الأربعاء: 25 أبريل، 2018 - 09 شعبان 1439 - 12:47 مساءً
ملفات
الثلاثاء: 27 مارس، 2018

في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، كتب أنشيل فيفر محللًا مواقف ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان) وانفتاحه الملحوظ على إسرائيل، داعيًا إلى الحذر وعدم الإسراف في التفاؤل بشأن تلك السياسات.

المجال الجوي السعودي يتسع لإسرائيل

ويرصد فيفر أن الأسبوع الماضي قد شهد حدثين أثارا بالأساس المهووسين بالطائرات، لكن كان يجب أن يلقيا اهتمامًا أوسع بكثير، فيوم الثلاثاء، حطت أولى رحلات طيران الهند التي أقلعت من نيودلهي في أرض مطار بن غوريون بعد أن مرت عبر الأجواء السعودية (والعمانية)، كانت تلك أول رحلة مباشرة مُجدولة تأخذ الطريق الأقصر إلى إسرائيل عبر السماء السعودية.

يتذكر آرون ديفيد ميلر، وهو دبلوماسي أمريكي رفيع سابقًا، كيف أنه حتى في أثناء عملية أوسلو، حين كانت إسرائيل والفلسطينيون على مرمى حجر من التوصل لاتفاق سلام، رفض السعوديون التوسلات الأمريكية لإظهار بادرة كهذه إلى الإسرائيليين، لكنها تحدث الآن، حيث العملية الدبلوماسية في أوج ركودها ويأسها.

في الوقت نفسه، وفي تأكيد علني آخر على الموقف الجديد الذي تتبناه ممالك الخليج تجاه إسرائيل، يسرد فيفر كيف احتضنت سماء اليونان مقاتلات ميراج 2000 من دولة الإمارات العربية المتحدة وإف 16 من القوات الجوية الإسرائيلية في تدريب دولي مشترك. صحيح أن المشاركة الإسرائيلية لم تُذكر رسميًا على موقع القوات الجوية اليونانية، إلا أنه لم تبذل أي جهود لإخفاء المقاتلات التي تحمل نجمة داود الزرقاء عن أعين المصورين.

قبل ذلك بأسبوع، كان البيت الأبيض يستضيف قمة من يوم واحد شارك فيها مسؤولون بارزون من السعودية وقطر والإمارات وعمان، جلسوا على طاولة واحدة مع نظيرهم الإسرائيلي لمناقشة طرق تخفيف الوضع الإنساني في غزة. ما الشيء الذي يلفت النظر أكثر هنا: هل أنهم يجلسون بانفتاح مع الإسرائيليين، أم أن السلطة الفلسطينية – التي تقاطع إدارة ترامب منذ إعلان الأخيرة القدس عاصمة لإسرائيل – كانت غائبة؟

أضحى التعاون المفتوح بين السعوديين – ودول الخليج الأخرى – وإسرائيل على حساب الفلسطينيين شائعًا لدرجة أننا بالكاد لاحظنا هذا التحول، كانت هناك محاولات في العام الماضي لإخفاء حقيقة أن ثمة لقاء جمع رئيس الأركان الإسرائيلي (غادي أيزنكوت) مع نظيره السعودي (عبد الرحمن بن صالح البنيان) في مؤتمر بالولايات المتحدة جمع قادة الجيوش الحليفة لواشنطن، اليوم يمكن أن يمر حدث كهذا بدون أن نلتفت له كثيرًا.

لكن هل يمكن القول حقًا إن سياسة السعودية – وجيرانها الخليجيين – تجاه إسرائيل قد تغيرت بشكل كبير؟ يوم الثلاثاء، وأثناء ظهوره في معهد بروكنغز في واشنطن، أصر وزير الخارجية السعودي (عادل الجبير) الذي يرافق ولي العهد (محمد بن سلمان) في زيارته التي تستمر أسبوعين إلى الولايات المتحدة – على الإجابة بالنفي. ذكر «الجبير» أن السعوديين متمسكون بخطة السلام الأصلية، وأن «الحوافز» في شكل علاقات دبلوماسية مع السعودية سوف تأتي في نهاية صفقة السلام مع الفلسطينيين. كما وصف أيضًا قرار الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بأنها «انتكاسة».

«هدايا» ابن سلمان إلى إسرائيل

ويتساءل فيفر: لكن ترى ما هي الحوافز التي يستعد السعوديون لإعطائها اليوم وما الذي يتمسكون به؟ هل يمكن أن يؤخذ حديث الجبير على محمل الجد في الوقت الذي يبدو فيه جليًا أن السعوديين لا يهتمون كثيرًا بالتظاهر بالاهتمام بالقضية الفلسطينية؟

هناك أيضًا ما يثير الاهتمام فيما ذكره الجبير في بروكنغز: «المصالح المشتركة لا تفرض علينا أن نمتلك علاقات دبلوماسية»، الإسرائيليون مثل شيمون بيريز، الذين كانوا يحلمون أيام أوسلو بـ«شرق أوسط جديد» كانوا يتخيلون اليوم الذي ستُفتح فيه سفارات إسرائيلية في الرياض ودبي.

بنيامين نتنياهو، الذي بدأ حياته العملية دبلوماسيًّا يبدو اليوم أكثر اهتمامًا بالأنماط الأخرى للعلاقات مع السعوديين، وفي اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي يوم الأحد ذكر أن الرحلات المباشرة عبر الأجواء السعودية هو حدث «بلا شك، من منظور الزمن، سيدون كأمر تاريخي».

ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان)

حينما ظهر محمد بن سلمان في المشهد قبل ثلاث سنوات، اعتقد الإسرائيليون أنه – برغم شبابه وقلة خبرته – جاد في دفع المملكة نحو المزيد من الإصلاحات، وأن لديه اهتمامًا بنسج علاقات مع إسرائيل، لكنه سينتظر تحولًا مهمًا على الجبهة الفلسطينية قبل الشروع في خطة الانفتاح تلك، لم يكن ابن سلمان هو الزعيم السعودي الأول الذي حاول الانخراط بهدوء مع إسرائيل، فبحسب تقارير إعلامية سابقة، كان ذلك يحدث على مدار وسط الاهتمام المتزايد للبلدين بالسياسة الإيرانية في المنطقة، فما الذي تغير؟

يرى الكاتب أن التغير الأساسي كان انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، إذا كنا نبحث عن ثابت وحيد في السياسة الخارجية غير المنتظمة – وربما غير الموجودة بالأساس – للإدارة الحالية، فهو تودد ترامب المستمر للسعوديين. كل ما عليك فعله هو إلقاء نظرة على فيديو اللقاء الذي جمع ترامب بابن سلمان الثلاثاء الماضي، حيث احتفى الرئيس الأمريكي بحقيقة أنهما صارا صديقين خلال فترة زمنية وجيزة للغاية، و«ملايين المليارات من الدولارات» السعودية التي ستتدفق إلى أمريكا في شكل صفقات سلاح.

«هذا كالفول السوداني – مبلغ زهيد – بالنسبة لك»، قالها ترامب في وجه ابن سلمان الذي بدا مُحرجًا، وهو يلوح بلافتات حملت تفاصيل أنظمة السلاح الأمريكي. من الواضح جيدًا ما الذي يريده كل من الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي من وراء تلك العلاقة. يريد ترامب أن تترجم تلك الأرقام الكبيرة إلى ادعائه بأنه «رئيس الوظائف» الأعظم في تاريخ الولايات المتحدة، فيما يريد ابن سلمان أن يزيل بحسم أي آثار لمحاولة باراك أوباما خلق سياسة خارجية للولايات المتحدة أكثر توازنًا بين السعودية وإيران.

من المؤكد أن ابن سلمان يريد تلك الأسلحة، لكن الصفقات هنا لا تتعلق بالأجهزة نفسها فقط، فهي قد تأخذ سنوات، وربما عقودًا، ليتم تزويدها بشكل كامل، لكن ثمة صفقات للتدريب، وقطع الغيار والصيانة والتحديثات. يلعب السعوديون لعبة طويلة الأمن، ويريدون التأكد أن خليفة ترامب سيدرك الرهان الذي سيقدم عليه بالنسبة للاقتصاد الأمريكي لو حاولت واشنطن مستقبلًا التحول من جديد لسياسة أوباما.

وبحسب الكاتب، فليس الإسرائيليون والفلسطينيون جزءًا من تلك المعادلة. وقد أدرك ابن سلمان بالفعل أن الإدارة الأمريكية الحالية ليست مهتمة بإنشاء دولة للفلسطينيين ولا يبدو أنه منزعج حيال ذلك. لكن بالتأكيد سيخبره مستشاروه أنه، وقبل مولده بأربع سنوات، تعرضت أولى صفقات الأسلحة السعودية الكبرى مع الولايات المتحدة لشراء طائرات أواكس للخطر بعد أن حشد داعمو إسرائيل في واشنطن ضد الصفقة. صحيح أن رونالد ريجان حينها تدخل ومرر الصفقة عبر الكونجرس، لكن لماذا يجب المخاطرة بمثل هذا السخط مجددًا؟

إبقاء مستشاري ترامب سعداء

شيء آخره يتذكره السعوديون: صحيح أن إيران هي العدو اللدود لإسرائيل اليوم، لكنها كانت خلال العقود الثلاثة الأولى من عمر إسرائيل، وحتى قيام الثورة الإسلامية في 1979، الحليف الاستراتيجي الوحيد لإسرائيل في المنطقة. وعندما يتم الإطاحة بأتباع آية الله الخميني من طهران، سيعود بين الإسرائيليين والإيرانيين مجددًا الكثير من المشتركات، فيما سيبقى العداء بين السعوديين وخصومهم الشيعة عبر الخليج.

وفق تقدير فيفر، يخطط الأمير الثلاثيني لحكم بلاده طويلًا حيث سيتعاقب عليه الكثير والكثير من الرؤساء الأمريكيين، وفيما يستكمل ما يعتقد أنها ستكون علاقة استراتيجية طويلة الأمد، يريد أن يخفف من الأصوات المتنافرة في الخلفية ويُبقي إسرائيل وداعميها يشعرون بالسعادة، فلا يشغل نفسه بالتفكير فيهم. أما أكبر منافسيه في الخليج – بعد إيران -: القيادة القطرية، فقد فطنوا للأمر سريعًا وشرعوا خلال الأشهر الأخيرة في التغزل في اليهود الأمريكيين، بما في ذلك وقف عرض سلسلة تحقيقات لشبكة الجزيرة عن اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

لكن حتى الآن فإن كل تلك التحولات تظل مسألة تكتيكية، صحيح أن السعوديين يشتركون مع إسرائيل في العداء لإيران، وطالما بقي ترامب في منصبه فسوف يسعون إلى استرضائه، والأهم استرضاء المستشارين المؤيدين لإسرائيل من حوله، عبر امتيازات من قبيل رحلات الطيران تلك. لكن من الخطأ القول إن هناك تحالفًا حقيقيًا بين إسرائيل والسعوديين. لطالما احتفظت الدول العربية بالورقة الفلسطينية، والمؤكد أن محمد بن سلمان لن يتركها بهذه السهولة حاليًا.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: الاستنتاج الوحيد الواضح أن ملك السعودية القادم يفعل كل شيء لأجل أن تكون مملكته قوة إقليمية مهيمنة، وهو طموح كانت مآلاته غير مبشرة بالنسبة لقادة من أمثال عبد الناصر وصدام حسين، كما أن ملايين السوريين اليوم يتم التضحية بهم، من دون أن تبدو أي نهاية في الأفق، بسبب أن «تركيا أردوغان» إيران لهما طموحات مشابهة. قد يبدو ولي العهد السعودي هو الزعيم الأكثر موالاة للغرب وانفتاحًا على إسرائيل من بين كل هؤلاء القادة، لكن المزيد من الحذر في تقييم طموحاته سيظل أمرًا مطلوبًا