الثلاثاء: 21 نوفمبر، 2017 - 02 ربيع الأول 1439 - 02:35 صباحاً
ثقافة وفن
الأحد: 12 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

جمال باكير

لطالما كان حمّام قصرة عمرة مثيراً للإعجاب والجدل، ليس لهندسة بنائه فحسب، بل لاحتوائه على رسومات أموية قلّ نظيرها، وما زالت تزين سقفه وجدرانه كافة، رغم الضرر الكبير الذي تعرضت له منذ اكتشاف الحمّام في صحراء الأردن على يد المستشرق أليس موسيل حوالي عام 1900 ميلادية.
وقد تم مؤخراً حسم الجدل حول نسبة هذا القصر للخليفة الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان، بناءً على النص الذي تم اكتشافه فوق أحد الشبابيك: ” اللهم أصلح الوليد بن يزيد”. ولم يحكم الوليد إلا لسنة واحدة قبل أن يُقتل عام 744 ميلادي، مما يُرجّح أنه بناه أثناء ولايته للعهد في فترة حكم عمه الملك هشام بن عبدالملك.

ولم يكن هذا الاكتشاف مفاجئاً بالنسبة للعديد من الباحثين الذين رجّحوا سابقاً أن يكون الوليد بن يزيد هو صاحب القصر، فقط من خلال المطابقة بين موضوعات تصاوير الحمّام وبين أخبار واهتمامات الوليد بن يزيد الواردة في كتب الأدب والتاريخ.
وما يعنينا في هذا المقال هو استنطاق بعض النقوش والرسومات التي تزين حمام قصره، للتحقق من اتهامين وردا في سيرة الوليد، أولهما يتعلق بالخلاعة والمجون، والثاني بالكفر والإلحاد.
الانغماس بالملذات
تجمع المصادر التاريخية على تلقيب الوليد بـ”خليع بني مروان”، وتحمل ذات الانطباع عن حياته الخاصة، فمثلاً قال عنه المسعودي في كتابه “مروج الذهب”: “كان الوليد بن يزيد صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء، وهو أول من حمل المغنين من البلدان إليه، وجالس الملهّين، وأظهر الشرب والملاهي والعزف… وغلبت عليه شهوة الغناء على الخاص والعام، واتخذ القيان وكان متهتكاً ماجناً خليعاً”.
كما ورد في “العقد الفريد” لابن عبد ربّه: “عكف الوليد على البطالة وحب القيان والملاهي والشراب ومعاشقة النساء، فتعشّق سعدى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فتزوجها ، ثم تعشّق أختها سلمى، فطلّق أختها سعدى وتزوج سلمى… ثم ندم الوليد على فراقها وكلف بحبها”.
وجاء في ترجمته في “الكامل في التاريخ”: “وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجونه، فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفسّاق إلا تمادياً، فثقل ذلك على رعيّته وجنده وكرهوا أمره”.

لا يبدو عشق الموسيقى والغناء من المذمة في عصرنا، ولا حتى في العصر العباسي وما تلاه من العصور، إلا أن انهماك ولي العهد بحفلات خاصة، مع ما يرافقها من السكُر والبذخ، وانتشار أشعاره الجريئة بشكل علني في فترة قريبة نسبيّاً من العهد النبوي، شكّل بالتأكيد صدمة بالنسبة لعامة الناس. ورغم تشكيك بعض المتأخرين حول صحة تلك الأخبار، إلا أن رسومات قصر الوليد تدعم بلا شك مصداقية الاتهامات المتعلقة بانغماسه في الملذات.
فهنا جارية عارية تماماً في القسم العلوي من الجسد، مع شريطين يلفان الصدر، بدلالات شبقية واضحة، وهي تحمل صحناً تُرمى فيه النقود، بحسب ما ورد في الوصف التعريفي لرسومات القصر في قاعة الاستقبال. كذلك، تظهر رسومات أُخرى لراقصات ونساء عاريات على معظم جدران الحمّام. ولعل بعض تلك الرسومات هي لقيان كنّ فعلاً يقدّمن عروضاً استعراضية في مجالسه.

يدعم ذلك وجود رسومات لعازفين على شتّى الآلات الموسيقية، وأفضل ما تبقى منها هذه الرسمة المواجهة لصدر الحمام، ويبدو أن هذا الضارب على العود هو أحد المغنين المشاهير الذين كان يستضيفهم الخليفة أو ربما يكون الخليفة نفسه، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوليد كان ملحّناً يجيد الضرب على العود والطبل والدف والطنبور.

هذا بالإضافة إلى وجود بقايا تصاوير أخرى ذات مواضيع جنسية مثل الرسومات الرومانية والإغريقية المنتشرة آنذاك في مناطق حوض المتوسط.
لكن كل ذلك لا يبرر الانقلاب على الوليد وقتله، خاصة أن أباه وغيره من الخلفاء الأمويين قد اشتهروا بأخبارٍ وقصصٍ مماثلة، بل إن بعضهم قصفت جيوشهم الكعبة في حصار مكة، ولم ينالوا من التشويه ما ناله الوليد بن يزيد.
المآرب السياسية من تشويه سيرته واتهامه بالإلحاد
يبدو أن السمعة السيئة للوليد لم يكن أغلبها من صنعه، فقد سعى عمه الخليفة هشام بن عبدالملك بإظهار عيوبه في مجالسه وتشويه سيرته قدر الإمكان من أجل إسقاط منزلته بين الناس والتخلص منه كولي للعهد. فعندما أراد يزيد بن عبد الملك أن يحدد وليّاً للعهد، كان عمر الوليد أحد عشر عاماً، ولم يكن تعيينه مناسباً في مثل هذا السن، فعمد يزيد إلى تولية أخيه هشام، على أن يتولاها ابنه الوليد بن يزيد من بعد هشام.
يقول ابن الجوزي في “المنتظم في تاريخ الأمم”: “ولما ظهر من الوليد تهاون بالدين، طمع فيه هشام، وأراد خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأبى، فتنكّر له هشام وعمل سرّاً في البيعة لابنه وتمادى الوليد في الشراب فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد، ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا؟ ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاشٍ، فكتب الوليد يقول:
يا أيها السائل عن ديننا ديني على دين أبي شاكر
نشربها صرفاً وممزوجةً بالسخن أحياناً وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد (لأنه كان أيضاً شرّيباً)، وأنا أرشحك للخلافة، فالزم الأدب واحضر الجماعة، وولاه الموسم (قيادة الناس بالحج)، فأظهر النسك والوقار، وقسّم بمكة والمدينة أموالاً، فلما رأى الوليد تقصير هشام في حقه (لأن ولاية الموسم يُفترض أن تكون لولي العهد) خرج في ناس من خاصته ومواليه، فنزل بالأزرق (شرق الأردن)”. ويتابع: “فلم يزل الوليد مقيماً بتلك البرية حتى مات هشام”.
ويبدو أن القصر الذي نزل فيه بالأزرق هو نفسه قصر عمرة الذي لم يتبقى منه سوى الحمّام. وكان من بين الأسباب الأساسية التي أدت إلى الانقلاب على الوليد وقتله هي العداوة القديمة بين الوليد بن يزيد وأبناء عمومته من جيل الأمراء الصغار، خاصة من أبناء هشام بن عبدالملك والوليد بن عبدالملك.
إذ قام ببعض الإجراءات العقابية إزاءهم جميعاً ما عدا ابن عمه مسلمة بن هشام، لأنه كان يطلب من أبيه أن يرفق بالوليد ويكف عن التشهير به. ومن حينها ازدادت القالة فيه وانتشرت الشائعات عنه حتى اتهم بالكفر والزندقة، وقد صرح بعض المؤرخين أن من أطلق عليه الكفر بعد هشام بن عبد الملك هم أبناء عمه الوليد بن عبد الملك، واتهموه كذلك بغشيان أمهات أبناء أبيه، وهذا يُعتبر من زنا المحارم.
إلا أن معظم جواري أبيه غير مذكورات بأسمائهن في كتب التراث، وكذلك معظم أمهات أبناء الوليد من الجواري غير مذكورات بأسمائهن، مع أن قصص عشق يزيد بن عبد الملك وغراميات ابنه الوليد مُصرّح بتفاصيلها في الكتب، وهي تذكر أسماء الجواري المحبوبات والأشعار التي قالاها فيهن.
ولو كان صحيحاً أن الوليد قد تسرّى بجارية أبيه أو أمهات إخوانه لورد الخبر بالتفصيل ولما فات الأدباء والمؤرخين اسم الجارية وقصتها. والقارىء لديوان شعر الوليد يجد تناقضاً كبيراً بين الأشعار المنسوبة له فيما يخص التعبير عن اعتقاده الديني، فبعضها فيه تصريح بالكفر والإلحاد وبعضها فيه إسلام وإيمان عميقان.
فمثلاً، نُسب إليه أنه قرأ ذات يوم “واستفتحوا وخاب كل جبّار عنيد، من ورائه جهنم، ويُسقى من ماء صديد”، فدعا بالمصحف فنصبه عُرَضاً للنشاب، وأقبل يرميه وهو يقول:
أتوعد كل جبار عنيد ، فهنا أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر، فقل يا رب خرّقني الوليد
وهذا الخبر يتعارض كلياً مع قصائد دينية أخرى له، نختار منها:
الحمدلله وليّ الحمد ، أحمده في يسرنا والجهد
وهو الذي في الكرب أستعين، وهو الذي ليس له قرين
أشهد في الدنيا وما سواها، أن لا إله غيره إلاها
ما إن له في خلقه شريك، قد خضعت لملكه الملوك
أشهد أن الدين دين أحمد، فليس من خالفه بمُهتدٍ
وأنه رسول رب العرش، القادر الفرد الشديد البطش
أرسله في خلقه نذيرا، وبالكتاب واعظاً وبشيرا
وأمام هذا التناقض بين الصورتين المنسوبتين له، نلجأ إلى الشاهد الأقوى وهو الرسومات والنقوش الباقية في قصره، والتي لا تحتمل التكذيب، وهي بمجملها تحسم لصالح صحة إيمان الوليد. فهو وبالرغم من تلهّيه بالملذات المحرمة أحياناً، إلا أنه كان سليم الاعتقاد بالله يطلب منه الصلاح والبركة والرحمة.
فقد استطاع الآثاري الفرنسي فردريك إيمبرت قراءة بعض الكلمات من نص دعاء بالخط الكوفي على طوق صورة الوليد الجالس على عرشه في صدر الحمّام، والكلمات هي: “اللهم اغفر لولي عهد المسلمين والمسلمات …عافية من الله والرحمة”. وقرأ مختصون آخرون في موضعٍ آخر: “اللهم بارك على الأمير كما باركت على داوود وإبراهيم وملته”، بالإضافة إلى نص توحيدي يقول: “بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله… الله”.

وتزداد مصداقية هذه النقوش بالتعبير عن شخصية الوليد إذا لاحظنا أن الحمام ليس للإستعمال العام، إنما للأمير وحاشيته وندمائه والمقربين منه فقط، وبالتالي لم يكن مضطراً لمجاملة المجتمع بتزيين المكان بما لا يتوافق مع قناعاته الخاصة.
ومما يدعم أيضاً نفي تهمة الإلحاد عن الوليد أنه قد زيّن عدة جدران في الحمام بسلسلة مشاهد من قصة النبي يونس المذكورة في التوراة والقرآن. فهنا، تحت رسمة العرش، ورغم تضرر الجدارية، استطاع باحثون رؤية الملاحين في السفينة التي ركبها يونس وهم يلقون أمتعتهم في البحر الهائج، من أجل تخفيف حمولة السفينة، في مشهد مطابق للرواية التوراتية.
وعلى يسار السفينة، يظهر وحش البحر أو الحوت وهو يحوم بانتظار لحظة سقوط النبي يونس.

وفي هذه الصورة، نتابع القصة لكن مع إدخال شخصية أسطورية يونانية على مسار الأحداث لإضافة بعد جمالي بصرياً، بما يتناسب مع أجواء القصة، وما ينسجم مع الثقافة اليونانية المتمثّلة كثيراً في رسومات وكتابات الحمّام، والتي يبدو أنها كانت مؤثرة آنذاك على ثقافة بلاد الشام وعلى أسلوب بعض فناني القصر.
فهذه الحسناء العارية هي “عروس البحر” أو “حورية الماء” التي تسبح مع الأسماك في الأنهار والبحار، وها هم الملاحون يُكملون رحلتهم ويُلقون شباكهم للصيد بعدما ألقوا بيونس في اليمّ.

أما هذه الجدارية فقد تضررت كثيراً، إلا أن بعض الباحثين استنتجوا أن الرسم الأصلي كان لوحش البحر الذي ظهر مع السفينة تحت صورة العرش، لكن هنا يظهر بشكل ضخم على كامل مساحة الحائط، وهو يلتقم نبي الله، ثم يخرج يونس من الجهة الأُخرى بفضل تضرّعه لله وتسبيحه.

وأما المشهد الأخير والأهم في القصة يظهر على أعلى الحائط المقابل، حيث يجلس النبي يونس بمشهدين على شاطىء الأمان وقد نجا من بطن الحوت، مستظلاً بشجره كما ورد في التوراة والقرآن.
والواضح أن اختيار موضع نجاة النبي يونس فوق صورة الأمير وأسفل الدعاء بصلاح الوليد بن يزيد، يشير إلى أن الهدف من القصة ليس جمالياً تزيينياً فحسب، وإنما يستلهم الأمير من تجربة يونس النجاة والتغلب على الصعاب. ولا يفوتنا أن نذكر أن البعض قد نفى تهمة الكفر عن الوليد، إذ قال الإمام الذهبي: ” لم يصح عن الوليد بن يزيد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر و التلوّط”.

رؤية الوليد بن يزيد ونهايته
على الرغم من طغيان أخبار الحياة الشخصية للوليد بن يزيد على أخباره في إدارة شؤون البلاد، إلا أننا نستطيع بقراءة محايدة ملاحظة أنه كان صالحاً في رؤيته للحكم رغم قصر مدة حكمه، ولعلّه أفضل من العديد من الخلفاء الأمويين.
فقد زاد أعطيات الشعب عشرات الدنانير، واهتم أيضاً بتوزيع الهدايا على الأطفال والفقراء، وتكفل بالمرضي وذوي الاحتياجات الخاصة ووكّل لكل واحد منهم خادماً، وعمل على استصلاح الأراضي الزراعية والعناية بالحيوانات، وكان كريماً خدوماً لدرجة أنه كان “لا يُسأل شيئاً قط فيقول: لا”، حسبما أورد ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية”.
فأين تكمن المشكلة؟ كان للوليد تصور بأنه على الناس أن يهتموا فقط بمصالحهم مع الدولة لا متابعة حياة الحاكم الخاصة. فلما بلغه أن الناس يعيبون عليه التهاون أحياناً بترك الصلاة والصيام، قال: “ما للناس وعيب ما نحن فيه؟ لنا منهم الدعاء والطاعة، ولهم منا العدل والإحسان”.
وهذه الرؤية صحيحة لكنها كانت متقدمة جداً بالنسبة لذلك الزمان، فهي لا تناسب طريقة تفكير العوام في المجتمعات الدينية ذات الوعي المحدود، ومن الواضح أنه لم يكن يراعي ثقافة الشعب على عكس الحُكّام ذوي المكر والدهاء الذين يعرفون كيف يحتالون على الرعية. فمما دَرج عليه الناس تناسي بطش الحاكم وجرائمه وفساد حكمه، إذا ظهر بصورة دينية مقبولة للشعب، ولا يغفرون إطلاقاً ما يعتبرونه تقصيراً في علاقته مع ربه، حتى لو كان صالحاً معهم.
ومن هذا الباب، استطاع يزيد بن الوليد التظاهر بالورع والتقوى، وحَشَد الناس ضد ابن عمه الأمير الوليد بن يزيد، فقتله وعلّق رأسه على جامع دمشق، ونصّب نفسه أميراً وأنقص الأموال التي صرفها الوليد للناس، فسموه “يزيد الناقص” وعمّت الفوضى، فسقطت الدولة الدولة الأموية بعدها بأعوامٍ قليلة، وبقيت بعض آثارها الفنية لتكون الشاهد الأصدق على العصر ومادةً مهمة للدراسة وتمحيص الأخبار.