الأربعاء: 17 أكتوبر، 2018 - 05 صفر 1440 - 11:07 مساءً
دفاتر
الخميس: 22 مارس، 2018

مضمون السؤال المحورى عن “هوية عبد الناصر السياسية قبل 1952″، قتل بحثًا طيلة العقود الستة التى تلت حركة الضباط الأحرار، غير أنه لا يزال يثير الاهتمام حتى الآن.

  • لم يؤمن عبد الناصر بالإخوان أو البنا.. والجماعة تعاملت معه بانتهازية
  • محاولة اغتيال عبد الناصر أنهت شهر العسل بين الإخوان وثوار يوليو
  • العلاقة بين الإخوان ويوليو 52 وخصوصًا عبد الناصر كانت علاقة نفعية

خصوم عبد الناصر من غير المنتمين للجماعة، لا يترددون فى رمى الزعيم الراحل بذلك الاتهام، بل إن بعضهم يرون أن العداوة التاريخية لأبناء حسن البنا تُجاهه، سببها أنه انقلب على بيعة المرشد، ونكّل بأتباعه للاستئثار بالسلطة، فيما يقول أعداؤه من كوادر وأعضاء التنظيم أنه تربى بداخله، ورتب للثورة بعلم قياداته وبتحريض منهم، قبل أن يتخلص منه ومن رموزه، واحدًا تلو الآخر، بالإعدام أو الاعتقال، لاقتناص كرسى الحكم.

الرأيان، سواء من يرجح إخوانية عبد الناصر، أو من ينفيها عنه، يستندان إلى حزمة من المذكرات الشخصية لقيادات بالجماعة، إضافة إلى عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، حيث يؤولها كل فريق على طريقته، بينما تبقى شهادتان أساسيتان محل جدل وتركيز، من جانب المتصدين للتفتيش عن الهوية السياسية والإيديولوجية لقائد الضباط الأحرار قبل يوليو 52.

الشهادة الأولى للمستشار الدمرداش العقيلى، وكان عضوًا فى التنظيم السرى المسلح للإخوان، بقيادة عبد الرحمن السندى، وتدعى عضوية عبد الناصر للجماعة. أما الثانية فهى لعضو مجلس قيادة الثورة، خالد محيى الدين، والصادرة فى كتابه الشهير “والآن أتكلم”، وتجزم بأن عبد الناصر كان يساير التنظيم فقط، ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.

هاتان هما الشهادتان محل التأويل من غالبية الباحثين عن علاقة الزعيم الراحل بالجماعة، وإن كانت الوقائع والأحداث فيهما تكشفان بوضوح أن عبد الناصر كان مع الإخوان بالترتيب لا التنظيم، أو كما يقول الباحث محمود عبد الحميد عرفات، فى تحليله لشهادات عدة عن زعيم يوليو وعلاقته بالإخوان، ضمت كتابات محمد حامد أبو النصر، وكمال الدين حسين، وعبد اللطيف البغدادى، وأحمد حمروش، وحسين حمودة، ومأمون الخضيبى، وثروت عكاشة، ومحسن عبد الخالق، وصلاح شادى، وصالح أبو رقيق، وعبد المنعم عبد الرؤوف، وغيرهم، إن عبد الناصر تنقل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتميًا فكرياً لإحداها، فيما كان انتماؤه للإخوان كأقوى تنظيم موجود يتيح انضمام العسكريين وله أرضية لا ديمقراطية تناسبه، وبالتالى فهو لم يكن من الجماعة فكريًا، بل تنظيمياً لنيل مصلحة دون الإيمان بها.

وأخيرًا وبشهادة الإخوان، وفق الباحث، قطع عبد الناصر فى صناعته للأحرار، الصلة بالإخوان والنظام الخاص “بقيادة عبد الرحمن السندى”، وعارض توجهاتهما الفكرية ورؤيتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال.

والثابت أن جماعة الإخوان كانت على اتصال ما بعدد غير قليل من الضباط الأحرار، لكنها لم تكن سندًا لثورتهم، فالقصة برمتها تلخصت فى رغبة التنظيم فى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة، عبر مساندة مستترة لأولئك المغامرين، ومن ثم لم يمتد شهر العسل بين الطرفين سوى نحو عام ونصف العام فقط.

العلاقة إذًا بين الإخوان ويوليو 1952، وفى القلب منها عبد الناصر كانت بالأساس علاقة نفعية من جانب التنظيم، ومحاولة من جانب الضباط لتأمين ظهير شعبى فى الشارع، غير أن الاختلاف احتدم بين الجانبين، حينما اكتشف مجلس قيادة الثورة أن الجماعة تريد أن تركب الحكم من خلالهم، فكان الصدام العنيف.

يقول الدكتور رفعت سيد أحمد، مدير مركز يافا للدراسات السياسية، إن علاقة الإخوان بالضباط الأحرار تعود إلى منتصف الأربعينيات من القرن الماضى، ففى تلك الفترة تمكنت الجماعات العقائدية كالإخوان والتنظيمات الماركسية ومصر الفتاة من اجتذاب بعض الشباب من ضباط الجيش، وكان من بين من أنضم للجماعة عبد المنعم عبد الرؤوف، وأنور السادات، وكمال الدين حسين.. وهو ما ينطبق كذلك على عبد الناصر.

وبحسب رفعت سيد أحمد، حل عبد المنعم عبد الرؤوف، محل أنور السادات كضابط اتصال بين الجيش والإخوان بعد القبض على الأخير فى أغسطس 1942، بينما أخذ الأول يدعو فى الصفوف العليا للضباط لتأييد الإخوان، وساعده فى ذلك محمود لبيب، وكيل الشؤون العسكرية بحركة الإخوان المسلمين، وكان ضابطًا متقاعدًا، حيث تم لقاء بينه وبين جمال عبد الناصر فى صيف 1944، تأثر على إثره الزعيم الراحل وبدأ يرتب لعمل ما لتغيير الأوضاع فى مصر.

بينما يقطع رفعت سيد أحمد بأن عبد الناصر لم يتأثر بالإخوان وحده، وإنما هناك ضباط آخرون داخل الجيش مثل رشاد مهنا وحسين الشافعى، انضموا للتنظيم. غير أنه عاد ليؤكد أن الرئيس الراحل كان منفتحًا على التنظيمات كافة فى تلك الفترة الدقيقة من عمر مصر، وبالتالى فهواه لم يكن إخوانيًا وحسب.

بعض المصادر التاريخية، تؤكد وجود ثلاثة شخصيات إخوانية بارزة، هى صلاح شادى وعبد الرحمن السندى “من رموز التنظيم السرى المسلح للجماعة”، وحسن عشماوى، كانوا على علم بموعد الثورة، وإن كان ذلك قد تم من دون علم مرشد التنظيم آنذاك، حسن الهضيبى، بينما تم الاتفاق، وفق ريشارد ميتشل، فى كتابه الشهير “الإخوان المسلمون”، على الدور الذى يمكن أن تلعبه الجماعة يوم الثورة، والذى تضمن ثلاثة محاور أساسية، هى: إذا ما نجحت الثورة فعلى التنظيم تأمين الوضع فى الداخل وحماية المنشآت الأجنبية وإثارة حماس الجماهير لها إذا ما احتاج الأمر إلى ذلك، على الإخوان أن يساعدوا فى حماية الضباط الأحرار وتوفير سبل الهرب لهم إذا ما فشلت الثورة، التصدى لأى تدخل بريطانى محتمل الوقوع.

المثير أن الهضيبى رفض إصدار بيان تأييد للثورة، رغم طلب الضباط الأحرار ذلك، إلا بعد أن غادر الملك فاروق البلاد. وفى بداية أيام الثورة، كان الوفاق كبيرًا بين الضباط الأحرار والإخوان، فعبد الناصر زار قبر حسن البنا، كما يقول الدكتور رفت سيد أحمد، فى دراسة له بعنوان “الإخوان وعبد الناصر”، كما تمت إعادة التحقيق فى مصرع حسن البنا، والقبض على المتهمين وتقديمهم للمحاكمة، وقد قضت المحكمة بالسجن 15 سنة على الأميرالاى محمود عبد الحميد مدير المباحث الجنائية الذى تم اتهامه بتدبير عملية الاغتيال، كما حكمت بمدد مختلفة على آخرين.

وفى أكتوبر أصدرت عفوًا خاصًا عن قتلة المستشار أحمد الخازندار وعن بقية المحبوسين فى قضية مقتل النقراشى باشا، وعن المحكوم عليهم من الإخوان فى قضية المدرسة الخديوية. كما تم استثناء الإخوان من قانون حل الأحزاب السياسية.

إلا أن تدخلات الإخوان فى شؤون الحكم، فى محاولة للسيطرة عليه، على حد وصف الدكتور عاصم الدسوقى، أستاذ التاريخ الحديث، قطعت حالة الوفاق المؤقت، فيما يفصل رفعت سيد أحمد، أهم الخلافات بين التنظيم والضباط الأحرار، فى إجراء الأول مباحثات مباشرة مع الإنجليز بشأن الجلاء، وتجنيد الإخوان لأفراد بالجيش والبوليس، ومطالبة عبد الناصر بحل التنظيم السرى، ورفضه مطالبات الهضيبى بإصدار قانون لفرض الحجاب والتصديق على قرار مجلس قيادة الثورة قبل إصدارها، إضافة إلى تراجع الجماعة عن تعيين وزراء من جانبها فى الحكومة، فضلًا عن دورها فى أزمة مارس 1954.

فى تلك الأزمة، التى دارت رحاها بين أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو 1952، كان التنظيم فى الموعد. لعب على كل الحبال، تفاوض مع جمال عبد الناصر، وساند اللواء محمد نجيب. أشعل المظاهرات فى الشارع، ثم تصدر مشهد الداعين للتهدئة.. كان يبحث عن المكاسب الخاصة ولا شىء غيرها.

من المعروف آنذاك، أن شهر العسل قد انتهى رسميًا بين الجماعة ومجلس قيادة الثورة. فى 14 يناير 1954 صدر القرار بحلها، بعد أن سبق أن تم استثناؤها. تبع ذلك حملة اعتقالات واسعة فى صفوف التنظيم، طالت المرشد نفسه، حسن الهضيبى.

غير أن الانفجار الذى وقع فى مجلس قيادة الثورة، بين نجيب والضباط الصغار وعلى رأسهم عبد الناصر، أتاح للإخوان، بحسب المؤرخ الراحل الدكتور عبد العظيم رمضان، فى كتابه “الإخوان المسلمين والتنظيم السرى”، الفرصة مرة أخرى ليلعبوا دورًا جديدًا.

وترجع الأزمة بين نجيب وعبد الناصر ورفاقه، التى تعرف بأزمة مارس 1954، إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى فبراير من العام نفسه. سلسلة التجاهلات والتحديات التى ووجه بها الأول داخل مجلس قيادة الثورة دفعته لتقديم استقالته، حيث خرج من مقر القيادة تاركًا الضباط الصغار يواجهون أخطر أزمة تهدد الثورة.

مجلس قيادة الثورة قبل الاستقالة، ونصب جمال عبد الناصر رئيسًا له، وكذا رئيسا للوزراء. غير أن ذلك الإجراء أشعل غضب سلاح الفرسان فى الجيش، ومن ثم أصر ضباطه على عودة نجيب بلا سلطة كرئيس لجمهورية برلمانية، واضطر عبد الناصر إلى الإذعان، وأوصى مجلس قيادة الثورة بإسناد الوزارة إلى خالد محيى الدين. ومن ثم عاد اللواء على هذا الأساس.

الأزمة لم تنته عند هذا الحد. ضباط الصف الثانى من الضباط الأحرار، من المنتمين للأسلحة الأخرى، خشوا أن تسحب منهم مع انتصار نجيب، بينما أعطى إسناد الوزارة إلى خالد محيى الدين المعروف بميوله الماركسية، انطباعا بأن سلاح الفرسان دبر انقلابا شيوعيا. فانقلبت كفة الميزان مرة أخرى، وانتهى الأمر بنجيب ومحيى الدين إلى الاعتقال.

هنا انطلقت الجماهير يومى 27 و28 فبراير فى مظاهرات غاضبة أمام قصر عابدين، اعتراضا على المصير الذى آل إليه اللواء. قوام تلك الجماهير، وفق عبد العظيم رمضان، كان من قواعد الإخوان والوفد والحزب الاشتراكى.

من غير الثابت أن مظاهرات اليوم الأول كانت من تدبير الإخوان. بما يعنى أنهم التحقوا بها ولم يدعوا إليها. لكن التنظيم السرى للجماعة وقف بكل قوته خلف مظاهرات اليوم الثانى.

التنظيم السرى، ودون علم عبد القادر عودة، الذى كان يدير الجماعة فى غياب الهضيبى، وكان يميل لحله أصلاً، دعا لمظاهرات مسلحة يوم 28 فبراير. ما حركه هو عداؤه للثورة التى ضربته بالأساس بينما كانت تضرب الجماعة نفسها.

مظاهرات اليوم الثانى فاجأت عبد الناصر ورفاقه بشدة، خاصة أنها شهدت صداما بالرصاص بين محتجين والبوليس، كما أنه رأى كيف تحول موقف عبد القادر عودة الذى كان يتفاوض معه منذ صدور قرار حل الجماعة من أجل رأب الصدع بين الطرفين، على أن يعاد تفعيل تحالف المصلحة بين الفريقين، ولكن بعد إحداث تعديلات فى صفوف كل منهما بحيث يصبح الإخوان من دون تنظيمهم السرى وبلا عمل سياسى وبلا نشاط داخل الجيش والبوليس، ومجلس قيادة الثورة من دون نجيب والموالين له.

عبد الناصر رأى انتهازية الإخوان فى ذلك اليوم. عودة انضم تحت وطأة المظاهرات العارمة إلى نجيب، بل وحُمل على الأعناق بينما هتف المحتجون “السجن لجمال”، قبل أن يصعد إلى شرفة قصر عابدين إلى جوار نجيب طالبا من الجماهير الغاضبة الهدوء، فى إشارة إلى عودة اللواء إلى قيادة مجلس الثورة.

فى حين لم يفوت الفرصة التاريخية التى أتيحت له، ليحول انتفاضة المصريين لحماية ثورتهم، لمناسبة خاصة بجماعته، ومن ثم لم يتردد فى إلقاء خطبة عليهم قال فيها: “حدث اليوم أن أطلق الرصاص على طلبة الجامعة، وهو مظهر من مظاهر الديكتاتورية. إن الإسلام وراء القضبان، وإن المسلمين معتقلون وسجناء، فأفرجوا عنهم”.

عودة دفع الثمن غاليا مساء ذات اليوم. اعتقل إلى جانب مجموعة من الإخوان ليقبعوا فى السجن الحربى، بينما ينتهى به المطاف بعد فترة إلى الإعدام.

بحلول شهر مارس، أصبح معظم قادة الإخوان داخل السجون، وانعزلت الجماعة تمامًا عن الأحداث، وعن نضال القوى الديمقراطية والشعبية، الذى أثمر فى 25 من ذات الشهر، عن إجبار مجلس قيادة الثورة على اتخاذ مجموعة من القرارات التاريخية “لم ينفذ معظمها فيما بعد” بالسماح بقيام الأحزاب، وانتخاب جمعية تأسيسية انتخابا حرا مباشرًا تكون لها السيادة الكاملة والسلطة المطلقة وتوكل إليها مسؤوليات البرلمان، والأهم حل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو 1954 باعتبار أن الثورة انتهت، ومن ثم تسليم البلاد لممثلى الأمة، وتنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها.

لكن الإخوان لم يخرجوا من الصورة. الخلاف بين الضباط الأحرار وبينهم، كان خلافا بين متحالفين لا متناحرين، وعليه تسابق فى تلك الفترة نجيب وعبد الناصر على كسب ود الجماعة، رغم أن قادتها كانت فى السجن.

عبد الناصر كان أسرع من نجيب. تفاوض مع الإخوان داخل السجن الحربى، وأخرج الهضيبى من السجن.. وفى مساء يوم الإفراج عنه زاره فى بيته بصحبة صلاح سالم، لتلطيف الأجواء بين الطرفين، وأعلن ذلك فى الصحافة والإذاعة.

نجيب أدرك أنه خرج من اللعبة. الهضيبى تهرب من الرد على مكالماته الهاتفية. قيل له ذات مرة “المرشد فى الحمام”، بل إنه رفض دعوة اللواء التى أبلغه بها عبر وسيط، بالخروج فى مظاهرات شعبية للمطالبة بالديمقراطية، بحجة “الانتظار والهدوء حتى يتم الإفراج عن المعتقلين كافة “.

وفى الأخير عزله مجلس قيادة الثورة نهاية 1954، بسبب مطالبته بعودة الجيش لثكناته، وعودة الحياة النيابية، وتم وضعه تحت الإقامة الجبرية مع أسرته بعيداً عن الحياة السياسية لمدة 30 سنة.

أما الإخوان فرغم خروجهم بمكاسب وقتية، إلا أن علاقتهم بعبد الناصر انتهت سريعاً، إذ لم يلتزم أى منهما باتفاقه مع الآخر. حادث المنشية الذى اتهم فيه التنظيم بمحاولة اغتيال الزعيم الراحل، أجهز على المستقبل السياسى للجماعة بعد ثورة 1952.

وعن تلك الفترة الحساسة التى انتهت بقرار بات خريف العام 1954بحظر التنظيم، يقول الدكتور رفعت سيد أحمد، مدير مركز يافا للدراسات، فى دراسة له بعنوان “عبد الناصر والإخوان”: “واستمرت الحملات المتبادلة بين الجماعة وبين الثورة طيلة شهرى أغسطس وسبتمبر عام 1954، ويأتى شهر أكتوبر ليشهد انفجار الصدام بين الإخوان المسلمين والثورة، فمنذ الأيام الأولى للشهر قررت المجموعة التى سميت بقيادة الجهاز السرى، القيام باغتيال عبد الناصر الذى كانت سيطرته الفعلية على البلاد قد وضحت وتحددت، وقد اختارت القيادة محمود عبد اللطيف، وهو سمكرى من ضاحية إمبابة، لإنجاز هذا العمل، وكان هنداوى دوير المحامى وقائد قطاع إمبابة هو الذى أبلغه بهذا القرار، وترك له ثلاثة أيام مهلة لاتخاذ قراره، وفى 19 أكتوبر وهو اليوم الذى وقع فيه عبد الناصر معاهدة الجلاء مع البريطانيين، قرر محمود عبد اللطيف قبول مهمة اغتياله بسبب ما ارتكبه من خيانة بتوقيعه للمعاهدة التى أهدرت حقوق الأمة، وفقا لما اعتقده وقاله لاحقا فى التحقيق معه!! “الهضيبى كان قد رفض الاتفاقية علنًا من قبل”، وقد خطط لتنفيذ المهمة فى نفس اليوم، إلا أن الظروف لم تكن مواتية وسط هذا الحشد المتجمع والمختار بعناية لتنفيذ الخطة بنجاح، لذا تم تأجيلها إلى وقت آخر أكثر ملاءمة”.

وتابع: “فى الرابع والعشرين من أكتوبر زار كمال خليفة وهو واحد من أبرز أعضاء مكتب الإرشاد، جمال سالم نائب رئيس مجلس الوزراء، وأطال فى تهنئته بالمعاهدة “لعبة تقسيم الأدوار التقليدية من جانب الإخوان”، وفى ذلك المساء وبينما كان عبد الناصر يلقى خطابه أمام حشد كبير من المواطنين فى المنشية بالإسكندرية انطلقت عدة رصاصات، وللحظة قصيرة توقف عبد الناصر عن الكلام، بينما الرصاصات تدوى، وكان محمود عبد اللطيف يجلس فى الصفوف الأمامية على بعد 15 مترًا من منصة الخطباء والضيوف، وأصيب ميرغنى حمزة وزير خارجية السودان، والمحامى أحمد بدر، الذى كان يقف بجانب جمال عبد الناصر، الذى لم تصبه الرصاصات، وأصر على متابعة خطبته، بعدما حدث فى السرادق من هرج مرددا قوله: “أيها الرجال فليبق كل فى مكانه.. حياتى لكم، وهى فداء لمصر، أتكلم إليكم بعون الله بعد أن حاول المغرضون أن يعتدوا علىّ، إن حياة جمال عبد الناصر ملك لكم عشت لكم وسأعيش حتى أموت عاملا من أجلكم وفى سبيلكم”.