السبت: 5 ديسمبر، 2020 - 19 ربيع الثاني 1442 - 11:10 صباحاً
بانوراما
الخميس: 29 ديسمبر، 2016

“لم يعد هناك مكان آمن سوى سنتيمترات مكعبة فى الجمجمة” هكذا تنبأ الكاتب الصحفى البريطانى “جورج أورويل” فى روايته الشهيرة “1948” بمجتمع شمولى خالى من الخصوصية الشخصية يتحول فيه الإنسان إلى مجرد أداة للتجسس على الآخرين ومراقبة أفكارهم تفاديًا لأعمال معارضة للنظام الحاكم.

ولكن فى بريطانيا، وعلى الرغم من التغنى بشعارات حقوق الإنسان، لم يقتصر الأمر على التجسس على اتصالات المواطنين وجمع بيانات منها بموجب قانون سلطات التحقيق المعروف بـ”ريبا” كآلية لمحاربة الإرهاب والجرائم الخطيرة، حيث كشف تقرير لصحيفة “الجارديان” أنه خلال خمس أعوام، قامت عشرات من المجالس المحلية فى المملكة باستخدام القانون للتجسس على مواطنين أثناء تنزههم مع كلابهم.

وينظم القانون الذى مر منذ 16 عامًا وطرأ عليه تغييرات منذ ذلك الوقت ـ الطريقة التى تقوم بها بعض الهيئات العامة بعمليات مراقبة سرية للاتصالات الالكترونية للأفراد، منها مراقبة أنشطة المواطنين على الإنترنت.

وفى عام 2009، تزايد القلق حيال إساءة استخدام المجالس لسلطات للقانون بعد أن تم الاعتماد عليه لاستهداف أفراد وضعوا حاويات المهملات خارج منازلهم فى غير الموعد المخصص لذلك.

وبحسب تقرير الجارديان، قامت 186 مجلس محلى باستخدام قانون “ريبا” لجمع أدلة عن مخالفات يقوم بها المواطنين من خلال زرع أجهزة تصنت وكاميرات سرية ومخبرين. وهو ما جدد الانتقادات ضد إفراط السلطات فى استخدام القانون وانتهاك الحريات الشخصية بهدف التحقق من أغراض وصفها معارضون بـ”التافهة” وقد شملت الأمثلة: استخدام مجلس “ميدلوثيان” سلطات القانون لمراقبة نباح الكلاب، بينما استخدمه مجلس بلدة “أليردال” فى جمع أدلة عن أشخاص خالفوا القانون بإطعام الحمام.

ووصل الأمر إلى مراقبة سرية لأولئك الذين يخفضون عدد الكيلومترات فى السيارة، ويبيعون ألعاب خطرة، ويمتلكون مزرعة جرو غير مشروعة أو منافذ بيع للألعاب النارية، أو يقيمون حفلات صاخبة، بالإضافة إلى التحقق من صدق طالبى الإعانات من الدولة.
وقامت أحد المجالس بزرع كاميرا سرية بطابق علوى وبنافذة غرفة نوم بأحد المبانى لمعرفة من يقوم بإلقاء القمامة بحديقة خلفية وذلك بعد شكاوى من الجيران.

بينما طلب مجلس مقاطعة “لينكولنشاير” إذن للمراقبة لفترة تمتد لأربعة آلاف يومًا ضمن حملة أطلقها عام 2012 ضد التدخين والمشروبات الكحولية التى تباع للمراهقين دون السن القانونية. وقد برر المجلس الأمر أن من دون هذه المعلومات المجمعة سوف يكون من الصعب رصد المخالفين.

وكذلك دافعت وزارة الداخلية البريطانية عن قرارات منح المجالس إذن المراقبة السرية باعتبارها صدرت بعد إجراءات صارمة وتفتيش مستقل. كما قال متحدث عن الوزارة إن قانون “ريبا” يمنح السلطات المحلية القدرة على معالجة قضايا تؤثر على حياة الكثير من المواطنين مثل: حماية المستهلك والجرائم البيئية، بحسب صحيفة الجارديان.

وكانت قد قدمت المشروع رئيسة الوزراء “تيريزا ماى” عام 2015 حينما كانت تتقلد منصب وزيرة الداخلية، وقد دافعت عن القانون الجديد باعتباره ضرورة للحفاظ على الأمن ومكافحة الإرهاب.

وعلَّق أحد المعارضين للقانون، “بريان باديك” عضو بحزب الديمقراطيين الأحرار: “إنه من السخيف أن تستخدم السلطات المحلية تلك التدابير التى تهدف فى المقام الأول لمكافحة الارهاب فى أمور تافهة مثل مراقبة نباح الكلاب. يجب أن يكون التجسس على العامة الخيار الأخير وليس آداة يومية”.

وأضاف أن قانون سلطات التحقيق الجديد – الذى مر مشروعه مؤخرًا – سوف يحد من قدرة السلطات المحلية على مراقبة اتصالات المواطنين، مستطردًا: “ولكنه سيعطى سلطات مراقبة جماعية لعدد كبير من الجهات الحكومية”.

وقال “باديك”: “إنه مع أى تشريع، فهناك خطر كبير من أن السلطات سوف تستخدمه بطريقة لم يكن ينتويها البرلمان”، داعيًا إلى تطبيق رقابة مناسبة.

وفى نوفمبر الماضى، مرر مجلس اللوردات فى بريطانيا قانون تجسس جديد وصفه الكثير بأنه الأكثر تطرفًا فيما يخص اختراق خصوصية مستخدمى الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى.

فيضيف القانون الجديد سلطات مراقبة للقانون القديم، بما فى ذلك القواعد التى تجبر مزودى الإنترنت على الاحتفاظ بالسجلات الكاملة للمواقع التى يزورها عملاؤها، وهذه السجلات ستكون متاحة لمجموعة واسعة من الوكالات الأمنية، كما يعطى القانون صلاحيات واسعة لمراقبة مستخدمى الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، وحل شفرات الرسائل النصية، ومراقبة المحادثات الصوتية المتبادلة بين المشتبه بضلوعهم فى نشاطات إرهابية.