الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 02:07 صباحاً
بانوراما
الأربعاء: 4 ديسمبر، 2019

ابراهيم عطا الله

كنت أحد أبناء الجيل الذي شهد ما تبقى من طقوس أسبوع الزفاف وليلة الدخلة، في قرى ونجوع صعيد مصر، فترة نشأتي الأولى، قبل  غزو الهواتف المحمولة الذكية، والشبكة العنكبوتية.

حضرتُ فرحة “التفصيل” بمنزل العروسة، و”حموم الشوك” بمندرة العريس، وطقوس “القُلة” و”الدلّة” مساء ليلة الدخلة.

ذكريات بحلوها ومرّها تلاشت تقريباً، عادات الليلة الكبيرة، وظلت ذكريات من كان بطلاً لإحداها، تجد طريقاً نحو حكاوي العصرية، وجلسات مصاطب الطين، التي لا تخلو منها البيوت المطلة على المزارع الكبيرة في قرى الصعيد.

تجهيز العريس

في بيت العريس، التجهيز للزفاف بدأ بالفعل قبل شهور، فوالدته اشترت الأقمشة لعروسه من “المجانة”، وهو المسمى الذي يطلقونه على السيدة التي تطرق أبوابهم في النجوع، قادمة من “البندر” أو المدينة، لتبيع القماش بالآجل، أي تأخذ المقابل في أجل مسمَّى، اعتماداً على مواسم دخول المحاصيل الزراعية، بعد جمع القمح أو الذرة.

وقبل حوالي 15 يوماً من “الليلة الكبيرة”، يحتفل أهل العريس بـ”التفصيل”، يوضّح مغربي زروق (53 عاماً)، ابن قرية أبودياب شرق بمحافظة قنا، قائلاً: “في السبعينيات وحتى بداية التسعينيات، كان قماش العروسة “التفصيل” عبارة عن 8 قطع، تصلح لأن تكون جلاليب لها، و4 آخرين كقمصان نوم، وتحتفي أم العريس برفقة نساء عائلتها، بكل قطعة منهم على حدة، على نغمات الطار، في نهار يوم كامل يسمى يوم التفصيل، ينتهي ليلاً باحتفال آخر في منزل العروسة”.

 

اقوال جاهزة

“لمدة أسبوع كامل تقيم مطربة الفرح بالمنزل، وتتفرغ لمهمتين: ترقّص العروسة، وتسمعها كلمات أغانيها بإيحاءات جنسية، بهدف تشجيعها على استقبال حياة جديدة، الجنس فيها ركن رئيسي”

“كانت الزوجة تظل محتشمة أثناء ممارسة العلاقة الجنسية؛ اعتقاداً منها بأنه لا يجب أن تتجرد من كامل ملابسها، عيب، والأوضاع الجنسية مقتصرة على وضع واحد، كان ممنوعاً أن يقترب الرجل من صدر زوجته، والاعتقاد السائد أنه فيه لبن للعيال”

 

اختر “عمك” قبل ليلة الدخلة

أمام العريس أسبوع واحد على زفافه، وكل ما تبقى هو اختيار رفيقه أو “عمّه”، والاغتسال الذي يسمونه “حموم يوم الدخلة”.

يروى زروق لرصيف22: “قبل الفرح بـ5 أيام مثلاً يسألونك من تختار أن يكون عمّك؟ وهو شخص تختاره ليكون بمثابة ظلك خلال أسبوع الفرح، تأكل وتشرب معه، نوع من الاحتفاء والونس، بعضنا كان يجاوب بأن عمّه هو ذراعه، ما يعني أنك لا تختار رفيقاً محدداً ولكن تستأنس بالجميع”.

صباح يوم الزفاف، داخل ساحة استقبال الزائرين (المندرة)، يتجرّد العريس علانية من ملابسه للاستحمام، ويلجأ أقرانه وأصدقاؤه لاستخدام شوك النخيل في وخز ظهره حد خروج الدم، يفسر زروق قائلاً: “هي عادة، هدفها ألا يستطيع العريس النوم على ظهره طوال أيام زفافه الأولى، بل يكون معتلياً عروسه باستمرار، دليل قوة قدرته الجنسية وسيطرته الذكورية”.

صباح يوم الزفاف يتجرّد العريس علانية من ملابسه للاستحمام، ويلجأ أقرانه وأصدقاؤه لاستخدام شوك النخيل في وخز ظهره حتى خروج الدم.

وكانت المنشدة تغني في العرس:

 

– العقرب فين يا دكتورة

= بين القميص والتنورة

– حط يده على شعري

= ياما يا شعري

– حط يده على صدري

= ياما يا صدري

– قولتله انزل شوية

أما في بيت العروسة وقبل الزفاف بأسبوع، يتم الاستعانة بخدمات سيدتين لاكتمال فرحة الزفاف، هما مطربة الفرح والقابلة/الداية، وإلا أصبح العرس “ماسخاً”،  لا طعم له، وتظل ذكرى احتفال العروسين به موصومة باللاطعم.

ولكن المهمة تبدأ بالبحث عن “الطار” المصنوع من جلد الماعز لدى الجيران، الذي يمنح “رنة صوت” لا مثيل لها بعد تسخينه على النار، واستئجاره مقابل ملئه بالكحك والحلوى والفول السوداني.

تهيئة العروس للحياة الجنسية

يقول محمد عبدربه (61 عاماً)، موظف بالري، ابن نجع الشرابلة بمركز دشنا في محافظة “قنا”، لرصيف22: “لمدة أسبوع كامل تقيم مطربة الفرح بالمنزل وتتفرغ لمهمتين: ترقّص العروسة، وتسمعها كلمات أغانيها التي لا تخلو من إيحاءات جنسية صريحة، بهدف تشجيعها ومساعدتها على استقبال حياة جديدة، الجنس فيها ركن رئيسي”.

ويضيف عبدربه: “لكل من العروسة والعريس قابلة/ داية، كانت مسؤولة عن ولادتهما في فترة لم نعرف فيها المستشفيات والولادة القيصرية بعد، ومن العرف والالتزام أن القابلة تحضر فرح من ولد على يديها، ويتجلّى دورها الحقيقي مع الفتاة المقبلة على الزفاف”.

تتولى قابلة العروسة، في الأيام الأولى، حمومها يومياً، وإزالة الشعر من جسدها بـ”الحلاوة” المصنوعة من الليمون والسكّر المغلي، ثم ترطيب جسدها بقشر “الترمس”، وصولاً ليوم الحنة ورسم (نخلة) على يديها، اعتقاداً وتمنياً بسعادتها لوقت طويل، وقديماً كان سعف النخل يرمز في المعابد الفرعونية إلى الحياة الطويلة.

وفي صباح يوم الزفاف تقوم بتجهيزها، قبيل المغرب، في شكلها النهائي، حتى استخدام قشر “الرمان” ليجعل من خدودها حمراء.

وتغني المنشدة:

ياما ياما

السيد رابط بره

أول ما دخل، دخل عليا

دخلني الأوضة

لبسني الموضة

واتكل على الله

مساء يوم الدخلة، تصل العروسة إلى منزلها الجديد ملفوفة في “ملاية”. وعند عتبة المنزل يتولى شقيقها مهمة حملها إلى ساحة الاحتفال بالدخلة، في الوقت الذي ينشغل فيه العريس بأداء واجبه تجاه معازيم الفرح في “المندرة”، حيث يستقبل زواره بالسلامات والأحضان وإجبارهم على العشاء.

يغيب والد العروسة ووالدتها عن احتفالات يوم الدخلة ببيت العريس، لينتهي دورهم، يوضح رضا شعبان (57 عاماً)، ابن قبيلة أولاد يحيى بمحافظة قنا، قائلاً: “يظلون لفترة لا يرون ابنتهم بعد زواجها، لأنهم ينظرون لزواجها على أنه (كَسرة عين)، وهو الأمر ذاته الذي يجعلهم يحبذون خلفة الذكور، كما أن شقيقها ينتظر، في قلق وترقب، داخل المندرة إلى أن يسمع صوت طلقتي رصاص، وهو ما يعني أن العروسة كانت بكراً إلى أن دخل بها عريسها، ليرحل”.

“القُلة” و”الدلّة” طقوس أساسية للاحتفال بليلة الدخلة بين العروسين. يذكرها شعبان لرصيف22: “تشرب العروسة من قلة مياه وتحتفظ بملء فمها منه ليشرب بعدها العريس، ومن يتمكن منهما من رَشّ المياه على وجه الآخر بسرعة، فهذا يعني أنه أو أنها ستسيطر عليه طيلة فترة الزواج، أما “الدلّة” فهو أن يقوم العريس بتجميع عملات معدنية قبل الزفاف، على أن يستخدمها ليلة الدخلة بوضعها على مقدمة رأس عروسه واحدة تلو الأخرى، تقديراً وتدليلاً لحياتها معه”.

“من يتمكن منهما من “رَشّ” المياه على وجه الآخر بسرعة، فهذا يعني أنه أو أنها ستسيطر عليه طيلة فترة الزواج”.

تدخل العروسة غرفتها برفقة “القابلة”، التي تساند العريس في بطولة فتح غشاء البكارة، فيما يأتي دور “الزغتة” حيث يقوم كل الحاضرين أمام غرفة الزواج بالطبل والرقص والتصفيق، لمدة 10 أو 15 دقيقة على الأكثر، حتى لا يتمكن أحداً منهم من سماع صوت “صراخ” العروسة.

وتتولى القابلة إزاحة فستان الفرح المصنوع من قماش الساتان عنها، لتصبح بقميص نوم. يكمل شعبان: “هو ليس قميص نوم بالشكل الحالي، هو ثوب نصف كم، محتشم، ثم تنادي القابلة على العريس ليدخل، بعدما تتمكن من رفع ساقي العروسة، وضم يديها لتقبض عليهما من أعلى رأسها، وما هي إلا دقائق قليلة حتى يتمكن العريس من لّف طرف شاشه الأبيض على ظفر إصبعه الخنصر ويقوم بفتح غشاء بكارة عروسه ليخرج ملوحاً بآثار دمائها في وجه الحاضرين”.

كان المشهد السابق حاضراً بقوة حتى منتصف وأواخر الثمانينيات إلى أن تغيّر لاحقاً. يقول شعبان: “بهذا ينتهي دور القابلة، فتتركها لزوجها لمدة 10 دقائق، دون أن تشهد عملية فتح غشاء البكارة معهم، على أن تقوم القابلة، برفقة شقيقة العروسة -شرط أن تكون متزوجة- في تجهيز الماء الساخن والطشت ومساعدة العروسة في اغتسالها الأول بعد الزواج”.

 

الاحتفال بالعرس مع الأموات

الاحتفال بالعرس مع الأموات كان شرط اكتمال طقوس الزفاف، وهو ما يوضحه شعبان لـرصيف22 قائلاً: “كان من العرف أن تكون ليلة الدخلة يوم خميس حتى يتسنى للعريس زيارة المقابر وأضرحة أولياء الله الصالحين بقريته في يوم الصباحية، ليحصل على الأحجبة والتمائم من العاملين عليها”.

ولمدة 4 أيام على الأقل، يظل العريس مفصولاً عن زوجته بعد فض غشاء بكارتها. يكمل شعبان: “لم تكن أدوية ليلة الدخلة متاحة، فقط يتم الاستعانة بوصفات توارثتها السيدات عن أمهاتهن، مثل استخدام بخور، وهو عبارة عن خليط من حبات المستكة والشبّة ولبان الدكر وروث كلب، تستقبل العروسة دخانه نحو فرجها، إضافة إلى الاغتسال بحشائش النجيل المغلية في الماء”.

ظل استخدام العضو الذكري في فض غشاء البكارة أشبه بأن يكون محرماً حتى بداية التسعينيات. يُتابع شعبان قائلاً: “أصبح لدينا جيل من الشباب حظي بقدر من التعليم والتجارب، نتيجة السفر إلى مُدن ومحافظات بحري ودول الشام والخليج بحثاً عن لقمة العيش، وهذا الجيل تمرّد على عادات القابلة والدخلة البلدي، فتحجم دورها حتى تلاشت مؤخراً، ثم تمرد على الزواج في غرفة بمنزل ضيق، فبدأت تقاليع شقة مخصصة للزواج ومعها براح من الخصوصية في حياة الزوجين”.

 

العلاقة الجنسية

“لا هي كانت عندها أنوثة، ولا هو كان بيفهم يتعامل إزاي مع أنثى”،  يقول مغربي زروق، مقارناً العلاقة الجنسية بين العروسين في قرى ونجوع الصعيد الجواني قديماً بالحاضر.

ويُضيف صاحب الخمسين ربيعاً: “كانت الزوجة تظل محتشمة أثناء ممارسة العلاقة الجنسية، اعتقاداً منها بأنه لا يجب أن تتجرد من كامل ملابسها، لإنه عيب، والأوضاع الجنسية مقتصرة على وضع واحد، كان ممنوعاً أن يقترب الرجل من صدر زوجته، والاعتقاد السائد أنه فيه لبن للعيال، حالياً الزمن تغيّر، وتلك المفاهيم والاعتقادات تغيرت بعد التليفزيون والتليفون، وبتنا نقلّد ما نراه في الشاشات”.

وبصوت لين، مملوء بالحنين، يتذكر محمد عبدربه، طقوس ليلة الدخلة والزفاف في الماضي، لرصيف22، قائلاً: “كانت أيام حلوة”.

يضيف موضحاً: “كان الزواج بطشت وحلّة وحصيرة، والنفوس تشعر بالراحة، أما الآن الزواج شبكة ومهر وشقة وخشب وصيني، ومفيش راحة، في القرية قد تكون تلك الأمور أقل حدة عن مثيلتها في المدينة، لكن الآلة غلبتنا جميعاً في النهاية”