الأربعاء: 18 يوليو، 2018 - 05 ذو القعدة 1439 - 08:53 صباحاً
ثقافة وفن
السبت: 28 أبريل، 2018

 

بالحرق تارةً وبالسرقة في تارات أخرى، عاشتْ مكتبات العراق مصيراً قاسياً إبان الفوضى التي تعرَّضت لها البلاد في 2003، لكن واحدة من المكتبات تلك نجت من هذا المصير، ونجت معها كتب نادرة ومخطوطات تاريخية.

يسير أمين مكتبة القادرية وسط بغداد بزهو بين أروقة المكتبة، ملقياً النظر على أغطية القماش الحريرية التي تغطي خزائن العرض الزجاجية، ليكشف عن أجمل المجلدات التاريخية التي تحتضنها المكتبة.

من بينها نسخ مزخرفة من القرآن الكريم، وطبعة مكتوبة يدوياً، يبلغ طول الصفحة منها قرابة المتر، وقد أهديت للمكتبة من قبل أمير هندي في تاج محل قبل مئات السنين.

يعرض علينا عبدالسلام عبدالكريم (أمين المكتبة)، نسخةً أخرى من القرآن الكريم ذات زخارف منمَّقة، تتداخل معها رسوم الورود الملونة والمطرّزة بورق الذهب، فيما يقول “هنا لدينا شيء مميز جداً وفريد من نوعه”، فهذا الكتاب جاء قبل بضع مئات من السنين، هديةً مهداة من والدة السلطان التركي عبدالعزيز.

في نهاية كل آية رسمٌ فريد، هو وردة أو نجمة سداسية، أو سلة فاكهة، أو صور أخرى عديدة تمتد على امتداد الكتاب، ولا يرى لها مثيل في أي مكان آخر، الكثير من خبراء الخط والرموز والأشكال يأتون هنا لدراسة هذا الكتاب، لكن هذه الصور غامضة جداً، ولا أحد لديه فهم كامل لمعناها.

تقع المكتبة في زاوية مجمع مسجد جميل واسع، يضم ضريح الشيخ عبدالقادر الجيلاني، العالم الفارسي من القرن الـ11، الذي قضى معظم شبابه في بغداد، وأسَّس الطريقة القادرية الصوفية.

نكبات ومحن

تعرَّضت المكتبات بالعراق لنكبات عدة، لكنه ومن بين آلاف الكتب التي غدت في طيِّ النسيان، فالمكتبة تحتفظ بنسخة نادرة لكتاب يرجع  تاريخه للقرن الـ13، نجا من دمار بغداد الذي حلَّ بها عام 1258 على يد القائد المغولي هولاكو، حفيد جنكيز خان، وخلف 800 ألف قتيل.

يقول عبدالكريم “عندما جاء المغول إلى هنا عام 1258 أحرقوا المكتبات، ورموا بالكثير من الكتب في نهر دجلة، حتى اصطبغ لون ماء النهر بسواد الحبر. أما هذا الكتاب الذي يضم تفاسير للقرآن الكريم والإسلام، فهو أحد الكتب القليلة التي انتُشلت وأنقذت من النهر ذاك اليوم”.

كذلك فقد نجا هذا الكتاب مع المجموعة الكاملة في المكتبة القادرية من دمار واسع ونهب حلَّ ببغداد عام 2003 عقب الاحتلال الأميركي للعراق، حيث في بغداد وحدها دُمرت 10 مكتبات، كما فقدت مجموعات كتب قيمة كثيرة.

تحدث أحد أئمة المسجد الواقع بجوار المكتبة ذات مرة عن هذا الحدث قائلاً، إن هذه المكتبة الوحيدة التي لم تتعرض لاعتداء لأن الله حماها، ولأن كل موظفينا ومتطوعينا من الناس العاديين، لا من الشرطة ولا من الحرس الأمني، بقوا هنا لحمايتها”.

ومنذ عام 1974 يجلس الشيخ بجانب قبر الشيخ الجيلاني للترحيب بالزوار والرد على أسئلتهم، وتلقي المكالمات الهاتفية من المريدين من شتى أنحاء العالم، الذين يطلبون ويرجون الدعاء.

يقول “جاء الأميركان إلى هنا وتحدثوا إلينا، وقلنا لهم إننا فقراء مساكين، ما لنا سوى ضريحنا وأشيائنا الدينية، ولا نملك سوى سلاحين من أجل الأمن، فسمحوا لنا باستبقائهما وذهبوا”.

وخوفاً على مجموعة المكتبة القادرية من أن تستهدف مثلما استهدفت مكتبات أخرى في بغداد بالحرق والنهب، قضى رئيس أمناء المكتبة، عبدالمجيد محمد، نهاراً كاملاً  مع موظفين آخرين في إخفاء المجلدات القيمة كلها بعناية في السرداب، ومن ثم إحكام الإقفال عليها، فيما كانت أصداء الرصاص والنيران تهز كل أنحاء العاصمة.

يقول “انتهيت في الـ10 مساء، وعندما غادرت كانت الشوارع خاوية تماماً، لأنه كان زمناً غاب فيه القانون، وسيطر الرعب فيه على الأمكنة، ولم تكن هناك سيارات أجرة، فسرت ماشياً إلى بيتي، بيد أن الأمر كان يستحق المجازفة، لأنه كان لزاماً علينا حماية الكتب”، وعمد الموظفون إلى لحام كل أبواب المكتبة لإيصادها تماماً عدا واحداً.

خطر متجدد

تحاط المكتبة بمجمع تحده حواجز إسمنتية، وتحرسه الشرطة العسكرية، نجا من استهداف بسيارة مفخخة عام 2007، وتعرَّض لخطر أكبر عندما ألقى زعيم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أبو بكر البغدادي خطاباً أعلن فيه أن أنصاره سيدمرون أضرحة الحسين في كربلاء، وعبدالقادر الجيلاني في بغداد، ودعاهما بـ”مراكز الشرك” الصوفي والشيعي.

الشيخ عبدالرحمن كان يجلس بجوار ضريح الجيلاني، بينما كان يقول “قالوا إنهم مسلمون، لكننا هنا منذ مئات السنين نمثل المسلمين والإسلام، وانظروا إلى النتيجة اليوم. ما زلنا هنا، أما المدعوة داعش فأين هم اليوم؟”

ووفقَا لمتطوعين في مجمع الضريح، فإن الكثير من العراقيين ومئات الحجاج يزورون قبر الجيلاني  في كل يوم من السنة والشيعة، ومن أقصى باكستان إلى أقصى موريتانيا، كما يقولون إن زواراً مسيحيين يزورونهم بشكل منتظم، مع زوار هندوس وبوذيين أحياناً”.

يلحظ الوافدون والحجاج إلى الضريح المكتبة، التي يقول عنها موظفوها إنها شاهد عصر منذ 1000 عام، وتعتمد المكتبة على عائدات وقف الأرض والأملاك ، فضلاً عن التبرعات.

على مرِّ القرون تبرع مريدو الجيلاني بالكتب للمكتبة، وما زالت الهدايا مستمرة حتى اليوم، وفي خزانة ذات قفل خاص قرب المدخل يوجد قرآن ذو غلاف ذهبي أنيق الزخرفة، جاء هدية من مريد في سوريا، قدمه للمكتبة قبل 10 سنوات.

مع أن العديد من أهم كتب المكتبة هي نسخ تاريخية للقرآن، فإنها أيضاً تضم العديد من أوائل النصوص والمخطوطات العلمية، أقدم المجلدات بها مؤلفٌ عمره 950 عاماً في علم اللسانيات واللغويات العربية.

يعتني القائمون على الكتب بها عناية فائقة لأنها قيمة، إذ يأتي إليها الخبراء كثيراً لكي “يرمموا” الكتب ويحموها من التآكل والتضرر، كما يستخدمون “أدوية” خاصة لمخطوطاتها  الـ1950 القديمة، لأنها قيمة جداً”.

مريدون من أنحاء متفرقة

تتلقى مجموعات صغيرة من الطلاب الدارسين في مدرسة المسجد دروساً في العلوم الإسلامية والخط العربي، على طاولات طويلة مزينة برسوم أزهار ملونة، كذلك فإن إحدى حفيدات الجيلاني من نسله مباشرة، واسمها نورا، وهي طالبة دكتوراه في لندن، تقضي شهراً كل عام هنا في دراسة المخطوطات.

لكن المكاتب في مكتبة القادرية غالباً ما تخلو من الجالسين، فالطلبة العديدون والدارسون والباحثون والأساتذة الجامعيون من شتى أنحاء العراق الذين استقطبتهم المكتبة طيلة مئات السنين قد تضاءلت أعدادهم مع انتشار الإنترنت.

كانت المكتبة تحظى بروادها من طلبة الماجستير والدكتوراه، لأخذ نسخ ضوئية لأهم الكتب، لكنه وبسبب الإنترنت لا يأتيها في معظم الأيام سوى حفنة من الطلاب.

ورغم الأعداد المتواضعة من الزوار، فإن موظفي المكتبة مستمرون في الحفاظ على أصالة المكان، بيد أنهم صنعوا لفتة مؤثرة، وهي معرض جديد لـ100 عام من الصحف والجرائد العراقية في الطابق الأعلى، وهم دوماً يسعون بهدوء لتحسين ما يمكنهم تقديمه، حتى رغم قلة الزوار الذين يقدرون ما يصنعونه.

يقدر عدد الكتب الذي تحويه المكتبة إلى جانب كتبها النادرة، بين 80 ألفاً و85 ألفاً من الكتب، كما يُعتقد أنها الآن واحدة من أكبر مكتبات بغداد بعد كل خسائر سنة 2003.

ويعتقد البعض أنها معزولة عن العالم؛ إذ إنها تحافظ على طابعها التقليدي، ولا تمتلك حتى موقعاً إلكترونياً.