الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 05:21 مساءً
وجوه
الخميس: 24 مايو، 2018

محمد يسري

في التاسع عشر من مايو الجاري، أُعلنت وفاة المستشرق الإنكليزي الأمريكي برنارد لويس عن عمر يناهز القرن بسنتين. كان لويس أحد أهم المستشرقين الغربيين المعاصرين، وأجرى أبحاثاً مهمة وقيّمة عن المسلمين والعالم الإسلامي، وارتبط اسمه بدوائر صنع القرار السياسي في أوروبا وأمريكا.

للويس نظريات كثيرة حول الدين الإسلامي وتاريخ المسلمين، وله أفكار كثيرة حول العلاقة الشائكة التي تجمع المسلمين والغرب في العالم المعاصر.

نبذة عن لويس

وُلد برنارد لويس في لندن في مايو 1916، لأسرة يهودية إنكليزية متوسطة الحال، والتحق بالدراسة في جامعة لندن، حيث درس تاريخ الشرق الأوسط والشرق الأدنى. وفي عام 1936، تخرج لويس من الجامعة، وحصل على درجة الدكتوراه في تخصص التاريخ الإسلامي عام 1939.

ويذكر الكاتب عادل الجوجري في كتابه “برنارد لويس” أن المستشرق الإنكليزي تتلمذ على يد اثنين من أهم المستشرقين المعروفين في زمنه، وهما الإنكليزي هاميلتون جب والفرنسي لويس ماسينيون.

ويشير الكاتب نجيب العقيقي، في كتابه “المستشرقون”، أن لويس انضم أثناء الحرب العالمية الثانية إلى القوات الإنكليزية المشاركة في الحرب، والتحق بسلاح الاستخبارات لبعض الوقت.

وبعد انتهاء الحرب، عُيّن لويس أستاذاً لكرسي تاريخ الشرق الأدنى والأوسط في جامعة لندن. ويذكر الدكتور مازن مطبقاني في كتابه “من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر”، أنه اشتُهر عن لويس في ذلك الوقت ترحيبه بتتلمذ الطلبة العرب والمسلمين على يديه في جامعة لندن، وكان يساعدهم بكل الوسائل الممكنة.

ومن أهم الطلبة المسلمين الذين درسوا على يدي لويس في تلك المرحلة، الدكتور سهيل زكّار الذي أشرف لويس على رسالة الدكتوراه الخاصة به. ويذكر زكّار أن لويس كان متسامحاً بشكل كبير مع الطلبة العرب والمسلمين الذين يشرف على أبحاثهم، إلى الحد الذي جعل 17 طالباً مسلماً يطلبون أن يسجلوا معه تحديداً ليُشرف على رسائلهم وأبحاثهم.

في عام 1974، انتقل لويس للتدريس في قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون الأمريكية. ولأن عقده تطلّب منه التدريس لفصل واحد خلال السنة، استطاع تخصيص وقت طويل لأبحاثه وظهرت معظم كتبه في تلك الفترة.

وفي أمريكا التي حصل على جنسيتها عام 1982، عُرف لويس بكونه أحد أهم المتخصصين في التاريخ الإسلامي، بعدما نشر عشرات المقالات والأبحاث المهمة، بالإضافة إلى قُرابة الثلاثين كتاباً.

وحظيت العديد من كتابات لويس بقبولٍ كبير سواء في أوروبا أو في أمريكا، كما أن عدداً من كتبه مثل “أزمة الإسلام” و”أين يكمن الخطأ؟” استطاعت أن تتصدر مبيعات الكتب في الولايات المتحدة لوقت طويل.

نظرته للإسلام: الوحدانية ورفض الكهنوت والتسامح

من أهم المباحث التي شغلت تفكير لويس كان المبحث الخاص بتوصيفه وتقييمه للدين الإسلامي.

أحدث لويس في تقديمه للإسلام ما يجوز أن نصفه بـ”صدمة معرفية” للعالم الغربي. فهو يؤكد في كتابه “اليهود في ظل الإسلام” أن الصورة الذهنية النمطية السائدة في العقلية الغربية عن الإسلام، تلك التي ترى هذا الدين في صورة الفارس الذي يمسك بالسيف والقرآن، هي “صورة مغلوطة ومستحيلة”.

واهتم لويس بعرض الجوانب الإسلامية التي قد تهم القارئ الغربي الجاهل للكثير من أسس وثوابت الدين الإسلامي، فناقش “فكرة التوحيد” وأكد على حضورها بشكل طاغٍ في الإسلام.

كما تناول مسألة السلطة في الإسلام. ففي كتابه “أين يكمن الخطأ؟”، يفرّق بين السلطة الدينية في الإسلام والسلطة الدينية في المسيحية، ويقول: “لا كهنوت في الإسلام، لا وساطة كهنوتية بين الله والمؤمن، لا ترسيم للكهنة، لا أسرار مقدسة، لا طقوس لا يمكن أن يؤديها إلا كاهن مُرَسّم”.

وفي معرض حديثه عن الأخلاق الإسلامية، يشيد لويس كثيراً بـ”تسامح” هذا الدين ويؤكد في كتابه “أزمة الإسلام” أن غير المسلمين من ساكني البلاد الإسلامية تمتعوا عبر التاريخ “بمدى واسع من صلاحيات الحكم الذاتي في تدبر أمورهم الاجتماعية الداخلية، منها التعليم والضرائب، وفرض قوانينهم في الأحوال الشخصية، سيما الزواج والطلاق والميراث”.

ويرى لويس أن السبب في تلك الروح المتسامحة التي صبغت معظم فترات التاريخ الإسلامي، يعود في الأساس إلى الدين الإسلامي نفسه، فالشريعة الإسلامية سمحت لليهود والمسيحيين بممارسة طقوسهم وإدارة شؤونهم.

وفي معرض حديثه وذكره لأحداث ترحيل يهود خيبر ونصارى نجران إلى خارج شبه الجزيرة العربية، يقول لويس في كتابه “أزمة الإسلام”: “إن ترحيل الأقليات الدينية نادرٌ جدّاً في التاريخ الإسلامي، على خلاف الحال مع مسيحيي القرون الوسطى حين كان ترحيل اليهود، ثم المسلمين، بعد إعادة الفتح، أمراً اعتياديّاً متكرراً”.

التاريخ الإسلامي: الخلافة، ولماذا تخلف المسلمون؟

يُعَدّ التاريخ الإسلامي أحد الميادين الرئيسية التي اهتم المستشرق الإنكليزي بدراستها، ومن الممكن أن نحدد محورين رئيسين استحوذا على القدر الأكبر من اهتمامه في ما يخص التاريخ الإسلامي، وهما الخلافة، وسؤال لماذا تخلف المسلمون؟

بالنسبة إلى مسألة الخلافة، تعدّ دراسته لها استكمالاً للجهود البحثية المكثفة التي قام بها العديد من المستشرقين قبله. قام لويس بتحليل التاريخ السياسي عند المسلمين، وخلص من ذلك كله، في كتابه “الإسلام والشيوعية” إلى الإقرار بـ”أن التاريخ الإسلامي لم توجد فيه أية صورةٍ من صور الديمقراطية”.

وفي السياق نفسه، يؤكد لويس أن جميع الحركات الثورية التي طالبت بالتغيير ودعت إلى الخروج على الحاكم الظالم احتذت بالنموذج النبوي، واستلهمت منه فكرة الثورة والحق في العدالة. ولكن على الرغم من ذلك، فإن ذلك الفكر الثوري ظل غريباً وبعيداً عن الفكر الإسلامي التقليدي، ولم يُكتبْ له النجاح أو الاستمرارية.

تلك هي مجمل رؤية لويس للفكر السياسي الإسلامي، ومن الطبيعي أن تلك الرؤية أثارت كثيراً من الانتقادات. ولعل من أهم المفكرين الذين ردوا على لويس في تلك النقطة، المفكر الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد الذي وجه له نقداً لاذعاً في كتابه “الاستشراق”.

أما المحور الثاني، والذي يركز على محاولة إيجاد إجابة على سؤال لماذا تخلف المسلمون؟، فقد تطرق له المستشرق الإنكليزي في كتابه “الغرب والشرق الأوسط”، وسجل سبع نقاطٍ رئيسة فيها اختلاف رئيسي بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، ما أدى في نهاية المطاف إلى حدوث فارق شاسع في عملية التطور بين كلا الجانبين، وبالتالي إلى تخلف العالم الإسلامي.

من تلك النقاط التطور التجاري الكبير الذي حدث في الغرب، ومنها النزعة الفردية وظهور الجماعات الوسيطة، ومنها مكانة المرأة، فالمستشرق الإنكليزي يستدل على ارتفاع مكانة المرأة في الغرب بكون “صاحبة السلطة في بريطانيا كانت امرأة وهي الملكة، بينما عانت المرأة الشرقية المسلمة من تدهور وضعها الاجتماعي”.

أما أهم النقاط السبع التي تطرق لها لويس، فكانت مسألة المشاركة السياسية والديمقراطية. يذكر في كتابه أنه “في إنكلترا على سبيل المثال، كان هناك برلمان منتخب يشارك الملكة في الحكم، أما في الإمبراطورية العثمانية فقد كان السلطان يحكم منفرداً”.

ويخلص لويس بعد عرضه لتلك النقاط إلى “أنه في القرن العشرين، أصبح واضحاً تماماً في الشرق الأوسط وفي جميع البلدان الإسلامية أن الأمور جرت بالفعل على نحو سيئ، فبالمقارنة مع العالم المسيحي، غريمه الأزلي، أصبح العالم الإسلامي فقيراً وضعيفاً وجاهلاً”.

لويس والإسلام المعاصر

لم يكتفِ لويس بلعب دور المستشرق المتخصص في دراسة تاريخ المسلمين فحسب، بل نال الشهرة الأكبر في ميدان دراسة سياسات الشرق الأوسط في العصر الراهن.

في كتابه “أين يكمن الخطأ؟”، يتخذ من لحظة إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924 نقطة بداية للمشكلة الإسلامية في التاريخ المعاصر، خصوصاً وأن تلك اللحظة تزامنت مع قيام الاستعمار الغربي بتقسيم العالم الإسلامي.

يرى لويس أن تصاعد الحسّ القومي بعد سقوط الخلافة، كان محاولة لالتماس هوية جديدة، بعد أن فقدت شعوب المنطقة الرمز الذي يمثل هويتهم الأصلية، الهوية الإسلامية.

ويُعتبر المستشرق الإنكليزي أوّل مَن استخدم مصطلحي “الأصولية الإسلامية” و”الإسلام الراديكالي”، لتوصيف بعض الحركات الإسلامية المتشددة، ثم انتشرت تلك المصطلحات بشكلٍ كبيرٍ على الساحة الإعلامية الغربية، بل استطاعت تلك التوصيفات أن تجد لنفسها مكاناً بارزاً وسط قاموس المصطلحات السياسية المستخدمة في الشرق الأوسط نفسه.

ويؤكد لويس أن تلك الحركات لم تنشأ من داخل الحضارة الإسلامية، تماماً كما أن تعاليم وأفكار هتلر والنازيين لم تنشأ من داخل الحضارة المسيحية، “ولذلك، يجب أن يُنظر إلى تلك الأفكار في إطار السياق الثقافي والديني والتاريخي الخاص بها”.

أما في كتابه “جذور الغضب الإسلامي”، فقد حاول لويس أن يقدم للساسة الغربيين تفسيراً منطقياً للغضب الذي يكنه المسلمون للغرب، فيقول إن أول أسباب هذا الغضب، هو “العداء ضد الإمبريالية الغربية”.

ولكن لويس لا يحصر مبررات الكراهية الإسلامية للغرب في الإمبريالية وحدها، فروسيا مثلاً تحكم قبضتها على ملايين المسلمين في أراضيها وأراضي الدول المجاورة من دون أن ينالها مقدار الغضب نفسه الذي يوجهه المسلمون إلى أوروبا، رغم كون الأخيرة قد تخلت عن جميع مستعمراتها في الشرق الأوسط.

السبب الأهم الذي يسوقه المستشرق البريطاني الأصل هو موقف الغرب الداعم لإسرائيل التي تُعدّ العدو الأول والأكبر للمسلمين جميعاً، ولمّا كانت أمريكا وأوروبا الحلفاء الأقوى لإسرائيل، فمن الطبيعي إذن أن ينالا حظّاً كبيراً من الكراهية من جانب المسلمين.

أما السبب الثالث، فهو كون أمريكا الداعم الرئيسي للأنظمة السياسية العربية الحاكمة، والمكروهة على نطاقٍ واسع من قِبَل الشعوب المحكومة، نتيجة الاستبداد السياسي، وسوء الأحوال الاقتصادية، وغياب حرية الرأي، وتزايد مشكلات الفقر والجهل والمرض.

ورغم كل تلك الجدليات التي تحيط بالعلاقة بين المسلمين وأمريكا، حاول لويس أن ينظر إلى الجانب المشرق، فأكد أن “العالم الإسلامي غير مجمع على رفض الغرب” كما أنه حاول تحسين صورة أمريكا في أعين المسلمين، بتأكيده على أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد بعض الدول الإسلامية هي “حرب ضد الإرهاب، وليست حرباً ضد المسلمين جميعاً”.