الأربعاء: 27 مايو، 2020 - 04 شوال 1441 - 03:07 صباحاً
ثقافة وفن
الخميس: 2 أبريل، 2020

عواجل برس / بغداد

 حاليًا تُصدر وكالات الأنباء العالمية وقنوات الإذاعة والتليفزيون الرسمية حول العالم عناوينها بأخبار فيروس “كورونا” المتحور. فأضحى الخوف من الموت والفناء داء مشترك بين أغلب القوميات البشرية حول العالم التي كانت حتى الأمس على أتم استعداد للموت فداء الحفاظ على أجوائها الجغرافية على الكرة الأرضية.

لكن الأمس يختلف عن اليوم، وقد اتحد الجميع على قلب ولغة واحدة ضد العدو السري وغير المتجانس مع الجنس البشري: هي دفع الشر !.. والأوضاع الأخيرة تشبه أوضاع نهاية العالم. نفس الصورة التي كنا نشاهدها في أفلام الخيال العالمي والقصص العملية-الخيالية. بحسب الكاتبة الإيرانية، “ميترا إلياتي”، في مقالها المنشور بوكالة أنباء الكتاب الإيرانية (إيبنا).

وكانت “سوتلانا الکسیویچ”، الكاتبة والصحافية من “روسيا البيضاء”؛ والحائزة على جائزة “نوبل” في الأدب عام 2015م، قد كتبت: “فجأة ترى نفسك في دنيا مذهلة، تلتقي فيها نهاية العالم مع العصر الحجري”.

الآن في العام 2020م؛ يصارع العالم فيروس “كورونا” المتحور وكأنها نفس الحالة التي تحدثت عنها “الکسیویچ”. ولحسن الحظ يقوم العالم بدراسات واسعة تستهدف تصنيع مصل للفيروس، لكن الطريف أن هذا الكائن كروي الشكل يشبه ساحر القصص الماكر والمحتال، ويتخذ (للمحافظة على حياته) كل لحظة شكلاً ولونًا جديدًا وهو مشغول بالهجوم والسيطرة على العالم بلا رحمة، وكأنه لا يمتلك في مخيلته شيئًا سوى القضاء على البشرية. في هذه الأثناء لا يستطيع البسطاء القيام بشيء سوى الإلتزام بتوصيات “منظمة الصحة العالمية” المتكررة التي تدعو للبقاء بالمنزل والمحافظة على النظافة الشخصية.

لكن وإن كان الحجر الصحي غير المرغوب شاق في حد ذاته تقريبًا، لكن الأوضاع تسير على هذا النحو بالفعل وما من سبيل سوى الصبر وانتظار أخبار جيدة من طرف “منظمة الصحة العالمية”.

من مزايا الجلوس بالمنزل..

لحسن الحظ فيروس “كورونا”، بكل عيوبه، يوفر بدون قصد فرصة لأرباب الفن، وبخاصة الكتاب؛ فالخلوة إلى النفس تطلق عنان العقل إلى تلك الحدود التي لا تدركها الرؤية البشرية، وحركة القلم على الورق الأبيض، وخلق الفنون.

فلقد كان “مارسيل پروست”، الشهير يحب التجول ويجالس الأرستقراطيين في “باريس”، لكنه حين الكتابة كان يغلق الأبواب والنوافذ على نفسه ويسد ثقوب باب المنزل بالفلين حتى تتسرب الأصوات بالخارج إلى الداخل. وبلا شك فإن روايته الخالدة، (البحث عن الزمن الضائع)؛ هي نتاج الحرج الذي فرضه هذا الكاتب الفرنسي الشهير على نفسه.

في مدح البيت والجلوس بالبيت..

كنت قد قرأت مؤخرًا قصة عن “مدح البيت والجلوس بالبيت”، من حوار، “عبده الوزان”، مع الشاعر الفلسطيني، “محمود درويش”، ومقتطفات من أشعاره على النحو التالي :

عبده الوزان: قلت إنك لم تخرج من البيت مدة ثلاثة أيام ؟

محمود درويش: أحيانًا أمكث فترات أطول.

عبده الوزان: ماذا يعني المنزل بالنسبة لك ؟.. ألا تشعر بالتعب والوحدة ؟

محمود درويش: المنزل بالنسبة لي يعني الجلوس مع نفسك، مع الكتاب، والموسيقى والورق الأبيض. المنزل يشبه الاستماع إلى النداء الداخلي والعمل على الاستفادة المطلوبة من الوقت.

يتصور الإنسان عندما يبلغ الستين؛ أنه لم يُعد يملك المزيد من الوقت. أعترف أنني أهدرت الكثير من الوقت في الأعمال الفارغة، في السفر، العلاقات وغيرها من الأعمال المشابهة. الآن أسعى لاستهلاك الوقت في عمل مهم، أقرأ وأكتب. الكثيرون يئنون من العزلة، لكني معتاد على ذلك، فقد هذبته وعقدت معه صداقة قوية.

إعادة إنتاج الواقع..

ثمة مقولة أدبية معروفة هي: الذي يجب أن يقل في العالم حتى يتسنى إبداع الفن؛ من الشذوذ إلى المعايير. وبالمصادفة فقد تم تخصيص الدورة الثالثة لجائزة “أرغوان” الأدبية لموضوع “المرة الأخير”، ولعل يمكننا تعميم المعني الواسع (للمرة الأخيرة) على هذه الأيام السيئة الرهيبة، وأن نكتب في خلوتنا بالبيت عن تلك الأيام، وكابوس هذه الأيام، عن الأمل والخوف، عن إزدحام المستشفيات، عن القبر والمقابر ذات الرائحة الممتزجة بالجير، عن أحبائنا الذين خسرنا، عن الفقد، عن الأمس، عن المنقذين، وعن احتمال سرور تجديد اللقاء.. فسوف ينتهي هذا الكابوس العالمي سريعًا، لكن الأعمال ستظل خالدة.

 

المصدر: كتابات