الأربعاء: 21 أغسطس، 2019 - 19 ذو الحجة 1440 - 08:55 مساءً
ثقافة وفن
الأثنين: 4 فبراير، 2019

عواجل برس/متابعة

“لا أستطيع أن أحتفل بهذا الإنجاز وأنا لا أزال أرى الكثير من الأبرياء يُعانون من حولي”… هكذا علّق لاجئ كردي إيراني مُحتجز في مركز ناءِ في المحيط الهادي، عقب فوزه بأرفع جائزة أدبية في أستراليا.

بهروز بوتشاني، المُحتجز منذ ست سنوات في مركز تديره أستراليا على جزيرة مانوس في بابوا غينيا الجديدة، فاز بجائزة فيكتوريا للأدب وقيمتها مئة ألف دولار أسترالي (حوالي 70 ألف دولار أمريكي) عن أول رواية له، والتي استخدم هاتفه المحمول لكتابتها بعنوان “لا صديق سوى الجبال”.

وبوتشاني، من المنتقدين البارزين للمعاملة التي يلقاها الساعون للجوء بموجب سياسة الهجرة المتشددة في أستراليا، وكان جلّ ما يخشاه وهو يكتب روايته أن يصادر حراس المركز هاتفه.

وكان اللاجيء الكردي قد كتب روايته باللغة الفارسية وأرسلها عبر تطبيق واتساب إلى مُترجم في أستراليا، قبل أن يُعلَن فوزه بالجائزة في حفل أقيم في أستراليا، البلد المحظور عليه دخوله.

ووصف بوتشاني شعوره، عقب منح منظمة “القلم الدولية” العضوية الفخرية له، بأنه “كالطفل حين يتلقى هدية في يوم ميلاده”.

معاناة “مُلهمة”

بوتشاني (36 عاماً) من مواليد عام 1983، في مدينة عيلام (غربي إيران). درس العلوم السياسية في جامعة “تربيا مدارس” في طهران وعمل في البداية صحافياً في إحدى الصحف المحلية المعنية بشؤون الطلاب، ثم عمل في عدة مجلات وصحف إيرانية.

بعد أن أصبح مُحرراً لمجلة “واريا” الكردية، المُختصة بالشؤون السياسية والاجتماعية الكردية، توجهت أنظار السلطات الإيرانية نحوه. وكانت الصحيفة تُركّز على “أهمية اللهجة واللغة الكردية التي يتحدث بها سكان مدينة عيلام وخطر انقراض تلك الثقافة واللغة بين أبناء الجيل الحديث”.

في عام 2011، أُلقي القبض عليه واستُجوب من قبل الحرس الثوري الإسلامي، وبعد أشهر، أُطلق سراحه بعدما كتب تعهداً بعدم العودة إلى الكتابات “الثورية” حول حقوق الأكراد.

استمر في تحرير المواد وتبادلها مع زملائه سراً عبر البريد الإلكتروني، حتى ألقت السلطات القبض على 11 من زملائه عقب اتساع نشاط المجلة وتفاعل الناس، وفق ما صرّح بوتشاني في مقابلة مع “هيومن رايتس ووتش”.

أقوال جاهزة

شاركغردبهروز بوتشاني… رغم أن صيته ذاع في معظم أنحاء العالم عن طريق الصحف العالمية والمنظمات الحقوقية، انتهى به المطاف في “سجن منعزل” تابع للبلد الذي “ظنّ أنه سيكون حراً لممارسة الكتابة فيه”

شاركغردرغم فوزه بجائزة أدبيّة رفيعة، يبقى بوتشاني حتى الآن مُحتجزاً دون أي “بصيص أمل بقرب إطلاق سراحه”، بينما يحيا مُهدّداً بالترحيل إلى بلده حيث “الاعتقال والتعذيب”

بعد ذلك، بدأ بوتشاني العمل سراً في موقع أسسه هو من طهران، تحت اسم “مراسلون إيرانيون”. انتشرت أخبار الموقع سريعاً وعلمت به السلطات، فلم يكن أمامه سوى الاختباء والبحث عن سبيل للهرب خارج الحدود البلاد قبل اعتقاله.

غادر بوتشاني إيران، عام 2013، خشية الاعتقال والسجن بسبب كتاباته المناهضة للنظام والحكومة من جهة، ودعوته الأكراد إلى المطالبة بحقوقهم الثقافية والمدنية من جهة أخرى.

وقال عن ذلك: “نصحني بعض أصدقائي الذين أطلق سراحهم بمغادرة البلاد فوراً، لأن السلطات كانت تبحث عني كوني (العقل المُدبّر للمجلة)”، لافتاً إلى قراره باللجوء إلى أستراليا “ظناً بأنه سيجد الحرية هناك”.

لم يتخيل بوتشاني أنه هرب من خطر الاعتقال والسجن في بلده، ليُسجن في مركز احتجاز في جزيرة منعزلة لعدم حيازته الأوراق الثبوتية الكافية لطلب اللجوء.

كان متجهاً إلى أستراليا برفقة عشرات المهاجرين على قارب، عندما صادفتهم البحرية الأسترالية واقتادتهم إلى جزيرة كريسماس ثم مانوس الواقعة في بابوا غينيا الجديدة.

ورغم أن صيته ذاع في معظم أنحاء العالم عن طريق الصحف العالمية والمنظمات الحقوقية، انتهى به المطاف في “سجن منعزل” تابع للبلد الذي “ظنّ أنه سيكون حراً لممارسة الكتابة فيه”، على حدّ قوله.

النضال عبر الكتابة

عادةً ما تقود البحرية الأسترالية جميع قوارب المهاجرين التي تصادفها في البحر إلى مراكز احتجاز تُطلق عليها اسم “مخيم أو مركز دراسة طلبات اللجوء” في جزيرة مانوس وكريسماس، في حين يتم ترحيل معظمهم إلى البلاد التي أتوا منها.

وقد خرجت العديد من التظاهرات التي تُطالب بإغلاق مركز الاحتجاز في جزيرة مانوس، وفيما أُغلق بالفعل أواخر عام 2017 نُقل المحتجزون لأماكن أخرى.

ويصف بوتشاني مركز دراسة طلبات اللجوء الذي يوجد فيه مئات المعتقلين، بأنه “عبارة عن سجن رهيب كثرت فيه حالات الانتحار والتعذيب”، وحسابه عبر “تويتر” مليء بصور تُجسّد معاناة المعتقلين هناك.

ولا يتوقف بوتشاني عن توثيق “تجاوزات السلطات بحق المعتقلين”، رغم قيام السلطات الاسترالية بعزله في سجن انفرادي مرات لقيامه “بفضح” أفعالهم، حسب ما أكده مراراً للصحافيين الذين قابلوه في المعتقل عدة مرات.

المثير أن اللاجئ الإيراني نشط أكثر في الكتابة من داخل السجن ووثّق معاناة حالات عديدة من داخله، كما زوّد المنظمات الحقوقية بالمعلومات حول الانتهاكات بحق المحتجزين في المركز.

ويبقى “واتساب” أبرز وسيلة يعتمدها بوتشاني للتواصل مع الصحافيين الأستراليين ومنظمات حقوق الإنسان و”القلم الدولية” وغيرها من الجهات المهتمة بوضعه والمعتقلين معه.

وفي مقابلة سابقة أجرتها معه “الغارديان” قال: “كنت وما زلت صحافياً. حتى وأنا هنا في هذا المكان، إنها (الكتابة) عملي وواجبي”.

صعاب كثيرة تُفضي للنجاح 

تحسّباً لـ”تمزيق السلطات لأوراقه”، استخدم بوتشاني “واتساب” على هاتفه النقال في كتابة روايته الأولى “لا صديق سوى الجبال”.

وأوضح أنه كان يكتب “في كل مرة رسالة نصية ويرسلها إلى صديقه خارج السجن، ليجمعها في ملف خاص بعيداً عن خطر تمزيق السلطات لأوراقه”.

طيلة خمس سنوات كاملة، ودون كلل أو يأس، استمر بوتشاني في كتابة الرواية، بحسب ما أكد عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يعمل “لساعات طويلة بشكل يومي. تصل أحياناً إلى 16 ساعة”.

وذاع صيت كتابه في الأوساط العالمية، وبيعت نسخ عديدة منه في حفل افتتاح دشن له في أستراليا وعبر مواقع الانترنت، بدون حضور الكاتب. ونال إعجاب العديد من الكتاب والروائيين حول العالم، ورشحه تطبيق I Book للقراء.

وحتى الآن، يبقى بوتشاني مُحتجزاً في جزيرة مانوس دون أي”بصيص أمل بقرب إطلاق سراحه”، بينما يحيا مُهدّداً بالترحيل إلى بلده. في المقابل، يرفض تقديم طلب لجوء إلى سلطات بابوا غينيا الجديدة مُفسّراً ذلك بالقول: “لم آتِ إلى هذا البلد بإرادتي، وأنا هنا رغماً عني، ولا أقبل بذلك”.

ويؤكد بوتشاني، وجمعيات حقوقية مثل “هيومان رايتش ووتش” و”مراسلون بلا حدود”، أن حياته وحريته ستكونان في “خطر شديد” إذا ما تمّ ترحيله إلى إيران، وأن “الاعتقال والتعذيب” سيكونان أقل ما يمكن أن يلاقيه هناك.