الثلاثاء: 17 سبتمبر، 2019 - 17 محرم 1441 - 06:28 صباحاً
سلة الاخبار
السبت: 17 أغسطس، 2019

مصطفى سعدون

 

في شارع الربيعي الذي يشق منطقة زيونة الراقية في العاصمة العراقية بغداد، صعد لؤي كنعان (اسم مستعار) إلى مبنى دلّه عليه أحد أصدقائه. في الطابق الأول من هذا المبنى هناك مكتب وسط مجموعة مكاتب، فيه يجلس عدد من “شيوخ العشائر” الذين يتحدرون من عشائر عدة.

 

“وجدت مجموعة من الرجال الذين يرتدون العُقل، وعندما قلت السلام عليكم ردوا عليّ بتحية وترحيب كبيرين”، يقول كنعان الذي كان يبحث عن “وجهاء” يساعدونه في حل خلاف وقع فيه مع شريكه في العمل بعد أن قام الأخير بتهديده بعشيرته.

 

في هذا المكتب، تتجمع مجموعة رجال يرتدون الزي العربي وينشرون على جدرانه الأربعة صورهم مع مسؤوليين حكوميين أو برلمانيين أو مع زعماء فصائل مسلحة أو أثناء تجمعات عشائرية، أو صوراً لهم وهم يتحدثون مع وسائل إعلام مرئية.

 

50% بدل الخدمة

مشكلة كنعان هي فض شراكة مع شريك له في محل هواتف محمولة في بغداد. حدث خلاف بين الشريكين وصل إلى تهديد شريكه بجلب عشيرته لتحصيل “حقه”. ولأن كنعان “لا ينتمي إلى عشيرة كبيرة وأقاربه يقيمون في محافظات أخرى”، قرر اللجوء إلى “شيوخ” من عشائر أخرى لمساعدته.

 

كان يعرف جيداً أن هذه المساعدة ليست مجانية، وأنه بالنسبة إلى هؤلاء الرجال ليس إلا رقماً سيتفقون أو يختلفون عليه. عندما سألوه عن قصته وشرحها لهم وعرفوا أنه صاحب محل هواتف خلوية أبلغوه أنهم لن يأخذوا منه أي مبلغ، بل سيحصلون له على “فصل” (تعويض من عائلة شريكه بسبب تهديده له) وأنهم سيأخذون نسبة 50% منه.

 

سار كنعان وفق المثل العراقي المعروف “الما عنده كبير، يشتريله كبير”. ففي ظرف مثل ظرف العراق تكون فيه سطوة العشائر كبيرة وتفوق سلطتها سلطة القانون في أغلب الأحيان، ارتأى أن قراره “صائب” حتى “لا يؤكل من قبل شريكه”، وفق قوله.

 

تنتشر في بغداد مكاتب وتجمعات يتواجد فيها أشخاص يزعمون أنهم “شيوخ عشائر”، والعناوين العريضة لهذه التجمعات تكون بأسماء “التجمع العشائري…”، أو “منظمة… الخيرية”.

 

يختلف الأمر قليلاً في محافظة البصرة وفقاً للشيخ رائد الفريجي، أحد شيوخ عشائر المحافظة، فهنالك لا توجد مكاتب، بل أشخاص يجلسون في المقاهي الشعبية وصاروا معروفين لبعض الناس.

 

حصل كنعان على تعويض عن تهديد زميله له بقيمة أربعة ملايين دينار عراقي (3300 ألف دولار أمريكي تقريباً)، وهذا رقم بسيط بالنسبة إلى الأرقام الأخرى المهولة التي “تفصلها” العشائر لعشائر أخرى، والتي تصل إلى عشرات آلاف الدولارات وفي أحيان أخرى إلى مئات الآلاف.

إشادة حقوقية بتصنيف “النهوة العشائرية” جريمة إرهاب في العراق

ماذا تعني جُملة “مطلوب عشائرياً” في العراق؟

استخدامها للـBKC والـRPG7 صار مألوفاً… هل عشائر جنوب العراق أقوى من الحكومة؟

“ليسوا بشيوخ”

تلعب العشائر اليوم دوراً كبيراً في الوضع العراقي، وتُعتبر قوة لا يُستغنى عنها لدى الأحزاب السياسية أثناء فترة الانتخابات، ووصل عدد من شيوخها إلى البرلمان بأصوات عشائرهم وبتقربهم من زعماء الأحزاب السياسية.

 

يقول رائد الفريجي لرصيف22 إن “هذه المكاتب تنتشر في بغداد لأن الرابط العشائري فيها ضعيف، ولأن مشاكل كثيرة تحدث فيها، ولأن هنالك أشخاصاً يحاولون الارتزاق من خلال هذه المكاتب ويدّعون أنهم شيوخ عشائر، لكنهم في الحقيقة ليسوا بشيوخ”.

 

ويضيف: “أساء هؤلاء إلى العشائر العراقية والتقاليد العشائرية، ويعملون على أن يكونوا شخصيات نصب واحتيال لا أكثر”، ويتابع: “يحصل هؤلاء على مبالغ مالية غير محددة، فهم يتفقون مع مَن يحتاج إلى خدماتهم على نسبة مُعينة من ‘الفصل’ الذي سيحصّلونه له”.

 

ويعتمد هؤلاء وفقاً للفريجي على الشكليات في تعاملهم مع الآخرين. يستأجرون أو يطلبون سيارات فارهة أثناء الذهاب إلى عشيرة أخرى، وفي بعض الأحيان يضعون أحد العاملين معهم لقيادة السيارات لبيان مدى “وجاهتهم”، لكنهم لا يستطيعون التدخل في المشاكل التي تقع مع عشائر كبيرة ومعروفة، ففي هذه الحالات سيحرجون أنفسهم وقد لا يتم استقبالهم، خاصة مع انتشار صيتهم بطريقة “سلبية”.

 

في بغداد، حيث سطوة العشائر كبيرة وسلطتها تفوق سلطة القانون في أغلب الأحيان، تنتشر مكاتب وتجمعات يتواجد فيها أشخاص يزعمون أنهم “شيوخ عشائر”، وتؤجر خدماتها لمَن يريد دعماً عشائرياً لحل مشكلة يقع فيها.

 

“اقترح علي صديقي أن نفتح مكتباً في إحدى المناطق العراقية تحت عنوان منظمة عشائرية. وعندما سألته عن السبب، أبلغني أن هناك مَن يحتاج إلى أشخاص يرتدون الدشداشة والعقال لحل مشاكلهم، ونحن نساعدهم ونحصل على أجور عن ذلك”.

 

يُطلَق على هؤلاء “الشيوخ” إما مصطلح “شيوخ التسعينيات” في إشارة إلى حقبة من القرن الماضي أعاد فيها صدام حسين الاعتماد على العشائر وقرّبها منه بعد أن كان قد حجّم دورها في الثمانينيات، وتعمد إبراز واجهات عشائرية وإخفاء أخرى لم يكن راضياً عنها أو تختلف معه.

 

توسع نفوذ العشائر في فترة حكومتي رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي بين عامي 2006 و2014، إذ أسس حينذاك وزارة دولة لشؤون العشائر واستخدمها قبل إلغائها من خلال منح “شيوخها” رخص أسلحة ومنحاً مالية. وعلى هذا الأساس، أنشئت ممثليات للعشائر تابعة لرئاسة الوزراء.

 

بعض المكاتب المنتشرة اليوم في العاصمة تحمل صفات رسمية من خلال هويات تعريفية لأصحابها الذين منحتهم حكومتي نوري المالكي بطاقات خاصة عليها عنوان “رئاسة الوزراء”.

 

فضلاً عن ذلك، توجد في وزارة الداخلية مديرية خاصة بشؤون العشائر تصدر هويات تعريفية لـ”الشيوخ”، و”هذه كلها فتحت أبواباً لهم لتأسيس هذه المكاتب”، وفقاً للخبير الأمني هشام الهاشمي.

 

الحكومة غائبة

ويقول الهاشمي لرصيف22 إن “هذه المكاتب تنتشر وبشكل يُصوّر على أنه رسمي، وهنالك دعم من الحكومة لهم على اعتبارهم ممثليات شؤون العشائر”، ويضيف: “لم ولن تعمل الحكومة على محاسبتهم أو السؤال عنهم أو حتى التحقيق في ما يفعلونه، لأنهم وبكل صراحة يشكلون نفوذاً لأحزاب السلطة”.

 

ويتابع أن “مجلس النواب العراقي يعمل على تشريع قانون خاص بالعشائر لتكون لهم ممثليات رسمية في كل المحافظات وربما حتى في المناطق، وهذا مؤشر خطير يقوض سلطة القانون”.

 

يروي كاظم عبيد أحد أبناء عشيرة آل فتلة، ويرتدي العقال في المناسبات فقط، قصته مع صديق له وصفه بأنه “56” (مصطلح يطلق على مَن يقوم بعمليات النصب والاحتيال). يقول لرصيف22: “اقترح علي صديقي وهو جارٌ لي في منطقة الحرية في بغداد أن نفتح مكتباً في إحدى المناطق غير العشائرية تحت عنوان منظمة عشائرية أو تجمع شبابي عشائري”.

 

ويضيف: “عندما سألته عن السبب، أبلغني أن هناك مَن يحتاج إلى عشيرة وإلى أشخاص يرتدون الدشداشة والعقال لحل مشاكلهم، ونحن نقوم بمساعدتهم كفعل إنساني وأيضاً نحصل على أجور عن ذلك”.

 

ينتمي كاظم إلى عشيرة آل فتلة المعروفة في العراق. ورغم أنه لم يتخلَّ عن انتمائه العشائري ولا التواصل مع أقاربه في المناسبات العشائرية ولا حتى التقاليد العشائرية التي لا تتنافى مع “مبادئه الإنسانية”، إلا أنه يرى وجود سلوكيات عشائرية مُضرّة بالمجتمع، مثل “الدكة” (الهجوم على منزل الخصم)، أو “النهوة” (عرف عشائري يقضي بمنع الفتاة من الزواج من شخص غريب ويقوم بذلك ابن عمها الذي ينهي عليها).

 

يُشير الفتلاوي إلى أن “العشيرة بوصفها منظومة مجتمعية قيمة، بدأت تُستغل حتى تكاد أن تُجرّد من مضمونها”، ويختم حديثه بالقول: “هذه المكاتب التي تستغل الناس ولا تعرف الحق من الباطل، هي بمثابة دعارة عشائرية