الأربعاء: 19 سبتمبر، 2018 - 08 محرم 1440 - 06:54 صباحاً
على الجرح
الأحد: 11 فبراير، 2018

د.حميد عبدالله

 

في اول زيارة لي لدولة الكويت وجدتني في حيرة بين ماكنت اسمعه وما لمسته .
كنت اسمع ان الكويت توخز العراق كلما واتتها الفرصة للوخز واللمز والغمز ، وكنت اسمع ايضا ان غل الغزو مازال متجذرا في نفوس اهل الكويت حتى انهم يتعاملون مع اي عراقي على انه ( غازي ) او من بقايا الغزاة حتى يثبت العكس ، وكنت اسمع ان الكويت تشتري السياسيين العراقيين وتسخرهم لتحقيق اهدافها .
اما عن الوخز والغمز واللمز فقد وجدت الكويتيين قد تخطوا الغزو بكل صفحاته، ومسحوا آثاره عن ارضهم حتى صار جزءا من التاريخ الغابر!
من ولد من الكويتتين في سنة الغزو( 1990 ) هو الان على عتية الثلاثين من العمر ، ومثلما نقرأ نحن ، في العراق، عن الغزوات التي تعرض لها عراقنا عبر تاريخه الطويل، يقرأ شباب الكويت عن الغزو العراقي لبلادهم ، ويسمعون حكايا وقصصا وفواجع خلفها ذلك الغزو في بلادهم وفي حياة اهليهم.
مازالت بعض العائلات تتذكر بالم الاباء والابناء الذين قضوا خلال الغزو ، ومازال من عاشوا تلك الايام السود يتلبسهم كابوس من الهلع والفجيعة والخوف.
لكن بالمقابل وجدت الكثيرين منهم يرفضون الحديث عن تلك الصفحة ، بل يصرون على نسيانها او تناسيها ، حتى ان احد المسؤلين الكويتيين الكبار ومن عائلة آل صباح الكريمة حين طلبت منه ان يدلي بشهادته عن الغزو وصفحاته ،وكان شاهدا عليها ،قال لي: لافائدة من نكئ الجراح ، ونبش الماضي ، دعنا نفكر كيف نبني العراق ونجعل عرى الاخوة والجيرة والصداقة تترسخ ، ثم اردف : انا اعرف ادق التفاصيل عن تلك الصفحة لكنني اريد ان اشيح بوجهي عنها، اريد ان انظر الى الامام لا الى الى الخلف!
ومثل هذا الشيخ وجدت العشرات ممن التقيتهم من اهل الكويت ، طغى التسامح فيهم على الكراهية والثأر وهذه شهادة اقولها لله وللتاريخ!
وانا في الكويت كنت اسمع اصواتا نشازا تتحدث عن ( مؤتمر التسول) وكأن الكويت هي التي تسببت في أن يكون العراق (متسولا ) ، حاشى للعراق والعراقيين ان يمدوا ايديهم لاحد ، لكن اصلاح الخراب ، واعمار الخرائب التي خلفها الارهاب والفساد او كلاهما ، يتطلب ان تتظافر جهود الاخوة اولا ،وابناء العمومة ثانيا ،والاصدقاء ثالثا ، اما من يصفون المؤتمر الذي احتضنته الكويت بانه مؤتمر للتسول فانهم اول المسؤولين عن الخراب ، وهم اول من مدوا ايديهم للتسول والارتزاق من جهات ودول واطراف تريد للعراق ان يبقى خرائب تنعق فيها الغربان!!
لم تمتلئ خزائن الكويت بالمال كما امتلأت خزائن العراق لكن الكويت اليوم عامرة مزدهرة معافاة ترفل بالامن والرفاه اما العراق فانه يستصرخ القريب والبعيد لاعادة الحياة الى الكثير من مفاصل دولته التي اوشكت ، في زمن قريب مضى ، ان تتبدد وتضيع بسبب الفشل وسوء الادارة والفساد!
رايت في الكويت معالم تنموية وثقافية واقتصادية قد لا أرى مثيلا لها في العراق خلال المتبقي من سنواتي القادمات
وجدت الكويت وقد استنفرت دولتها واجهزتها وشعبها لاستضافة مؤتمر اعمار العراق وحين تصفحت الجهود الكويتية الكبيرة من جميع الوجوه لم اجد سببا واحدا يجعل الكويت تبيت هدفا مغرضا ضد العراق
مشكلة السياسيين الفاشلين والفاسدين انهم لايريدون ان يتصوروا ان هناك من هو ناجح ونزيه ، حالهم حال اي كذاب لايمكن ان يتصور احدا من الناس يصدق القول ، يعتقد ان الجميع يكذبون تكريسا للقاعدة التي تقول: كل يرى الناس من زاويته ، والزوايا في عراقنا منحرفة بكل اسف ، وعيون الفاسدين حولاء الا في اقتناص الغنيمة الفاسدة!