابق الدعوات التي تطالب باستبدال أعضائها، متهمة مطلقي تلك الدعوات بالسعي لان تكون المفوضية خاضعة لهم قبل انتخابات مجالس المحافظات 2017 والانتخابات التشريعية 2018 ، على حد قولها.

 
إزاء ذلك أعلن زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر عن شروط للمشاركة في الانتخابات داعيا الى تشكيل كتلة عابرة للمحاصصة. الصدر اشترط للمشاركة في الانتخابات المنتظرة تشكيل كتلة عابرة للمحاصصة ، وتغيير مفوضية الانتخابات ، وقانون الانتخابات.
واضاف أنه مع الانتخابات “شرط تضافر جهود المخلصين لمشروع الاصلاح في تشكيل كلتة عابرة للمحاصصة بعد الضغط الشعبي لتغيير مفوضية الانتخابات المسيسة وقانون الانتخابات المجحف”، مبديا موافقته على “وجود مراقبة من الأمم المتحدة على الانتخابات المزمع عقدها .

 
هذا وتطالب العديد من القوى السياسية بتغيير اعضاء مفوضية الانتخابات الحالية لأنهم ينتمون الى الاحزاب بينما من المفترض ان تكون المفوضية مستقلة وفقا للمادة (102) من الدستور التي تعتبر المفوضية هيئة مستقلة تخضع لرقابة البرلمان ولكن أعضاءها ينتمون حاليا الى الأحزاب الكبيرة الشيعية والسنية والكردية بالتساوي.

 
وقال الصدر في بيان له ردا على سؤال من أحد أتباعه بشأن “تغيير” مفوضية الانتخابات، إن تغيير المفوضية يجب أن يكون مطلبا شعبيا، داعيا ما سماهم “الثوار المصلحين” إلى المطالبة بتغيير مفوضية الانتخابات، مع باقي الأمور.

 
وأضاف أنه يجب أن يتم وضع قانون صارم على لجنة الخبراء بحيث يصل المستقلون الحقيقيون إلى سدة المفوضية وخلافه يجب معاقبتهم قانونيا.وتابع الصدر: “لا بأس أن يكون إشرافا أمميا في حال بدأت الانتخابات بكل أقسامها -إن جاز التعبير”.
وكان الصدر قد قدممشروعا إلى مجلس النواب بشأن إصلاح الانتخابات.

 
هذا وتشكلت مفوضية الانتخابات الحالية عام 2012 بإشراف نوري المالكي، واعتمد مبدأ المحاصصة الحزبية في توزيع مقاعد مجلس المفوضين الذي يدير المفوضية، ويتمتع أعضاؤه بدرجة وكيل وزير. واتهمت منظمات محلية ودولية متخصصة بالانتخابات المفوضية بالانحياز للمالكي خلال الانتخابات المحلية عام 2013، والبرلمانية عام 2014، والمساهمة بفوز ائتلافه “دولة القانون” بفارق كبير عن أقرب منافسيه.