السبت: 23 مارس، 2019 - 16 رجب 1440 - 09:17 صباحاً
بانوراما
الخميس: 14 مارس، 2019

عواجل برس/متابعة 

لا شك أن رياضة الملاكمة تنطوي على الكثير من جوانب “الخشونة” والعنف، ولعلّ حلبة المصارعة هي آخر مكانٍ يتخيله أحد أن يكون “الملاذ” الذي يلجأ إليه أي شخص، ولكن يبدو أن هذه الرياضة تستهوي الشابات العراقيات اللواتي يبحثن عن وسيلةٍ معيّنةٍ لتفريغ طاقاتهنّ وللتعبير عن غضبهنّ جرّاء الوضع المعيشي والنفسي الصعب الذي يعشن تحت ثقله.

ففي أحد مُخيّمات إقليم كردستان في شمال العراق، قررت 15 شابة تراوح أعمارهنّ بين 12 و28 عاماً، خوض غمار الملاكمة بعد أن نجحن في الفرار من براثن داعش وفظاعته التي يرتكبها بحق النساء على وجه الخصوص، سواء كان ذلك عن طريق الاتجار بهنّ واغتصابهنّ أو تعنيفهنّ.

الأمل مع اللوتس

“مرنة وقوية، تنمو زهرة اللوتس في المياه الموحلة حيث تفتح أزهارها بشكلٍ جميل”.

في عام 2014، تأسست جمعية Lotus Flower البريطانية بهدف الاستجابة للأزمات الإنسانية التي تحصل في كردستان، شمال العراق وخاصة تلك التي تُواجه الفتيات والسيدات.

وأطلقت في أكتوبر 2018 برنامجاً تجريبياً في العراق تحت اسم Boxing Sisters، بالتعاون مع الملاكمة البريطانية المحترفة كاثي براون، التي ستجول على بعض المراكز في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام لتدريب النساء على فنون الملاكمة والدفاع عن النفس.

تهدف المبادرة إلى مساعدة “الناجيات” على التخلص من التوتر، واستعادة الثقة بالنفس والاستمتاع بلحظات ٍمن “العزلة”، بعيداً عن نحو 3000 عائلة يزيدية لاجئة تعيش على مقربةٍ من المخيم.

تعليقاً على هذه المبادرة، تقول مؤسسة الجمعية تابان شوريش:”الملاكمة هي وسيلة رائعة لتوجيه طاقاتهنّ واستعادة الثقة بأنفسهنّ”، وتتابع:” في حال لم تتدرب النساء على الملاكمة، فإنهنّ سيبقين محتجزات 24 ساعة في اليوم، وطوال 7 أيام في الأسبوع من دون وجود أيّ شيءٍ للقيام به”.

أما عن سبب اختيار الملاكمة دون سواها، فالجواب قد يكون في الفوائد الكثيرة التي تحملها هذه الرياضة والتي تتجاوز حدود اللياقة البدنية:

  • لعبة ذهنية كالشطرنج: من خلال الملاكمة يتعلم المرء الإستراتيجية والتركيز. فمن أجل تحقيق الفوز، يجب على الفرد أن يشيح بنظره عن العالم الخارجي للتركيز على الخصم.

  • وسيلة لتخفيف التوتر: تعمل الملاكمة على تحفيز الأندورفين، وهو الأفيون الطبيعي الذي ينتجه الجسم للتخفيف من التوتر وتعزيز الشعور بالسعادة.

  • زيادة الثقة بالنفس وبالقوة البدنية: من خلال تعلم تقنيات الدفاع عن النفس، تكتسب النساء المزيد من الثقة لعلمهنّ بأنه بات بوسعهنّ الدفاع عن أنفسهنّ.

  • الانخراط في المجتمع: إن الملاكم لا يتدرب بمفرده، فلديه دائماً مدرب وشريك ينافسه على الفوز، وبالتالي من خلال هذه الرياضة تعمل النساء على بناء صداقاتٍ وشبكات دعم، كما يصبح بامكانهنّ التحدث بحريةٍ بعضهنّ مع بعض وتبادل الخبرات المشتركة من دون خوف والمساعدة على التعافي من الصدمات.

باختصار يمكن القول إن رياضة الملاكمة تبرز الروح القتالية في نفوس هؤلاء الناجيات وتحثهنّ على المضي قدماُ في حياتهنّ، وهو أمر تؤكده الشابة حسنة (17 عاماً) التي نجحت في الفرار من “كابوس” داعش وقررت أن تتعلم الملاكمة للدفاع عن نفسها وجعل جسدها وروحها أقوى:”عندما هاجمنا داعش، ازدادت رغبتي في تعلم الملاكمة، لكوني أردت أن أتعلم كيف أقاتل، وبالرغم من أنني أعلم بأنه من الصعب الوقوف أمام شخصٍ يحمل السلاح إلا أنني متاكدة أنه سنحدث فرقاً في حال عرفنا كيف نرد على داعش”.

من هنا تعتبر حسنة أن الملاكمة توفر “الدعم والمساحة الآمنة التي نحتاج إليها حقاً للتغلب على اكتئابنا بعد الفظائع الكبيرة التي عانينا منها”، على حدّ قولها، مضيفةً لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية:” تحتاج النساء إلى التغلب على الشعور بالخوف والعار. نحن نكسر المعايير التقليدية التي تعتبر أن النساء قد خُلقن من أجل الطبخ وتنظيف المنزل. نحن بحاجةٍ لكي نكون أقوى وواثقات بأنفسنا، ومن خلال الملاكمة يتم تحقيق ذلك”.

ما سبب اختيار الملاكمة دون سواها لمُعالجة ضحايا داعش؟
“عندما هاجمنا داعش، ازدادت رغبتي في تعلم الملاكمة رغم علمي بأنه من الصعب الوقوف أمام شخصٍ يحمل السلاح”..

في أحد مُخيّمات إقليم كردستان في شمال العراق، قررت 15 شابة تراوح أعمارهنّ بين 12 و28 عاماً، خوض غمار الملاكمة بعد أن نجحن في الفرار من براثن داعش وفظاعته..

النجاة من أفظع الجرائم

عودة إلى الماضي قليلاً.. عندما شنّ داعش هجومه المسلّح عام 2016 على منطقة سنجار، معقل الطائفة الأيزيدية، تعرض الآلاف من الأشخاص لـ “أفظع الجرائم التي يمكن تخيّلها”، حسب وصف الأمم المتحدة، ومنذ ذلك الوقت، بات مخيم روانجا للاجئين في كردستان، يؤوي أكثر من 15 ألف نازحٍ، غالبيتهم أيزيديون.

ومن بين الممارسات المجحفة التي قام بها المسلّحون: فصل الرجال عن النساء وإخضاع الفتيات الصغيرات لفحص العذرية (لا أساس علمياً أو طبياً له بحسب منظمة الصحة العالمية)، إلى جانب بيع الكثيرات منهنّ بأسعارٍ “زهيدة”، الأمر الذي دفع المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك من أجل المطالبة بحماية هؤلاء الأشخاص واعطائهم فرصةً لاستعادة ثقتهم بأنفسهم من جديد.

واللافت أنه بحكم تجربتها الشخصية ومعاناتها الخاصة، يمكن لمؤسسة جمعية Lotus Flower تابان شوريش أن تفهم جيداً الصدمات التي تعاني منها اللاجئات.

ففي طفولتها، تمكنت عاملة الإغاثة البريطانية من أن تنجو من الإبادة الجماعية التي شهدها عهد صدام حسين عام 1986، إذ قامت الشرطة بسجن شوريش وهي في سن الرابعة رفقة عائلتها لمدة أسبوعين، وهو ما أدّى إلى تفادي الإبادة الجماعية. وبعد محاولات التخفّي نحو عامين وبعد حادثة تسميم والد شوريش بسبب نشاطه السياسي، فرّت العائلة من البلاد واستقرّت في المملكة المتحدة.

ونتيجة الكمّ الهائل من الصدمات التي كانت شاهدة عليها، قررت تابان شوريش العودة في أغسطس 2004 إلى كردستان وبقيت في المنطقة طوال 15 شهراً وهي تعمل عن كثب مع النساء والفتيات اللواتي ترك داعش أثراً مؤلماً في نفوسهنّ، وعندما عادت إلى المملكة المتحدة، أصرت يوريش على مواصلة المسيرة ودعم ضحايا داعش.