السبت: 23 يونيو، 2018 - 09 شوال 1439 - 09:55 صباحاً
ثقافة وفن
الخميس: 1 مارس، 2018

محمود هاشم

“لقد كانت البنات قبل أن تولدي أنت، وأولد أنا، يعشن وراء المشربيات، لكن هذه المشربيات لم تحمهن من الخطيئة، ولم تهذب عواطفهن، كن ينظرن من خلال ثقوب المشربية ويلوحن لأي عابر سبيل، ولما عجز المجتمع عن حمايتهن، وجد أن الحل الوحيد هو القضاء على المشربيات، ومنح البنات حق النظر من خلال الشبابيك، ثم حق الوقوف في الشرفات، ثم حق الخروج إلى الشارع، وفي كل خطوة من هذه الخطوات، كانت الأخطاء تقل، والعاطفة تترقى وتتهذب، والسعادة تدخل البيوت”.

كلمات شديدة الواقعية خرجت في رواية «زوجة أحمد»، واصفة حال المرأة المصرية قديماً في سبيلها لرفض القيود المجتمعية، والانطلاق إلى الحياة التي لم تعهدها، لكنها كانت – وغيرها – كفيلة بانهمار سيل من الهجوم على كاتبها واتهامه بالانحلال الأخلاقي وكشف المسكوت عنه والتمرد على تقاليد توارثتها أجيال، لمجرد رغبة في التعبير عن المرأة بتحفظها وجنونها وتحررها.

“قاسم أمين” السينما و”نزار” التعبير بمرآة المرأة

لم يكن إحسان عبدالقدوس الأديب الوحيد الذي يتناول حياة المرأة في عصره، لكنه كان أكثرهم فهماً لطبيعتها وتعبيراً عنها، فكان لسانها الذي تتحدث به، وعينيها اللتين ترى بهما العالم، وقلمها الذي تثور به على التقاليد التي حرمتها من الاستمتاع بحياتها زوجةً وأماً وابنة وحبيبة.

أكثر من 600 قصة ورواية قدمها الكاتب الراحل طوال حياته، تحولت 73 منها إلى أفلام ومسرحيات ومسلسلات إذاعية وتليفزيونية، معظمها كان يتناول العالم الخفي للنساء ومشاعرهن المتداخلة، فكانت المرأة بالنسبة له بمثابة الوطن والحياة الجديدة، فوضعنا في إشكالية أن مقياس تقدم الأوطان يبدأ من إطلاق الحرية للمرأة، والعكس صحيح، وكأنه «قاسم أمين عصره»، حسب ما يؤكد أستاذ النقد الأدبي د. شريف الجيار.

 

أما الناقدة د. فاتن حسين ترى أن عبدالقدوس أكثر من استطاع التعبير عن المرأة من خلالها، بوصفه أدق المشاعر التي لا تعرفها سواها، فكتبها أدبياً كما عبر عنها نزار قباني شعرياً، كما كان حريصاً على تقديم شخصيات مركبة لا يحكم عليها الآخرون بالخير أو الشر، تفادياً للوقوع في فخ الصورة الأحادية، فسار في هذا الطريق على نهج الروائيين الروسيين ديستوفسكي وتولستوي.

هذه الرؤية عبّر عنها في فيلم «أنا حرة» الذي جسدت فيه لبنى عبدالعزيز دور الفتاة المتمردة على قيود المجتمع، الرافض لحقوق المرأة، إلى أن تتعرف على «عباس» المطلوب السياسي، الذي يفتح عينيها على حرية أكبر هي حرية الوطن من الأنظمة الفاسدة، وهو الأمر نفسه أبرزه في فيلم «في بيتنا رجل»، الذي تواجه فيه «المرأة الوطنية» زبيدة ثروت حباً مستحيلاً مع الشاب الثائر «عمر الشريف»، قبل أن يستشهد في تفجير أحد معسكرات الاستعمار الإنجليزي.

وبعيدا عن «الحب السياسي»، يركز فيلمه «أين عمري» أيضاً على رغبة الفتيات في الاستقلال التي تقابلها قسوة المجتمع، فتجسد فيه «ماجدة» شخصية شابة سلبت أجمل سنوات عمرها بالزواج من عجوز، لتقرر الانطلاق للحياة وتعويض ما فاتها بعد وفاته.

وفي «البنات والصيف» يكشف عن العلاقات العابرة في شواطئ الإسكندرية، بينما يتناول «لا أنام» نوعاً آخر من الحب، ترفض فيه الفتاة «فاتن حمامة» أن يشاركها أحد في والدها الذي أحبته وعاشت معه طوال حياتها بعد انفصاله عن والدتها، ولو كان هذا الشخص زوجة أخرى له، حتى أنه لم ينس «بنت البلد» التقليدية البسيطة التي تساعد زوجها في رحلة صعوده من القاع إلى القمة فصنع شخصية فاطمة كشري – عبلة كامل – في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي”.

ورغم مرور 28 على وفاته في 12 يناير 1990، قدم المخرج محمد شاكر خضير روايته «لا تطفئ الشمس» للتليفزيون في موسم رمضان الماضي، وكانت أيضاً تركز على شخصية إقبال – ميرفت أمين –  التي تحاول الحفاظ على روابط أسرتها، مستوعبة تناقضات كل شخصية من أبنائها.

ما كان يرمي عبدالقدوس لإظهاره – وفقاً لوصف الجيار – هو المرأة التي تستطيع تغيير عادات وتقاليد بالية، إلى أخرى متطورة تستطيع استيعاب مساندة المرأة للرجل في سبيل بناء أسرة ومجتمع ووطن أكثر تماسكاً.

أسرار الإبداع: 3 نساء

ويرجع أستاذ النقد الأدبي فلسفة الكتابة لدى عبدالقدوس، لرصيف22، وتركيزه على جعل المرأة محور البنية الأدبية لمعظم خطاباته الروائية، إلى 3 شخصيات لعبت دوراً أساسياً في حياته، هي والدته الممثلة المسرحية والصحفية اللبنانية المولد والتركية الأصل فاطمة اليوسف «روز اليوسف»، وعمته نعمات رضوان، فضلاً عن زوجته وحبه الوحيد لواحظ المهيلمي، فشكلن، ثلاثتهن، وجدانه وثقافته، ورؤيته للمجتمع والوطن، وصنعن منه ما بات عليه بعدها.

حرم الطفل إحسان من والدته مبكراً بعدما أجبر جده – الأزهري المحافظ – والده  – الكاتب المسرحي – على تطليقها قبل أقل من عامين من زواجهما، وكانت في شهرها السابع من حمله، إذ كان رافضاً امتهانها الفن، قبل أن يعود الجد لانتزاعه من حضنها يوم خروجه للحياة، ليتربى في بيت عمته التي اتخذته إبناً لها، حتى حينما كان يزور والدته كان ينادي والدته وهو صغير «يا طنط»، منذ ذلك الحين ترسب في داخله رفض التقاليد التي ظلمت المرأة في شكل أمه.

ويوضح الجيار أن السبب الآخر لانتهاج الأديب الراحل هذه الرؤية تولد من رغبته في السير على نهج الرواية الغربية التي كان مولعاً وملماً بها وحاول تطوير بنية الرواية المصرية والعربية لتساير ما وصلت إليه مثيلاتها في العالم، لذا نجد نقاط اتصال كثيرة بين أعماله وإنتاجات شهيرة أخرى، حيث تقترب تفاصيل «لا أنام» مع «مرحبا أيها الحزن» لفرانسوا ساغان، و«أنف وثلاثة عيون» مع «امرأة من روما» للكاتب الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا، وهو ما ساعد على ترجمة 65 من رواياته إلى العديد من اللغات الأجنبية، كالإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، وغيرها.

ثنائية الانفتاح والتحفظ، من التنوع تولد الحرية

وعلى الرغم من تحرره الشديد أدبياً، لم يمانع زواج ابنه الصحافي الكبير محمد عبدالقدوس بابنة الداعية الإسلامي الشهير محمد الغزالي، فتجربته التي عاشها منحته قدراً من المرونة والانفتاح على جميع الآراء والتيارات.

وحسبما يحكي عن نفسه، كان الأديب الراحل يصاب بدوار ذهني نتيجة جمعه بين متناقضين، إذ كان يحضر الدروس الدينية المخصصة للرجال فقط مع جده، وعلى الجانب الآخر يرى المرأة مشابهة للرجل في كل شيء في الندوات الثقافية والتعليمية لوالدته، حتى اعتاد الأمر الذي ربما شكل هويته الأدبية والشخصية فيما بعد.

التناقض نفسه تكرر لعبدالقدوس مع عمته التي كانت تحرص على غرس طريقة تنشئتها داخله، حتى أنها في إحدى المرات أعطته عصاً ليضرب بها ابنتها، لأنها نظرت من نافذة المنزل ورأسها من دون غطاء.

وترى فاتن حسين أن هذه الكتابات كانت وسيلته لرفض التقاليد التي ترسخت داخله في الصغر، منها عدم جواز فعل المرأة ما يفعله الرجل، سواء في العمل السياسي أو الاجتماعي، أو حتى في العواطف، وكأنه يرغب في إنصاف السيدة التي لم يستطع الدفاع عنها في الواقع.

مطاردات أخلاقية وإنصاف دولة

الكثير من الأزمات واجهت عبدالقدوس بسبب كتاباته، فبعد «أنا حرة»، بدأت السيوف تسن له في أكثر من مناسبة، فوصف عباس العقاد أعماله بأنها من «أدب الفراش»، كما توجه عدد من نواب مجلس الأمة في 1965 بسؤال إلى وزير الثقافة حينها محمد عبدالقادر حاتم، للمطالبة بمنع رواية «أنف وثلاث عيون»، بدعوى حثه على نشر الإباحية في المجتمع، وطالب أحدهم بمحاكمته. والغريب أن الشخص  نفسه حينما قابل عبدالقدوس أخبره أنه لم يقرأ شيئاً من أدبياته. والأغرب أن الدولة نفسها اشترتها لاحقاً لتحولها إلى فيلم سينمائي، ومسلسلين إذاعي وتليفزيوني.

الرقابة أيضاً تدخلت في سيناريو «البنات والصيف» الذي عدلت نهايته لتنتهي بانتحار مريم فخر الدين لخيانتها زوجها، على عكس ما هو موجود في الرواية الأصلية، و«لا أنام»، الذي أنهته باحتراق ثوب زفاف فاتن حمامة بها، كعقاب لها على وقيعتها بين والدها وزوجته.

 

بوجه عام، كان عبدالقدوس محللاً اجتماعياً ونفسياً من الطراز الأول، استطاع أن يمسك العصا من المنتصف، يعالج الأسرة المصرية بالتطرق لمشاكلها في اتجاه، ويعالج المجتمع بهدف الوصول إلى مصر المؤمنة بوجود امرأة تعمل وتحب وتعيش حياة جديدة أساسها الحرية.