الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 03:06 صباحاً
سلة الاخبار
الأربعاء: 4 ديسمبر، 2019

دخلت التظاهرات العراقية شهرها الثالث وسط مؤشرات على أنها لن تنتهي قريبا دون تحقيق المتظاهرين لمطالبهم المتمثلة برحيل جميع الكتل السياسية والأحزاب التي انبثقت بعد عام 2003.

وبعد كم الدماء التي أريقت خلال الشهرين الماضيين، وبعد تعنت وإصرار على بقائه في المنصب، قدم رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” استقالته رسميا للبرلمان والتي صادق عليها يوم الأحد الأول من كانون الأول/ ديسمبر.

استقالة ينظر إليها على أنها جاءت لامتصاص غضب المتظاهرين ليس إلا، فهل ستنجح الكتل السياسية في اختيار بديل لعبد المهدي أم أن الخلافات البينية بينها ستشعل مزيدا من الصراعات؟

 

استقالة بطعم الإقالة

“الشهرين الماضيين شهدا مقتل ما لا يقل عن 460 متظاهرا في مختلف المحافظات الوسطى والجنوبية ومن ضمنها بغداد”

مئات القتلى وآلاف الجرحى بلغ ضحايا التظاهرات العراقية التي قمعتها الحكومة وأجهزتها الامنية والميليشيات، إذ يقول عضو مفوضية حقوق الانسان “علي البياتي”   إن الشهرين الماضيين شهدا مقتل ما لا يقل عن 460 متظاهرا في مختلف المحافظات الوسطى والجنوبية ومن ضمنها بغداد.

وأضاف البياتي أن أعداد الجرحى تجاوزت 17400 مصابا، وأكثر من 3 آلاف منهم أصيبوا بعاهات دائمية نتجية بتر الاطراف أو فقدان البصر أو إصابات أخرى.

وعن استقالة عبد المهدي واحتمالية أن تؤدي إلى تراجع حدة التظاهرات، أوضح البياتي أن الوضع في العراق متأزم سياسيا وأمنيا، معتقدا أن استقالة الحكومة وحدها لن تكفي لامتصاص غضب المتظاهرين.

ترجح كثير من الأوساط السياسية أن استقالة “عادل عبد المهدي” جاءت بتوصية من كبار زعماء الكتل السياسية في البلاد، إذ يقول المحلل السياسي “فؤاد الحسيني”   إن عبد المهدي كان يود تقديم استقالته منذ أيام التظاهرات الأولى في الموجة الثانية لها، إلا أن الكتل السياسية الكبيرة كالفتح وسائرون رفضت ذلك ومنعته على اعتبار أن البديل غير متوفر وأن الاستقالة تعني الدخول في فراغ حكومي.

“اختيار بديل لعبد المهدي يكاد يكون مستحيلا، إذ أن اي مرشح تقدمه الكتل السياسية سيكون مرفوضا من قبل المتظاهرين”

ويضيف الحسيني أن أحداث الايام الأخيرة في النجف وذي قار وسقوط عشرات القتلى والجرحى والاشتباكات المسلحة بين المتظاهرين والميليشيات حول مرقد الحكيم في النجف حتمت على هذه الكتل أن تضحي بعبد المهدي مجبرة، إذ أن حكومة الاخير كانت تعد حكومة الحشد الشعبي بامتياز وحاولت الكتل السياسية الموالية لإيران الحفاظ عليها حتى الرمق الاخير.

ويختتم الحسيني حديثه بالإشارة إلى أن عبد المهدي أقيل ولم يستقيل وبالتالي دخلت الكتل السياسية في مأزق يضاف لمأزقها المتمثل برفض المتظاهرين لها، إذ أن معضلة اختيار رئيس وزراء جديد ستشهد ذات الجدل الذي كان اختيار عبد المهدي قد شهده قبل نحو عام من الآن.

 

خلافات قد تؤجل الاختيار

يأتي اختيار رئيس وزراء جديد للعراق وسط خلافات كبيرة بين الكتل الساسية ووسط تصدع كبير للكتل التي كانت قد شكلت الكتلة الأكبر التي انبثق عنها اختيار عبد المهدي رئيسا للوزراء قبل أكثر من عام من الآن.

النائب عن تحالف الفتح “حنين القدو” وفي مطلع حديثه لوكالة “يقين” أكد على أن اختيار بديل لعبد المهدي يكاد يكون مستحيلا، إذ أن اي مرشح تقدمه الكتل السياسية سيكون مرفوضا من قبل المتظاهرين، فضلا عن أن اختيار أي شخصية لتولي هذا المنصب يتستلزم توافقا سياسيا بين مختلف الكتل وهذه الجزئية لا تزال بعيدة التحقق حتى اللحظة.

واقترح القدو أن تجري مفاوضات بين الكتل السياسية وبين المتظاهرين للتوافق على تولي شخصية محايدة منصب رئاسة الوزراء الأمر الذي قد يؤدي إلى حلحلة المأزق الذي تمر به البلاد منذ أكثر من شهرين.

أما كتلة سائرون التي يتزعمها “مقتدى الصدر” فأعلنت أنها تنازلت عن حقها في اختيار رئيس وزراء جديد على اعتبار أنها الكتلة الأكبر برلمانيا، ويؤكد ذلك النائب عن الكتلة “رياض المسعودي” الذي    ” عن عدة شروط للموافقة على أي شخصية ستتبوأ منصب رئاسة الوزراء.

وأوضح أن الشرط الأول أن يكون المرشح مستقلا سياسيا ولا يتبع لأي كتلة أو حزب ولم يعمل في الحكومات السابقة، فضلا عن شرط أن يكون قويا ولا يخضع لإملاءات الكتل السياسية والاجندات الخارجية فضلا عن قدرته على تنفيذ ما يعد به دون مواربة أو تأخير أو مماطلة أو حجج، بحسب المسعودي.

“المتظاهرون في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب سيزيدون من ضغطهم الشعبي وستتسع التظاهرات”

أما أستاذ العلوم السياسية “مؤيد البدراني” يرى أن جميع ما يدور الحديث عنه حول اختيار رئيس وزراء جديد للعراق غير دقيق، إذ أن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني” إلى العراق خلال اليومين الماضيين أكد بما لا يدع مجالا للشك أن أي مرشح لمنصب رئاسة الوزراء لن يُصوت عليه بالقبول ما لم يكن خاضعا للنفوذ والتبعية الايرانية.

ويضيف  ” أن ذلك يعني أن المتظاهرين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب سيزيدون من ضغطهم الشعبي وستتسع التظاهرات، وبالتالي فإن استقالة عبد المهدي لن تحقق أهدافها في امتصاص غضب المتظاهرين الذين رفضوا من أول يوم لخروجهم جميع الكتل السياسية والاحزاب.

وأعرب البدراني في ختام حديثه عن اعتقاده بأن التظاهرات الشعبية في العراق ستدخل مرحلة جديدة أكثر حدة من الشهرين الماضيين، وقد تشهد البلاد مزيدا من سقوط القتلى والجرحى في ظل تعنت الطبقة السياسية الحالية على عدم التنازل وإصرار إيراني على المضي قدما في مشروعها الخبيث في العراق، بحسب تعبيره.

 

معضلات قانونية ومالية

هي خلافات كبيرة تلك التي تكتنف اختيار رئيس وزراء جديد للبلاد، لكن هذه الخلافات السياسية قد تضاف لها أخرى قانونية ومالية، إذ يقول الخبير القانوني “يوسف الرمضاني”  ” إن أحد أهم شروط اختيار رئيس وزراء جديد في البلاد هو أن ترشحه الكتلة الأكبر في البرلمان، إلا أن ما حدث أن رئيس البرلمان “محمد الحلبوسي” وجّه كتابا إلى رئاسة الجمهورية يطالبه فيها باختيار رئيس وزراء جديد في مشهد يدل على أن جميع الكتل السياسية لم تتفق ولو بالحد الأدنى على اختيار شخصية معينة.

“حكومة “عادل عبد المهدي” باتت ومنذ يوم الاثنين الـ 2 من كانون الأول/ ديسمبر حكومة تصريف أعمال لا أكثر”

ويضيف الرمضاني أن المهلة الدستورية لرئيس الجمهورية هي 15 يوما من تاريخ تقديم البرلمان لمرشح رئاسة الوزراء بعدها يكلف رئيس الجمهورية الشخصية المتفق عليها بتشكيل الحكومة، لتكون أمام الأخيرة فرصة 30 يوما لتقديم الكابينة الوزارية لرئاسة الجمهورية، لافتا إلى أن انتظار مجلس النواب لرئاسة الجمهورية يعد خرقا دستوريا لم تستجب له الرئاسة، وبالتالي فإن الوضع يسير نحو المجهول.

من جهة أخرى، يؤكد الخبير الاقتصادي “ليث النعيمي”  ” على أن حكومة “عادل عبد المهدي” باتت ومنذ يوم الاثنين الـ 2 من كانون الأول/ ديسمبر حكومة تصريف أعمال لا أكثر، وهذه الحكومة لن تكون قادرة على تقديم مسودة مشروع موازنة 2020 الاتحادية ويمكن لها أن تعمل على إعدادها فقط، وبالتالي فإنه وما لم تشكل حكومة خلال مدة شهر من الآن، فإن العراق سيدخل 2020 دون موازنة اتحادية، ما يعني أن العراق سيخل بجميع التزاماته الدولية تجاه الشركات النفطية والجهات المقرضة للبلاد ومنها البنك الدولي ما سيزيد من قيمة الفوائد المترتبة على العراق.

هي مشكلات قانونية ودستورية وسياسية إذن لا تزال تحول دون الاتفاق على ترشيح بديل لشغر منصب رئاسة مجلس الوزراء في مشهد يرجح أن يستمر طويلا في ظل رفض المتظاهرين العراقيين لأي شخصية من داخل الكتل الحاكمة.