السبت: 31 أكتوبر، 2020 - 14 ربيع الأول 1442 - 11:43 صباحاً
ثقافة وفن
الأحد: 9 فبراير، 2020

سأل أحدهم مولانا جلال الدين الرومي: كيف تذكرون الله؟ وما هي أورادكم؟ فأجابه في إيجاز قائلاً: “إنّنا منتسبون إلى الله، أتينا منه وإليه ذاهبون، وإنّ ذكرنا هو الله ولا شيء سواه”.

ويُروى عنه أنه قال: “مجالسنا على التحقيق صمت، وذكرنا قلبيّ وروحيّ وسريّ، فلا مدخل للألسنة في ذكر القلب والروح والسر؛ فالفكر ذكر القلب والعشق ذكر الروح والمعرفة ذكر السر، فإذا وصل الإنسان إلى ذكر الروح يلزمه السماع لأن السماع قبل وصول الذكر إلى الروح لا ينفع بل يضر؛ لأنه يحرّك هوى النفس ويسوق النفس إلى محبة السِّوى ويزيد الغفلة عن الله تعالى”.

يتساءل البعض ما معنى الوِرد وما هي الأوراد الصوفية؟ وما الحاجة لالتزام الإنسان بورد معين؟ ألا يمكن للمسلم أن يكتفي بالصلاة المفروضة فحسب؟ أليست الأوراد الصوفية مجرد بدع مستحدثة لم تكن في المجتمع الإسلامي المبكر؟ ويدور سجال طويل بين الصوفيين وخصومهم حول موضوعات كهذه طيلة الوقت، وللأسف يكرر الجميع كلاماً لا معنى له اليوم، لذا سنضرب صفحاً عن كل هذا السجال محاولين أن نتعرف بهدوء على فكرة الأوراد عند مولانا جلال الدين الرومي، وهل كان لهذا الصوفي ورد معين التزم به في حياته الصوفية ولقّنه لمريديه وتابعت الطريقة المولوية نهجه من بعده؟

تساءل البعض ما معنى الوِرد وما هي الأوراد الصوفية؟ وما الحاجة لالتزام الإنسان بورد معين؟ ألا يمكن للمسلم أن يكتفي بالصلاة المفروضة فحسب؟ أليست الأوراد الصوفية مجرد بدع مستحدثة لم تكن في المجتمع الإسلامي المبكر؟
البرنامج الصوفي لعمل اليوم
الورد هو برنامج للذكر اليومي، فاليوم عند الصوفي ينقسم إلى صباح ومساء، أو إلى ليل ونهار، ولا بد أن يعمّر الصوفي وقته بذكر الله. ويكون الذكر بقراءة القرآن أو الدعاء أو ترديد أسماء الله الحسنى، وأغلب الأذكار مما ورد في السنة أو المأثور عن الصحابة، وأغلب الطرائق تلتمس لأورادها سنداً من الكتاب والسنة، وقد لاحظ غير واحد من المتابعين للطريقة المولوية على اختلاف العصور أن مبنى هذه الطريقة على دوام الاشتغال بالذكر والسلوك والمحبة، ومن شأنهم الذكر الخفيّ مع حبس النفس والدوران.

يؤمن أغلب الصوفية أن الالتزام بالأوراد سبب لدوام الوارد عليهم من الأذواق والفتوحات ودوام التوفيق في طريق السلوك، والمداومة على الأوراد سبب للوصل، ويضرب إسماعيل حقّي البرسوي، صاحب تفسير “روح البيان”، لذلك مثلاً بالنهر: “ألا ترى أن النهر إنما يصل إلى البحر بسبب إمداد الأمطار والثلوج التي في الجبال، فلو انقطع المدد فقد المرام، ومن هنا حافظ العبّاد والسالكون على الأوراد في الليل والنهار وجعلوها على أنفسهم بمنزلة الواجبات، ولذا لو فات عنهم ورد الليل قضوه في النهار، ولو فات عنهم ورد النهار قضوه في الليل، حتى لا ينقطعوا دون السبيل، فإن من عرف الطريق إلى الله لا يرجع أبداً عنه، ويحب أن يكون من أهل اليقظة والشهود والواصلين إلى مطالعة الجمال في كل مشهود”.

وتروي مشايخ الصوفية روايات عن أشخاص تركوا أورادهم ليلة أو نهاراً فحذّروا في مناماتهم بعاقبة ذلك، ورأوا أحلاماً عجيبة جعلتهم يدركون بعدها أهمية الحفاظ على الأوراد. إن مثل هذه الحكايات لا تزال تُروى للمريدين في بداية الطريق، أو للمحبّين بحسب رتب المولوية، فالمحب هو سالك مبتدئ يخوض تجربة التصوف عبر برنامج معدّ بطريقة محكمة، حتى يغتسل من كل ما سبق، ويولد ولادة جديدة!

يسرد مولانا في المثنوي قصة يوضح فيها أن قول المريد “يا الله” هو عين قول الحق تبارك وتعالى “لبيك”، وينبّه في أثناء حديثه على عدم ترك الذكر فإن من يترك الوِرد يلقى الشدائد ويهوى في المصائب والملمات، وله رباعية يتحدث فيها عن هذا المعنى قائلاً: اعلم أيها الإنسان العاقل علم يقين، ويا أيها الإنسان العاشق، أنه لا سبيل إلى المسلم أن يكون في مذهب العشق كافراً، فالبدن والإيمان كلاهما ثاويان في العشق، وإن العقل والقلب والروح ليسوا مجال بحث أو مناقشة، وإن الإنسان الذي لا تصيبه هذه الحال لا يكون عاشقاً على أي صورة من الصور!
فالعاشق عند مولانا لا يصبح عاشقاً دون وِرْد أو ذكْر يلتزم به في نهاره وليله!
العاشق عند مولانا لا يصبح عاشقاً دون وِرْد أو ذكْر يلتزم به في نهاره وليله
أذكار المولوية
كيف يمكن للعاشق أن يكون مقيّداً بقيد معين؟ كيف نحدد له صورة منتظمة مرتبة لا بد أن يكون عليها؟ هل كان الرومي ملتزماً بوِرد معيّن حافظ عليه طيلة حياته ولقنه للمريدين في حياته؟

مدرّبة رقص دوراني في الأردن: “موجود قبل الصوفية وجلال الدين الرومي أعاد اكتشافه”

الفرار من أرض الديانات إلى سماوات الصوفية

بين المجاز اللذيذ والحقيقة المؤلمة… رحلة من الصوفية إلى بارات سوريا والمنفى

إننا لا نعرف بشكل مؤكد مجموعة الأوراد التي كان يرددها الرومي، ذلك أن أغلب المصادر التاريخية التي اهتمت بحياته ومناقبه لم تخصص لهذه المسألة حديثاً مفصّلاً، لكن المراجع التي اعتنت بالحديث عن مولانا والطريقة المولوية عنيت بذلك، لكننا لا نعدم بعض المرويات التي تشير إلى التزام الرومي بأدعية وأوراد معينة، ومن ذلك ما يرويه الأفلاكي في كتاب “المناقب” أن مولانا كان كثيراً ما يردد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم التالي كوِردٍ من أوراده:
“ربِّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً وَفِي قبَرِي نُوراً ومِنْ أَمَامِي نُوراً وَمِنْ ورائي نُوراً وَعَنْ يَمِينِي نُوراً وَعَنْ شمالي نُوراً ومِنْ فَوْقِي نُوراً وَمِنْ تَحْتِي نُوراً وَفِي أُذنِي نُوراً وعيني نوراً وشعري نوراً، وجِلدي نوراً وَلحمي نوراً ودمي نوراً وعظمي نوراً….”
ثم يقول بعد هذا الدعاء المأثور: لا تخش أحداً إلاّ الله وهو المعبودُ الذي يُلاذُ به في كُلِّ مُلمّة ومُصيبة، ونشكره على كُلِّ النّعمِ، وننزّه الله عن صفات النقصان. وعندما أسمعُ وأرى شيئاً مدهشاً وعجيباً أستغفر الله وأتوب إليه! وعندما أقترف ذنباً أقول: حسبي الله وأعتمد وأتوكّل عليه، وأرجع إليه في كلّ أموري”،
وعند التحقيق نجد أن هذا الدعاء وهذه الكلمات التي رددها مولانا، مدوّنة في أوراد المولوية المرتّبة، التي جُمعت ونُسّقت بعد مولانا بفترة، وما زالت هناك نسخ مخطوطة من هذه الأوراد عُرفت بـ “الأوراد الصغيرة والأوراد الكبيرة”، وقد قدّم كلبينارلي في مؤلفه الكبير عن مولانا والمولوية وصفاً له، مشيراً إلى أن هذه الأوراد متتبعة خطى الطرق الصوفية الأخرى، وبصورة خاصة الطريقة النقشبندية.
التحفة البهية في الطريقة المولوية
من المؤلفات التي كُتبت عن الطريقة المولوية وآدابها كتاب “التحفة البهية للطريقة المولوية”، لطرابزونلي كوسج أحمد دده، أحد شيوخ المولوية في وقته، وقد لقي كتابه عناية من المحبّين لطريق المولوية، فاضطلع الشيخ غالب دده بكتابة لهذا الكتاب بعنوان “الصحبة الصافية”. وعند تصفحنا لكتاب كوسج دده سنجد أنه خصص فصله الأول للحديث عن كيفية تلقين الذكر وآدابه، ذكر في هذا الفصل أن مولانا كان يشتغل باسم الذات (الله) ويلقنه للمريدين.
ويؤكد كوسج دده كلامه بذكره لحوار معين الدين بروانه مع مولانا، فقد سأل بروانه مولانا ذات يوم قائلاً: إن لكل واحد من المشايخ الماضية اسماً من أسماء الله تعالى يداوم الذكر به، فما هو الاسم الذي تذكرونه في طريقتكم؟ فأجاب مولانا: نحن نذكر في طريقتنا “الله الله الله”، لأنا ننتسب إلى الله ونجيء من الله ونذهب إلى الله ونترك ما سوى الله لأجل الله، وكان والدي سلطان العلماء كذلك يذكر الله الله. فلما كانت الطريقة المولوية طريقة الجذبة، فلا يحتاج السالك فيها إلى النفي “لا إله إلا الله”، وإنما يلزمه أن يذكر اسم الذات فحسب “الله”.
ثم يتحدث الكتاب عن كيفية تلقين الذكر، وضرورة أن يكون هذا التلقين على يد شيخ من مشايخ المولوية حتى ينفع له الذكر ويصل به إلى الله تعالى! وبعد تلقين الذكر يقطع الشيخ بالمقراض ثلاث شعرات أو أكثر، من ناصية المريد أو من شاربه، هكذا ورد في السنّة. والحكمة في ذلك قطع علائقَ المريدِ عن الدنيا.

ماهية الأوراد المولوية
يفتتح مخطوط الأوراد المولوية والمعروف بالورد الكبير لمولانا بدعاء: “اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام، فحيّنا ربّنا بالسلام، وأدخلنا دارك دار السلام، تباركت ربنا بالسلام وتعاليت. لك الحمد يا ذا الجلال والإكرام. سبحانك ما عبدناك حق عبادتك يا معبود. سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك يا معروف، الحمد لله على التوفيق وأستغفر الله على التقصير”.
وثمة آيات قرآنية كثيرة في مخطوط الأوراد، منها: آية الكرسي، سورة يس، الليل، الضحى، التين، البيّنة، الزلزلة، الكوثر، الكافرون، الفاتحة وآيات أخرى من سورة البقرة، كما تُذكر أسماء النبي وأسماء الله الحسنى، ويلحق بالمخطوط غزلية مشهورة في الأدبيات الشيعية هي غزلية “نادِ عليّاً مظهر العجائب”. ولمخطوط الأوراد المولوية شرح باللغتين العربية والتركية، أحسن فيه مصنفه بتأصيل كل ورد فيه على ضوء كتب التصوف السابقة للرومي، ككتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، الرسالة القشيرية وإحياء علوم الدين.