الأثنين: 6 يوليو، 2020 - 15 ذو القعدة 1441 - 07:45 مساءً
سلة الاخبار
السبت: 16 مايو، 2020

 

بعد شهور طويلة عاشتها بلاد الرافدين من احتجاجات واسعة ضد النخبة الحاكمة، وتحول بغداد لساحة للاغتيالات، على خلفية النزاع القائم بين خصوم دوليين على كسب موطئ قدم داخل دوائر السلطة، صعد مصطفى الكاظمي، رئيس المخابرات السابق، لمنصب رئيس الوزراء، لـ«يكسر هيمنة الطبقة السياسية البرجوازية على هذا المنصب».

 

صعود الكاظمي في وقت ذروة النزاع بين معسكري أمريكا والخليج من جهة وإيران من جانب آخر على الهيمنة السياسية والعسكرية على بغداد، يثير تساؤلات عن منهاج حكومته الذي سيتبعه للخروج ببغداد من نفق هذا النزاع الذي أفقد بلاده كثيرًا من حضورها، وأدخلها حالة من الجمود السياسي ووضع اقتصادي مأزوم. التقرير التالي، يحاول تتبع رؤية الرجل واستشرافها، والذي باركت مختلف الأطراف صعوده لهذا المنصب، وشرع في إصدار سلسلة قرارات على مستوى الشأن العراقي أكسبته شعبية مبدئية.

كيف نجا الكاظمي من عداء الخصوم المُتحكمة في العراق؟

مع صعود الكاظمي لمنصب رئيس الحكومة بمجموعة وزرائه، يكون الرئيس الجديد للحكومة قد نجا من فخين. الأول هو إفشال تمرير ترشحه جانب البرلمان، والثاني هو نيله توافقًا دوليًّا من كافة الدول ذات النفوذ السياسي في العراق، في مشهد ندر حدوثه في السنوات الماضية في بلاد الرافدين.


كانت أول إشارة إلى هذا التوافق من جانب إيران، والتي تمثلت في موافقة البرلمان العراقي، الذي تهيمن عليه القوى السياسية الموالية لإيران، على تمرير ترشيح الكاظمي. أكد هذه الموافقة البيان الصادر من كتلة تحالف «الفتح» (الحشد الشعبي) في البرلمان العراقي، أبرز القوى السياسية الحليفة لإيران في العراق، والتي باركت تنصيبه.

 

وذهب تحالف الفتح إلى أبعد من المُباركة في بيانه إلى طلب الدعم الأمريكي لحكومة الكاظمي قائلة: «على واشنطن أن تبرهن اهتمامها بالعراق بإعطائه أولوية في المساندة والدعم في هذا الظرف الحرج، وأن تؤكد للشعب العراقي جديتها في تقديم المساعدة له، وليس انحيازها لطرف سياسي عراقي ضد طرف آخر»

 

وبعد صعود الكاظمي، كانت المُباركات من السعودية وأمريكا، باتصالين هاتفيين من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالترتيب، مهنئين رئيس الحكومة العراقية الجديد، ومتعهدين بدعم عسكري واقتصادي، في إشارة إلى قبول رسمي به.

 

كما بارك المنصب الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي اتصل هاتفيًّا بالكاظمي، مُبلغًا الأخير أن إيران ستواصل دعمها المستدام للحكومة العراقية، وأن بلاده كانت «وما تزال إلى جانب العراق وبما يصب في مصالح شعبي البلدين»، وتعكس كتابات الكاظمي، قبل خمسة أعوام، طريقة صعوده لهذا المنصب؛ فهو الرجل الذي يرى أن حاكم العراق هو الشخص الذي ينبغي أن يؤدي دورًا «توافقيًّا داخل المصالح المتصارعة في المنطقة (إيران، تركيا، السعوديَّة ودول الخليج)».

 

فالعراق، وفقًا للكاظمي، هي «الدولة الضعيفة» ذات «الوضع السياسي الهشِّ الذي يتوجب على حاكمها الجمع بين التحالفات المتضادة في سياق متناغم وغير مضاد»، وهي صيغة الحكم التي رسمها الكاظمي للسلطة القائمة آنذاك  قبل سنوات، والتي اخترق بها التحالف والحلفاء الدوليين؛ ليصعد إلى المنصب الذي فشل في الوصول إليه أشخاص سابقون.

 

وبحسب تصريحات سياسي مقرب من الكاظمي لوكالة الأنباء الفرنسية: «للكاظمي شخصية لا تعادي أحدًا، صاحب عقلية براجماتية، ولديه علاقات مع كل اللاعبين الأساسيين على الساحة العراقية: علاقة جيدة مع الأمريكيين، وعلاقة عادت إلى مجاريها مؤخرًا مع الإيرانيين».

 

أمر آخر ساهم في نجاة الكاظمي، سبق تنصيبه رئيسًا للحكومة؛ وهو اغتيال قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري، والمسؤول الأول عن هندسة سياسة بلاده في بغداد، وانتقال هذا الدور لجهاز الأمن القومي الذي يقوده علي شمخاني، المُقرب من الإصلاحيين، فقد ساهم هذا التحول، وقبله سلسلة العقوبات الأمريكية على طهران، إلى تبني الأخيرة صيغة للتفاهم مع أمريكا في العديد من الملفات بما فيها العراق، بما خدم الكاظمي في تبني طرح أكثر توافقية خارج فلك رؤية إيران. كما أضعف اغتيال سليماني من قبضة النفوذ الإيراني، التي ما تزال صاحبة الحضور الأهم، ليمنح الكاظمي مزيدًا من الحركة في بعض القرارات التي تجعله يُغازل المعسكر الآخر كالسعودية وأمريكا.

 

من بين هذه القرارات الرمزية كان قرار إزالة صورة أبي مهدي المهندس، نائب قوات الحشد الشعبي في العراق، الذي اغتيل مع سليماني بضربة أمريكية، من مدخل مطار بغداد. كما أصدر أوامر للقبض على قادة حركة ثأر الله، التي تأسست في إيران، عقب قتل أحد أفرادها مواطنًا في البصرة، كما أصدر الكاظمي قرارًا بإغلاق المقر، والتعهد عبر حسابه على موقع تويتر بضبط الجناة.

 

وبحسب تحليل صادر عن معهد واشنطن للأبحاث لمايكل نايتس، المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج، فإن «طرح اسم الكاظمي حدث بتأييد توافقي ودون اعتراض من الكتل الشيعية، ويمكن تصوير ذلك على أنه حفظ ماء وجه الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران، التي كانت سترفضه في الظروف الطبيعية».

ملامح من سياسته المستقبلية: إيران والسعودية والسيستاني

لم يطرح الكاظمي، حتى الآن، قرارًا يشق به الصفوف، متبعًا سياسة التوافق مع الجميع، وسط تساؤلات عما إذا كانت هذه السياسة ستنجح في المستقبل القريب أم أنها ستتغير، وماهية ملامحها الرئيسية. ويعزز من اتباعه هذا النهج التوافقي البرجماتي أطروحات الرجل قبل تنصيبه رئيسًا للمخابرات العراقية، فالصحافي السابق كان يدافع عن استراتيجية فتح قنوات اتصال دون قرارات جذرية تضطر بها بلاده لخسارة حليف من الحلفاء، في ظل الأزمات الكُبرى التي تخيم على بلاده.

 

ملمح لهذه السياسة الخارجية ما ذكره في مقال سابق بموقع المونيتور الأمريكي، من أن «العراق تحديدًا هو البلد الذي من شأنه أن يجمع المصالح الإيرانيَّة والسعوديَّة معًا، وذلك من حيث إنَّ البلدين يقاتلان (داعش) على أرض العراق، إيران مع قوَّات (الحشد الشعبي)، والسعودية مع الائتلاف الأمريكي ضد داعش».

 

أما فيما يخص الشأن العراقي الداخلي؛ فهو يرى أن الحل ينبغي أن ينطلق من إجراء مصالحة اجتماعية شاملة بين كافة الأطياف، بدور متقدم من رجال دين «المعتدلين»، الذين يراهم أكفاء لهذا الدور، ويتقدَّمهم المرجع الديني السيِّد علي السيستاني.

 

فأطروحات الكاظمي السابقة تنطلق من أن مشكلة العراق الداخلية ليست سياسية في المقام الأول؛ فهي أزمة مجتمع عليه «تقريب وجهات النظر في الخلافات الدينيَّة، وأن تنتج أفكار وآراء ومتبنَّيات جديدة تمنع استثمار الخلافات الدينيَّة التاريخيَّة وسيلةً لضرب الوحدة الوطنيَّة والتعايش داخل فئات المجتمع»، وتطبيقًا على هذه السياسة، كانت قرارات الكاظمي، حتى الآن، تأخذ طابعًا توافقيًّا، كالإفراج عن المحتجين وتشكيل لجنة تقصي حقائق جديدة؛ لمعرفة الجهة المسؤولة عن قتل المتظاهرين.

 

بينما كان القرار الأبرز من هذه القرارات هو إعادة الفريق أول عبد الوهاب الساعدي، القائد السابق لـ«قوات مُكافحة الإرهاب»، إلى الجهاز ليتولى رئاسته، بعد أن أبعده رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي في أكتوبر (تشرين أول) 2019، ونقله للعمل في وزارة الدفاع العراقية.

 

حول هذا الأمر، يقول الباحث العراقي ياسر هلاوي، بمعهد الدفاع العراقي البحثي، في تصريحات خاصة «لساسة بوست» أن الأمر شائك والقوى الداخلية المناهضة له قوية وأبرزها نور المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق. لكنه يستدرك قائلًا: «لكنه اتخذ حتى الآن بعض القرارات المهمة مثل إعادة عبد الوهاب الساعدي إلى جهاز مكافحة الإرهاب وتعيينه رئيسًا للجهاز بدلًا من طالب شغاتي. لكن ليس بالضرورة أن تعدَّ الخطوة في سياق مواجهة النفوذ الإيراني، فالساعدي ليس عدوًّا لإيران، وشغاتي كان محسوبًا على أمريكا».

رئيس مجلس الوزراء @MAKadhimi : قررنا إعادة الأخ البطل الفريق أول الركن عبد الوهاب الساعدي وترقيته رئيسا لجهاز مكافحة الارهاب

 

ويضيف هلاوي أن إعادة الساعدي له علاقة أكثر بطمأنة الشارع والمتظاهرين؛ لأن إبعاده في سبتمبر (أيلول) كما اعتقد كان جزءًا أساسيًّا من أسباب انطلاق التظاهرات كونه قائدًا محبوبًا ولعب دورًا مهمًا في قتال «داعش»، مؤكدًا أنه لا يمكن القول بكونه «محسوبًا» على الخليج.  ويتابع أن الكاظمي لن يخرج تمامًا من الحسابات الداخلية؛ لأنه في النهاية مقيَّد بالكتل البرلمانية التي يمكن أن تشلَّ حركته تمامًا. الخليج يدعم أي توجه للحد من النفوذ الإيراني، لكنه لن يتمكن من موازاته.

 

ويُكمل الباحث العراقي بأنه يوجد بيان لكتلة الفتح، التي يرأسها هادي العامري، القريب من إيران، ليس فيه نبرة عدائية ضد أمريكا ويطالبها بدعم أقوى للعراق أو شيء من ذلك، مشيرًا كذلك إلى أنها لا تدعمه ولا تعاديه؛ إذ إنه من المستحيل أن يمرَّ  ترشيح الكاظمي من دون دعم الكتل المحسوبة على إيران، مشددًا على أن النفوذ الإيراني يلعب حاليًا بالتوازي مع النفوذ الأمريكي، رغم اغتيال سليماني والمهندس.

 

وحول رؤيته لسياساته المستقبلية، يقول إنه «لا يمكن الحكم من الآن. هو بالتأكيد يرغب في تمكين سلطاته الأمنية والحدِّ من نفوذ القوى المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، التنفيذ مرهون بالوقت وبحجم الأوراق التي يملكها لتنفيذ ذلك».

 

بعدٌ آخر يضيفه عبد الرحمن الجابوري، الباحث العراقي، لشخصية الكاظمي، عبر صفحته على «فيسبوك»، قائلًا: «إنه ابن العائلة العراقية البسيطة، هو مدني ومن خارج دائرة الإسلام السياسي، هشَّم احتكار القيادة لعوائل البرجوازية العراقية، وعوائل الإقطاعيات السياسية الجديدة، وبدون انقلاب عسكري».

المالكي.. خصم رئيس الحكومة الجديدة الظاهر إلى الآن

يتبع الكاظمي خطًّا مهادنًا للقوى الدولية، مُرحِّبًا بدعم الجميع له، مُلتزمًا بالدبلوماسية لعلها تنجيه من أي انقلاب عليه في الداخل أو الخارج. غير أن الخصم الظاهر حتى الآن للكاظمي هو نور المالكي، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والرئيس الحالي لائتلاف دولة القانون الذي يملك 24 مقعدًا في البرلمان، والذي كان يعوِّل بحسب ما أكده المتحدث باسمه بهاء النوري أن ينضم إليه ائتلاف «الفتح» برئاسة حليفه هادي العامري، ورئيس البرلمان وبعض الأطراف الكردية في رفض التشكيلة الحكومية.

 

ونور المالكي، الذي قضى قرابة ربع قرن في المنفى، أغلبه في سوريا وإيران، وقاوم ضغوط واشنطن لإعادة تكثيف وجودها العسكري في البلاد، ما يزال متمسكًا بحظوظه بصفته الأقرب أيديولوجيًّا وسياسيًّا لإيران، منتظرًا الضوء الأخضر من طهران.

 

دليل آخر على هذه المقاومة من جانب المالكي للكاظمي هو تمسك الأول بتقويض اختيارات الأخير لوزرائه، عبر التشكيك في اختيارات رجل المخابرات التي يشوبها «الفساد» بحسبه، غير أن الحقيقة التي كشفت عنها مصادر مطلعة على مفاوضات الكاظمي مع الكتل السياسية، قالت لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن تحفظات المالكي لا علاقة لها بما ذكره المتحدث باسمه عن ملفات فساد، وإنما لإصرار «دولة القانون على الحصول على وزارة الداخلية التي رست أخيرًا على قائد أركان الجيش الفريق عثمان الغانمي». ولا ينفصل ذلك عن كون إيران داعمة للكاظمي اضطرارًا، مسيطرًا عليها الشكوك تجاهه، خصوصًا في ظل العلاقة «المقرَّبة جدًّا» لرجل المخابرات من الولايات المتحدة.