الثلاثاء: 26 يناير، 2021 - 11 جمادى الثانية 1442 - 10:40 مساءً
سلة الاخبار
الجمعة: 10 مارس، 2017

غيث التميمي 

لندن ، في 10 / 3 2017

 

طالما كنت شغوفا  بفكر العلامة الفقيه المرجع الديني اللبناني السيد محمد حسين فضل الله مثل جميع المهتمين بالشؤون،  الدينية من أبناء جيلي في التسعينات، وقد عرضت نفسي للخطر مرارا وتكرارا من خلال ( استنساخ ) كتبه الممنوعة آنذاك وتوزيعها، خصوصا كتب دنيا الشباب ودنيا المرأة ومثيلاتها من الكتب ذات السبعة التجديدية للدين. جمعتني مع المرجع الراحل حوارات في شؤون الدين والسياسة وكان بلا شك شخصية مؤثرة، مثقف واسع الاطلاع بالمجتمع العراقي، ضليع في علوم اللغة وآدابها، وكان شاعرا مرهفا أهداني ديوانه الشعري.

 يخال من يتعرف على فضل الله ان منهجه الديني يؤسس للسلم المجتمعي ويعزز العقلانية الدينية، وهذا صحيح في حدود انتماء فضل الله للمدرسة الإصلاحية الاسلامية، وهي  وان أسست لعقلانية في التفكير الديني من جهة الا انها فرطت بالبعد الروحي له، وحولت الدين من ( ايمان بالغيب ) الى اعتقادات برؤية شمولية وأيديولوجيا توازي العلم والمعرفة، ما أدى لإنتاج تديّن خارج فضاء الايمان الروحي والوجداني.

 فضل الله والافغاني والمودودي وقطب والغزالي والخميني وشريعتي والصدر البنّا لا يقدمون للناس تجارب روحية تعمق السلام الروحي، ولا يطمئنون القلق الوجودي بقدر تعميقهم مطبات سؤال الوعي في المجال الروحي.

 القرآن وصّف الصِّلة على انها ايمان (يؤمنون ) والايمان مجاله القبول وليس القناعة ( بالغيب ) لكن فضل الله ومدرسة الإصلاحيين يفترضونها صلة معرفية، متجاهلين ان الايمان بالغيب لايمكن ان يفسر ( الاعتقاد بالمعلوم) ويصيّر المجال الديني معرفيا.

 لا تكمن خطورة منهج فضل الله في عقلانيته، ومواجهته للخرافة اطلاقا، ولكن اعتبار العقلانية الدينية معالجة موضوعية لمواجهة الجهل والعنف الديني خطا فادح، لان التسليم الروحي للخرافة والأمور الغيبية نزعة إنسانية طبيعية، خطورة المنهج الاصلاحي انه يطرح الدين كنظرية منافسة لنظريات وضعية بشرية وتوصف الجدل الناتج عن ذلك بالحرب بين الله والكفار.

 أهمية تجربة المفكرين الإصلاحيين في عقلانيتها وتماهي نتائجها مع الجماعات الجهادية، كونها بيئة منتجة للتطرف بالضرورة، لذلك ينبغي إشباعها بحثا وتحليلا ونقدا وتفكيكا، لكن منع اللجنة المشرفة على معرض الكتاب في النجف لكتب فضل الله فعل مخيف اذا كان بقرار مؤسسي، فالنجف ( الفقهية ) مطالبة بتقديم قراءة نقدية للفكر الاسلامي في مجالات الفلسفة وعلم الكلام والتصوف الطرقّي فضلا عن المناهج النقدية الحديثة التي تناولت موضوعات الدين مثل العلوم الانسانية واللسانيات وغيرها.

 منع كتب فضل الله مخيف لأننا تجاوزنا رؤيته في مساحات كبيرة وأصبحت افكار فضل الله قديمة ومستهلكة وفاقدة للديناميكية بعد فشل الحركات الاسلامية في حكم العراق ومصر وتحالفها مع أنظمة مستبدة دكتاتورية علمانية، واستخدامها العنف المفرط في فرض عقيدتها، وتبنيها سلوكا ميكافيليا ،أكد ان الأخلاق ليست نزعة أصيلة في هذه الحركات بل غلاف دعوي، بينما الرسول الكريم يعتبر ان هدف البعثة إتمام مكارم الأخلاق.