الأثنين: 22 يناير، 2018 - 05 جمادى الأولى 1439 - 08:09 صباحاً
دفاتر
الأثنين: 8 يناير، 2018

محمد يسري

فما بين خروج إبراهيم الخليل من النار سالماً، وشق البحر لموسى الكليم، ونجاة يونس بعد أن التقمه الحوت وغير ذلك من المعجزات التي ذكرتها الكتب السماوية، تذخر قصص الأنبياء بالأمور الخوارقية الإعجازية المغايرة للقوانين الطبيعة والنواميس الكونية المتعارف عليها.

ولكن هذه المعجزات تقدّم في الكتب والمعتقدات الدينية المختلفة بأشكال متفاوتة، تتناول المقالة أهمها: مسألة كلام السيد المسيح في مهده.

أين ترد تلك المعجزة في الكتب المقدسة؟

إذا ما رجعنا للديانة اليهودية لنبحث عن ذكر لتلك المعجزة، فلن نستطيع أن نجد أي أحداث أو وقائع تتناولها أو تشير إليها من قريب أو بعيد.

ففي التوراة والعهد القديم وباقي الكتب المقدسة عند اليهود مثل المشنا والجمارا والتلمود، ليس هناك أي ذكر لمعجزة نطق في المهد، أو أي حدث شبيه لها. أما إذا ما رجعنا إلى الديانة المسيحية، لوجدنا حالة مشابهة، فليس هناك ذكر لتلك المعجزة، باستثناء بعض الإشارات الواردة في بعض الأناجيل المنحولة أو غير القانونية التي لم تعترف بها الكنائس المسيحية والتي تُعرف باسم (الأبوكريفا)، والتي تذكر بوضوح مسألة كلام المسيح في مهده.

أمّا إذا ما انتقلنا للبحث عن تلك المسألة في الدين الإسلامي، لوجدنا أنّ الأمر يختلف بشكل كامل، فمعجزة كلام المسيح في المهد مذكورة في القرآن الكريم بشكل جلي وصريح، حيث ورد تفصيل أحداث تلك القصة الإعجازية في سورة مريم، حين ترجع مريم إلى قومها والمسيح طفل بين يديها: “فأشارت إليه، قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا (29) قال إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا (30) وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيّا (31) وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيّا (32) والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا (33)”.

وفي تفسيره للقرآن، يشرح ابن كثير الدمشقي (تـ. 774هـ)، المقصود من تلك الآيات، حيث يقول، “وقوله: “فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً”، أي إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفريّة، وقد كانت يومها ذلك صائمة، صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا لها ما قالوه متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم”.

وقد اعتبرت الثقافة الإسلامية الجمعية، مسألة كلام المسيح في المهد، واحدة من أهم العلامات والإرهاصات التي أعلنت عن اصطفائه من قبل الله، وأن ذلك الطفل الصغير سوف يكبر فيما بعد لينال حظّه من النبوة والحكمة والعلم.

عند المسلمين: أسماء أخرى تُضاف إلى القائمة

إذا ما راجعنا كتابات ومؤلفات الحديث والتاريخ عند أهل السنة والجماعة، لوجدنا أنّ هناك الكثير من الأحاديث النبوية التي أقرّت مسألة كلام المسيح في مهده بكل وضوح. ولكن المثير للاهتمام أنّ التراث الإسلامي لا يقصر حدوث معجزة الكلام في المهد على السيد المسيح فحسب، بل إنّ هناك بعض الأحاديث والأثار التي تروي أنّ عدداً من الأشخاص قد تكلموا في مهدهم.

أقوال جاهزة

شاركغردالكلام في المهد: معجزة لا تذكرها الكتب المقدسة اليهودية أو المسيحية

شاركغردمعجزة كلام المسيح في المهد مذكورة في القرآن الكريم بشكل جلي وصريح في سورة “مريم”

فقد جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن “ثلاثة” قد تكلموا في مهدهم، بينما ترد أسماء أخرى في بعض الأحاديث والآثار الأخرى، التي قد تتباين بين القوة والضعف. من هؤلاء “شاهد يوسف” وهو الذي جاء ذكره في القرآن الكريم فيما يخص حادثة تبرئة يوسف عليه السلام من اتهامات زوج العزيز. حيث ذكر القرطبي في تفسيره المعروف بالجامع لأحكام القرآن: “وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة: الأول، أنه طفل في المهد تكلم; قال السهيلي: وهو الصحيح; للحديث الوارد فيه عن النبي-صلى الله عليه وسلم-وهو قوله: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة . . . وذكر فيهم شاهد يوسف”.

وممن شاع وصفهم بالكلام في المهد، ابن ماشطة بنت فرعون، حيث ذكر كل من أحمد بن حنبل في مسنده والحاكم النيسابوري في المستدرك، أن الماشطة لما ذكرت اسم الله تعالى أمام ابنة فرعون، وبلغ ذلك أبيها، فإنه قد أمر بأولادها فتم إلقاؤهم في النار واحداً تلو الآخر، حتى يبعدها عن عبادة الله، فلما حان دور إعدام رضيعها، فإنه قد نطق ليثبتها على التوحيد، فقال: “يا ‏‏أمَّهْ؛ اقْتحمي فإنَّ عذاب الدُّنيا أَهونُ منْ عذاب الآخرة”.

وممن ذكر أيضاً قيامه بتلك المعجزة، طفل صغير مذكور في قصة جريج راهب بني إسرائيل، حيث يذكر ابن كثير في البداية والنهاية، أن قومه لما أحبوا أن يفتنوا جريج الذي عُرف بكثرة الصلاة والطاعة، أرسلوا له ببغي لصرفه عن العبادة، ولكن جريج تمسك بدينه، ولما جاءت البغي ومعها طفل تنسبه لجريج، قام الطفل بالكلام لينفي تهمة الزنا عن الراهب.

أما في فترة الرسالة المحمدية، فقد ذكرت بعض القصص التي تشير لوقوع تلك المعجزة، ومنها قصة رضيع أتى به أبوه للرسول، فنطق الطفل في مهده مؤيداً نبوة الرسول ورسالته، فعرف لذلك بـ”مبارك اليمامة”.

ورغم أن الكثير من المحدثين قد اتفقوا على رواية تلك الحادثة، ومنهم كل من البيهقي في دلائل النبوة، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وغيرهم، إلا أن الغالب على علماء الإسلام تضعيفهم هذا الحديث لكثرة المجهولين والضعفاء في سلسلة روايته.

من ذلك يمكن القول إنّ مسألة “الكلام في المهد” وفق المنظور الإسلامي، لم تقتصر على اعتبارها معجزة فحسب، بل إنّها–في الوقت نفسه–كانت نوعاً من أنواع الحجج الإقناعية، التي تسخّر فكرة الكرامات الإلهية للتدليل على مكانة الأنبياء ولإعلاء مكانتهم وإعطاء سيرتهم طابعاً يميزها عن بقية الناس.

ولعل من المثير للدهشة والاستغراب أنّ هناك بعض الكتابات التراثية الإسلامية مثل تفسير البغوي وسير الواقدي تروي أنّ كلاً من النبي إبراهيم والنبي محمد عليهما السلام كانا من ضمن الأطفال الذين تكلموا في مهدهم. فقد أورد الواقدي أنّ محمد تكلم فى المهد في أوائل ولادته، وأول كلام تكلم به أنْ قال “الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً”.

من جهة أخرى، فإنّ التراث الإسلامي الشيعي لا يكتفي بالإقرار بالقائمة السابقة للأشخاص الذين تكلموا في المهد، بل إنه أضاف الكثير من الأسماء الأخرى سواء كانوا من الأنبياء والرسل مثل نوح وموسى ويحيى عليهم السلام، أو كانوا من الأئمة المعصومين مثل الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري وهو المهدي المنتظر عند الشيعة الإثناعشرية.

حيث يذكر محمد باقر المجلسي (تـ.1111هـ)، في موسوعته “بحار الأنوار”، قصة كلام مهدي الشيعة الإثناعشرية في المهد، بقوله إنه لما ولد، حمله أبوه وقال له: “اقرأ يا بني مما أنزل الله على أنبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم فقرأها بالسريانية، وكتاب إدريس، وكتاب نوح، وكتاب هود، وكتاب صالح، وصحف إبراهيم، وتوراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وفرقان رسول الله”.