الثلاثاء: 21 نوفمبر، 2017 - 02 ربيع الأول 1439 - 02:31 صباحاً
وجوه
الأحد: 5 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

فادي بعاج

أصبح العراقي انتشال التميمي محط أنظار الجميع بمجرد إعلان اسمه كمدير لمهرجان الجونة السينمائي في دورته الأولى، وذلك لأن اختياره جاء مخالفا لتوقعات البعض لكونه عراقي الجنسية وليس مصريا، وهو ما يشكل سابقة هي الأولى من نوعها على صعيد مصر، حيث لم يحدث من قبل في أيّ مهرجان سينمائي مصري أن يتولى إدارته شخص غير مصري، هذا إلى جانب عدم إدراك الغالبية لتاريخه الفني العريق الذي أهّله لشغل هذا المنصب المهم.
سينما عابرة للقارات
شارك التميمي في العديد من المهرجانات السينمائية منها مهرجان “كارلوفي فاري” في التشيك و”كيرالا” في الهند و”الإسماعيلية للأفلام الوثائقية” و”برلين” ومهرجان “لوكارنو” السويسري، كما أنه كان مديرا لبرنامج الأفلام العربية في مهرجان أبوظبي السينمائي لمدة ثمانية أعوام، وانتشال كان أحد المؤسسين لمهرجان روتردام للفيلم العربي، وهو يسافر سنويا أكثر من 25 مرة ليحضر المهرجانات أو الاجتماعات والندوات المتعلقة بالسينما.
عبر التميمي لـ”العرب” عن سعادته بالعمل كمدير لمهرجان الجونة الذي عُقد بين 22 و29 سبتمبر 2017 وأضاف “جاء الوقت المناسب بعد العمل لمدة ثلاثين عاما في المجال السينمائي وبعد تبوؤ مناصب عدة في المهرجانات العالمية، لأصبح مديرا لمهرجان دولي بمقاييس عالمية له صلة وثيقة بالسينما المصرية التي أعشقها منذ الصغر”، كما أبدى ارتياحه بالعمل مع شباب مصريين خلال الفعاليات وذكر أن أكثر ما أثار قلقه عند تأسيس مهرجان الجونة السينمائي هو عدم وجود دور عرض مجهزة من حيث المساحة والتقنيات، ولذلك قام بالإشراف المباشر على تنظيم دور عرض بالمواصفات المطلوبة، لتكون الجونة مدينة مستعدة لمهرجان سينمائي.
يكشف التميمي لـ”العرب” عن أنّه لم يكن خائفا من الانتقادات كونه شخصية أجنبية تترأس مهرجانا مصريا لأول مرة، وقال “حصلت على دعم كبير من قبل مؤسس المهرجان رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس المعروف بمواقفه الصارمة فحين يقتنع بأمر ما يدافع عنه حتى النهاية”. علاوة على استناده إلى علاقاته المميزة التي تربطه بالوسط السينمائي العالمي على اختلاف مستوياته، مشيرا إلى أن هناك سياقا دوليا حاليا بأن السينما عابرة للقارات.
انتشال التميمي يقول لـ”العرب” إنه سعيد بالتجربة الجديدة التي يخوضها بالعمل كمدير لمهرجان الجونة الذي عقد بين 22 و29 سبتمبر 2017 ويضيف “جاء الوقت المناسب بعد العمل لمدة ثلاثين عاما في المجال السينمائي وبعد تبوؤ مناصب عدة في المهرجانات العالمية لأصبح مديرا لمهرجان دولي بمقاييس عالمية له صلة وثيقة بالسينما المصرية التي أعشقها منذ الصغر”
يرى التميمي أن وجود مهرجانات مثل الجونة له أهمية بالغة بتشجيع صناعة السينما في العالم العربي وبتشجيع الشباب من المنتجين الذين ساعدتهم بعض المؤسسات في التمويل، كما أن المهرجانات تقوم بإعطاء فرص للمواهب الجديدة إلى جانب المنتجين المستقلين.
الصحافي والسينما
ويستذكر التميمي تجربته الشخصية عند التقديم لعمل مهرجان روتردام لأول مرة، قائلًا “إنه كان مجرد مغامر أراد التسويق للأفلام العربية في الخارج، وبالفعل نجح في زرع الاهتمام في بعض الدول بالسينما العربية، وهو الآن مستعد لمغامرة جديدة، لافتًا لأهمية تعاون المهرجانات السينمائية العربية مع بعضها مثل مهرجان القاهرة وقرطاج ودبي السينمائي الدولي”.
التميمي شدد على أهمية وجود مهرجان سينمائي في كل مدينة جميلة لتعريف العالم بها، وإظهار أنها على استعداد للتواصل مع الآخر، وبالنسبة إليه “الجونة” مثلها مثل “كان” الفرنسية و”لوكارنو” السويسرية، أما خصوصيتها فحُددت في اللقاء الأول الذي جمعه مع مؤسس مهرجانها نجيب ساويرس وبقية الفريق المهيئ للمشروع، وكان التصور ومنذ اللحظة الأولى واضحاً كما يقول التميمي “أردنا أن يكون المهرجان شاباً يشبه المدينة الشابة التي ينظّم فيها وينسجم مع طبيعتها كمدينة أطراف ساحلية، لذلك فإن صيغة تكوين المهرجان بُنيت على هذا الأساس على طبيعتها الجغرافية وعلى عدد المرافق الثقافية المتاحة فيها وتم تصميم المهرجان وفقها ووفق خبرة تجارب مشابهة على كل المستويات”.
يعتبر التميمي أنه نجح منذ اليوم الأول من مهرجان الجونة حين نظم حفل افتتاح كبير ومراسم “السجادة الحمراء” على الطراز الدولي، ويضيف لـ”العرب” إن هذا “لم يحدث من 67 عاما حينما كان ميلاد أول مهرجان سينمائي عربي أن حصل مثل هذا الافتتاح الكبير ولم يتم أيضا برمجة جداول متنوعة ومميزة للحضور، وإقامة ندوات مناقشة بعيدة عن الملل بل مبينة على المشاركة الحية بين الصحافة والجمهور والنجوم وصناع السينما، كلهم سوية”.

سينمائي يلاحق العروض الفنية
بدأ التميمي العمل في الصحافة في وقت مبكر تبعا لعمله الحزبي الذي سبق ذلك، فبسبب هجمة أمنيّة شملت معظم مسؤولي العمل الطلابي من الشيوعيين عام 1971 في العراق وجد نفسه وهو في الصف الرابع الإعدادي مسؤولاً عن التنظيم في مدرسته، وبعد أربعة أشهر أصبح قيادياً مسؤولاً عن عدد من المدارس وأضاف له ذلك الكثير من المهارات لكنّه أخذ منه تفوّقه الدراسي إذ أنّه لم يتخطَّ المرحلة الثانوية إلا بعد ثلاث سنوات.
عمل في قسم التصميم بجريدة الحزب الشيوعي “طريق الشعب” وأصبح على تماس مباشر مع أبرز الصحافيين والمثقفين والأدباء منهم فالح عبدالجبار وصادق الصائغ وسعدي يوسف وفاطمة المحسن ورشدي العامل وزهير الجزائري وغيرهم.
مارس في “طريق الشعب” الكثير من الأشياء إلى جانب التعرف إلى أسرار التصميم، منها ملاحقة العروض المسرحية والسينمائية، وكان عليه أن يشاهد فيلماً مثل “زد” لغوستا غافراس لأكثر من عشر مرات، ليس لأنّه يريد التعرف على خصائصه الفنية بل لأنّه كان مجبراً على اصطحاب عدد من أنصار الحزب للترويج لهذا النمط من الأفلام.
بعد سنوات مريرة قضاها في الخدمة العسكرية هرب التميمي إلى بيروت وهناك عمل في صحف المقاومة الفلسطينية وتعرّف إلى مجموعة من مثقفي لبنان أمثال إميل منعم وخالد الهبر وحسين ماضي، وخلال سنة ونصف سنة قضاها في بيروت كان يذهب يومياً إلى السينما ليشاهد ويتعرّف على أجمل أفلام فيلليني وودي ألن وفاسبندر وكيوبريك.
عين المصور الفوتوغرافي
في لبنان انصب اهتمام التميمي على التصوير الفوتوغرافي والتقط الكثير من الصور لأشهر الشخصيّات الثقافية العربية من أمثال محمد مهدي الجواهري وسعدالله ونوس وصنع الله إبراهيم ومحمد الماغوط ومحمد شكري وغائب طعمة فرمان، حتى إنّ صوره لفرمان تعدّ الصور الوحيدة الاحترافية التي التقطت لهذا الأديب العراقي، يقول التميمي “صوّرت شخصيات غنية بالمعرفة منهم من كان شابا وأصبح عجوزا، ومنهم من توفّي تاركا وراءه إرثا ثقافيا كبيرا، وكم أتذكر تلك الأيام الجميلة التي جمعتني معهم عند تصفح ألبومات الصور الخاصة بهم”.
خبرة التميمي الطويلة في المجال السينمائي سمحت له أن يكون مبرمجا سينمائيا وهي المهنة الشائعة في الغرب وشبه المجهولة عربيا
أقام التميمي معارض فوتوغرافية عديدة في بيروت وبرلين وبروكسل ودمشق والقاهرة لكنّه لم يعد حالياً متفرغاً للتصوير لأن السينما ومهرجاناتها وعروضها شغلته عن كل شيء.
كان قد درس الصحافة في جامعة موسكو وتخرّج منها عام 1986 لكنه يقول إنه لم يستفد من ذلك بتاتا إلا أن وجوده في موسكو في تلك الفترة ساعده كثيرا للولوج إلى عالم السينما وخباياه، حيث كان يذهب إلى معهد السينما لمدة سنتين درس فيهما أبحاث عديدة واكتشف تفاصيل تختص بإدارة المهرجانات وبرمجتها.
المبرمج السينمائي
خبرة التميمي الطويلة في المجال السينمائي سمحت له أن يكون مبرمجا سينمائيا وهي المهنة الشائعة في الغرب وشبه المجهولة عربيا، ويشرح انتشال لـ”العرب” ماهية هذه المهنة بالقول “البرمجة السينمائية تتلخص بكونها ابتكارا وإعدادا لبرامج المهرجانات السينمائية وتقديما لجداول وتظاهرات متطورة وغير نمطية، وأنا سبق لي العمل في برمجة الكثير من المهرجانات، منها في مهرجان أوشيان سينافان في دلهي ومهرجان سنغافورة وألوان في نيويورك وغيرها من المهرجانات”.
يخصص أكثر وقته لمهرجان “روتردام للفيلم العربي”، كما يعمل مستشاراً لمهرجان “روتردام الدولي” نظرا لإقامته الدائمة في هولندا، يقول عن مهرجان “روتردام” إنّه أصبح أشبه بـ”كتالوغ” للسينما العربية في كل عام، ولم يعد يقتصر على عرض الأفلام الجديدة الروائية والوثائقية فقط، بل استوعب أهمّ الأفلام المنتجة خلال العشرين سنة الماضية، من خلال تظاهراته المختلفة، وأصبح جسراً لهذه الأفلام إلى المهرجانات العالمية.
بدأت فكرة المهرجان كما يستذكر التميمي عام 2001 مع اختيار روتردام عاصمة للثقافة الأوروبية، وكانت هناك فرصة لتمويل نشاطات عدة، حينها قدّم صديقه خالد شوكت اقتراحاً جرى قبوله لإقامة مهرجان للفيلم العربي، وكان متوقعاً أن يقام المهرجان لمرة واحدة لكنّ نجاحه الكبير أدى إلى إقامته مرة أخرى.
بدا المهرجان في السنة التالية كبيراً، كما يقول، بلجنة تحكيم يرأسها التشيلي ميغيل ليتين وببرنامج متعدد وحضور جماهيري مكثف، وقد استمر منذ ذلك الحين بمختلف فعالياته.

التميمي له مشاركات سابقة في العديد من المهرجانات السينمائية منها مهرجان “كارلوفي فاري” في التشيك و”كيرالا” في الهند و”الإسماعيلية للأفلام الوثائقية” وغيره
تراجع الإنتاج السينمائي
يعتقد التميمي أن الدعم المالي هو العامل الأهم في استمرار أيّ مهرجان أو فعالية كبيرة تتطلب حضورا وأماكن لعرض الفعاليات، ولا يختلف مهرجان روتردام عن سواه فقد حصل على دعم من بلدية روتردام ولجنة جائزة الأمير كلاوس والأمير برنارد بالإضافة لمؤسسات أخرى، لكن لا يوجد أيّ دعم مالي عربي بالرغم من أن المهرجان مخصص للأفلام العربية، ومن هذا المنطلق يدعو التميمي المؤسسات الثقافية والدبلوماسية العربية لدعم كل مبادرة عربية خارج الوطن العربي.
يضيف السينمائي العراقي أنّ المهرجانات مراكز ضرورية لعقد الصفقات وترويج الصناعة السينمائية، مثلما هي ضرورية للتعرف إلى أبرز الاتجاهات والرؤى الخاصة بمبتكري الأفلام، ويبرز انتشال أمثلة عدة عن تلك الأهمية، منها مهرجان “البندقية” الذي اكتشف السينما الإيرانية و”مهرجان روتردام” الذي عرَّف بالسينما الكورية.
لا يضع التميمي أيّ مسؤولية على عاتق أحداث الربيع العربي بسبب ضعف الإنتاج السينمائي في الدول العربية، موضحاً أنه خلال السنوات العشر الماضية كان هناك تراجع في الإنتاج السنوي من الأفلام، لعبت المشكلات الإنتاجية دوراً كبيراً فيه، وفي ما يخص الأفلام التي تتناول الربيع العربي اعتبر التميمي أن الفسحة الزمنية قد تعطي فرصة لصناعة أكثر قيمة وبعناصر فنية أكبر ممّا قدّم، وباعتقاده أن السنوات وربما العقود المقبلة ستشهد تغطية أحداث هذه الفترة سينمائياً بشكل جيد وكبير، ويبرز التميمي فيلم “العودة إلى حمص” مثالا على ذلك، الذي عُرض في عدة مهرجانات عالمية واستغرق الإعداد له فترة طويلة نسبيا.
عاد التميمي إلى العراق بعد ربع قرن من الترحال ليساعد في نهوض السينما هناك، حيث شارك في إقامة برنامج “طريق الحرير الساخن” الذي يعرض أفلاماً عراقية، كما يعمل بشكل دائم على دعم الأفلام العراقية بالخارج، حيث استطاع حتى الآن برمجة أكثر من مئتي تظاهرة للسينما العراقية في مهرجانات عديدة حول العالم، لكنه في الوقت ذاته يبدي حزنه الشديد بسبب ما تعانيه السينما العراقية من أزمات، والاعتماد على المحاولات الفردية هو سيد الموقف، والمشكلة الأساسية برأي التميمي أن صناديق الدعم بدأت تتلاشى وهو ما يؤثر سلبيا على السينما.
يختم التميمي حديثه بالقول إنه آن الأوان ليضع العرب من صناع السينما علامتهم بسبب التفات العالم لهذه المنطقة من بعد الربيع العربي ووجود اختلاف في التذوق الفني للأفلام وعودة الفيلم الوثائقي، وهذا ما عمل التميمي على إبرازه في مهرجان الجونة السينمائي.