السبت: 18 يناير، 2020 - 22 جمادى الأولى 1441 - 07:58 مساءً
سلة الاخبار
الأربعاء: 1 يناير، 2020

د.حميد عبدالله

يُبَرر الإسلامِيون بسنتهم وشيعتهم َعمليات الإغتيال التي ينفذونها ضد الخصوم بأنها اقتفاء أثر للسلف الصالح بدءاً من العهدِ المحمدي مرورا بجميع مراحل الدولة الإسلامية.

 اما التنظيمات (الجهادية المتطرفة) فإنها تكيف جرائمها البشعة وغير المسبوقة في العصر الحديث تكييفا ( شرعيا) بالاستناد الى (حدود) طبقها المسلمون الاول سواء بالاعتماد على نصوص في القرآن والسنة ، أو على قرارات اتخذها  اولو امر والتي تدخل في باب (التعزير) وهو اجتهاد امير المؤمنين في إنزال العقوبة المناسبة بمرتكبي (الجرائم) التي ليس لها حد منصوص عليه كشرب الخمر مثلا.

كان اليهود الذين شكلوا (طابورا خامس) ضد مشروع   محمد صلى عليه وسلم في نشر الدعوة الاسلامية هم المستهدفون في الاغتيالات الاولى التي نفذها  المسلمون بأمر النبي أو بعلمه، وكان اول وأبرز (ضحايا) تلك الإغتيالات هو الزعيم اليهودي كعب بن الأشرف الذي اغتيل على يد مجموعة من المسلمين كلفهم الرسول بتنفيذ المهمة ، ومازال الجدل والنقاش يدور حتى هذه اللحظة حول مشروعيّة اغتيال كعب، وعن ظروف تلك الواقعة من جهةٍ، وكيفية فهمها وقراءتها بمعايير العصر الحديث من جهةٍ أخرى!

بيئة المجتمع الإسلامي منذ السنة الثالثة  للهجرة باتت زاخرة بالإغتيالات التي طالت في العهد الراشدي ثلاثة من الخلفاء من اصل اربعة مايعكس اضطرابا لايمكن تخطيه او نكرانه  كان يعصف بالدولة الاسلامية ومجتمعها .

فلسفة الإغتيالات في العصور الإسلامية المتعاقبة ، عدا ما وقع منها في العهد المحمدي، كانت تعتمد على الاجتهاد  الذي إن أصاب صاحبه فله حسنتان وإن أخطأ فله حسنة ، اما اسباب الاغتيالات فمرتبطة بالصراعات السياسية ، والنفوذ ، والسلطة ، وبعضها من ترسبات الثارات القبلية المؤجلة التي لم يستطع الإسلام تحرير المجتمع منها بنحو جذري ، غير انها جميعا اصطبغت بالصبغة السياسية ، وتأطرت تحت مسوغ تخليص الدين من الانحرافات التي علقت به والتي قد تبعده عن النهج المحمدي وكل حسب اجتهاده ورؤيته!

ورثت حركات واحزاب الإسلام السياسي بشقيها السنية والشيعية  موروثا واسعا وغزيرا من فتاوى القتل فانتقمت منها ما يلائم مقاساتها السياسية ، واضافت اليها من الغلو والتطرف مايجعل منها ( شريعة) فضفاضة لتصفية الخصوم تحت مسميات وتوصيفات مختلفة ابرزها( الضلالة) و( والزندقة ) و(الخروج عن الملة)!!

يمكننا أن نؤشر البدايات الاولى  لموجة الاغتيالات التي نفذتها قوى الإسلام السياسي الى مطلع الأربعينات من القرن الماضي وتحديدا في عام 1945 اذ اغتيل في تلك السنة رئيس وزراء مصر احمد ماهر ثم القاضي احمد الخازندار في عام 1948 ثم محمود فهمي النقراشي في ديسمبر من نفس العام مرورا بوزير الأوقاف المصري عام 1977  وصولا الى انور السادات عام 1981 وفرج فودة عام 1992 الذي اغتيل من قبل الجماعة الإسلامية المنحدرة من سلالة الاخوان ذاتها!

في الضفة الاخرى دخلت الاحزاب والقوى الشيعية ميدان المواجهة ضد خصوم ( الضلالة والردة والزندقة ) لكن في وقت متاخر يعود الى مطلع الثمانينات من القرن الماضي في ذروة الصراع بين النظام السياسي البعثي في العراق ونظام ولاية الفقيه الحاضنة الداعمة لقوى الإسلام الشيعي  .

اما اهم عمليات التصفيات والاغتيالات التي نفذتها قوى الاسلام الشيعي  والتي تستحق الإشارة اليها فهي 

  • محاولة إغتيال طارق عزيز في نسان 1980 

  • تفجير سينما النصر في بغداد واصابة وقتل العشرات 

  • تفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت من قبل الجهادي  (ابو مريم) في ديسمبر من عام 1981 ما تسبب بمقتل 61 شخصا وجرح 110 آخرين

  • تفجير وزارة التخييط العراقية عام 1982 بسيارة يقودها   الجهادي أبو بلال وهو عضو في الخط العسكري لحزب الدعوة، والذي كان يشرف عليه في ذلك الوقت عبد الكريم العنزي

  • تفجير مبنى الاذاعة والتلفزيون عام 1983

  • اغتيال معاون الملحق الثقافي العراقي في السفارة العراقية بالكويت، هادي عواد سعيد وابنه البكر عام 1985 في منزلهما بالكويت، وقد اعتقل القاتل الذي استخدم مسدسا كاتما للصوت، وتبين أنه عضو في حزب الدعوة

  • تفجير سيارة مفخخة عند مستشفى ابن البيطار عام 1987.

انني حين أدرجت عمليات التفجير في خانة الاغتيالات ليقيني إن القتل السياسي سواء  عبر محاكم صورية، او بسياط الجلادين داخل زنازين التعذيب لاتختلف عن الإغتيال بالسم او بكاتم الصوت.

إن مايجري في العراق اليوم من اغتيالات للنشطاء انما هو ( عمل جهادي) بحسب  فتاوى الإسلام السياسي ، وهذه الفتاوى هي امتداد لمنهج الاخوان المسلمين اصحاب الخط (الدعوي) كما اطلقوا عليه، وكلاهما ، الاخوان ومشتقاتهم ، والدعوة ومشتقاته يفلسفون  الاغتيالات وتصفية الخصوم على انها الطريق الاقرب الى الله في تحقيق رسالته وبناء دولته التي يعز بها الإسلام وأهله ويذل بها النفاق وأهله .

 لا اتهم هنا حزب الدعوة في التورط باغتيالات الشباب لكن الاشارة هنا جاءت من خلال ابوية (الدعوة) لمعظم قوى الإسلام السياسي الشيعي وان اختلفت بعضها عن الأب في بعض الاجتهادات والمواقف في العمل السياسي.

أتذكر هنا فتاوى لرجل دين شيعي يقيم في دولة مجاورة كانت متداولة في كاسيت في منتصف عقد التسعينات يبيح فيها تفجير دور السينما اذا كانت تعرض أفلاما إباحية تخدش الحياء،  وتهدد القيم الدينية، مثلما أباح تفجير المقهى التي تمارس فيها لعبة النرد (الطاولي) إذا كانت تلك المقهى تابعة للدولة، وهو نفسه الذي حرم تناول الطعام في مكان معلقة في أحد جوانبه صورة لصدام حسين !!