الجمعة: 19 أكتوبر، 2018 - 08 صفر 1440 - 03:29 مساءً
ملفات
الخميس: 21 ديسمبر، 2017

عواجل برس/ بغداد

أسعد زلزلي

بعيداً من مركز العاصمة، تنفث مداخن معامل الطابوق الذي يستخدم في بناء المنازل والبنايات داخل العراق سمومها في سماء مدينة النهروان.

هناك، وعلى أطراف بغداد حيث تسبب مخالفات بيئية كثيرة، يعمل محمد (12 سنة).

يبدأ يوم محمد في معمل طابوق الأمير هو وإخوانه وعائلته، في ساعات الصباح الباكر حتى المساء ليحصل على عشرة آلاف دينار عراقي، أي ما يعادل (8) دولارات، في اليوم.

يجمعون الرمل ومخلفات النفط التي تحرق لتحول الرمال طوباً يستخدم في بناء المنازل والبنايات.

محمد بملابسه الرّثّة وأثار الأتربة التي تعفّر وجهه منذ سنوات، اعتاد حمل الطابوق وتجميعه ونقله، فهو لا يجد بديلاً منه لإعانة ذويه ومساعدتهم في ظروف الحياة الصعبة، وفق ما يقول.

محمد خلال ساعات العمل.

“منذ أكثر من ثلاث سنوات، أتينا أنا وعائلتي من إحدى المحافظات الجنوبية للبحث عن فرصة عمل توفر لنا ما نعتاش به، فلم نجد سوى هذا العمل المتعب الذي وفر لنا المسكن في بيت طيني”، يقول لرصيف 22. ويتابع في لقائنا معه في مكان العمل، أنه وإخوته يعملون للحصول على ما يعيل أسرته، ما اضطره لترك دراسته في المرحلة المتوسطة العام الماضي.

ليس هو الوحيد في هذا العمر وهذا العمل، فهناك أكثر من 30 طفلاً غيره موزعين على عوائل تعمل بكاملها في صناعة الطابوق. يرافق كل عائلة طفل يتراوح عمره بين الثامنة والسادسة عشرة.

يأتون من قرى الريف التي ليس فيها فرص عمل، بل فقر مدقع.

فبحسب تصريحات عبد الزهرة الهنداوي، الناطق الرسمي لوزارة التخطيط العراقية، وصلت نسبة الفقر في العراق إلى 22.5% عام 2015.

وعلى الرغم من أن القانون يجرّم تشغيل الأطفال، إلا أن ضعف تطبيقه في دولة أنهكتها الحرب لسنوات جعلهم، بطراوة عظامهم، البنية التحتية لصناعات كثيرة تلقى مهماتها الصعبة فيها على أكتافهم.

سجاد خلال ساعات الدوام

يتحدث سجاد وزميله حيدر عن إصابات إعياء كثيرة وأمراض مختلفة أصيب بها كثر ممن يعملون في هذا العمل، نتيجة تعرضهم للشمس الحارقة وغازات المحروقات، كالإغماء والحكة وأمراض الجلد. وأقصى ما يحصلون عليه هو رعاية طبية في غرفة صغيرة يعمل فيها معاون طبي بأدواته وأدويته البسيطة.

حاولنا اللقاء مع هذا المعاون في هذه الغرفة، إلّا أنها كانت مقفلة، فسألنا عن الأمر، فقيل لنا أنها لاتفتح إلا في أوقات قصيرة ومعينة.

عمل الأطفال هناك يعرضهم للإصابة بأمراض جلد عدة”، يقول رئيس قسم أمراض الجلد في مستشفى الكرامة الدكتور علي عبدالرزاق محيي الدين (66 سنة) لرصيف22. ويضيف: “يصابون (الأطفال) بأنواع مختلفة من الأكزيما التي تظهر على الجلد نتيجة ملامسة الجلد مواد الطين التي يصنع منها الطابوق، ما يسبب لهم أيضاً آلاماً ومشكلات كثيرة في الجلد في المستقبل”.

أمراض الجلد ليست هي الناتج الوحيد لعمل الأطفال.

الأبخرة الدخانية التي تخرج من مداخن المعامل، بحسب الدكتور محيي الدين، تحوي مواد سامة تعرض العاملين لأمراض التنفس ومنها الربو وسرطان الرئة. وقد تظهر أنواع أخرى من الأمراض التي تصيب الأنسجة المخاطية بالالتهابات المزمنة، وقد تصيب العاملين كلهم في المصنع، كباراً وصغاراً، ويكون الأطفال أكثرهم عرضة للأمراض.

ليس فقط في الأطراف

أطراف العاصمة ليست هي الوحيدة في ظاهرة عمالة الأطفال.

ففي بغداد، تنتشر هذه الظاهرة وتتفاقم يوماً بعد يوم لتبلغ مستويات كبيرة، وفق ما يذكر مختصون بالدفاع عن حقوق الأطفال والمنظمات الخاصة بهم، لا سيما بعد ارتفاع مستويات الفقر ونزوح أكثر من 3 ملايين مواطن من المناطق التي تعرضت للإرهاب واحتلال داعش.

وبحسب إحصاء وزارة التربية، هناك أكثر من مليوني طفل متسربين من المدارس ولم يلتحقوا بها. وهذا من أهم العوامل التي تخلق بيئة جدية لاستبدال الكتاب بمعول العمل.

يقول الإعلامي أحمد الحسن، وهو مقدم برامج اجتماعية تطرقت كثيراً إلى مثل هذه الظواهر، متحدثاً لرصيف22: “العامل الأول لعمالة الأطفال هو الوضع الاقتصادي وظروف النزوح التي أجبرت العوائل الهاربة من ظلم داعش على دفع أبنائها الصغار للعمل في أي مهنة تؤمن لهم دنانير تساهم في تحسين أوضاعهم داخل المخيمات والبيوت التي نزحوا إليها”.

العامل الأول لعمالة الأطفال هو الوضع الاقتصادي وظروف النزوح التي أجبرت العوائل الهاربة من ظلم داعش على دفع أبنائها الصغار للعمل في أي مهنة تؤمن لهم دنانير تساهم في تحسين أوضاعهم داخل المخيمات والبيوت التي نزحوا إليها

شاركغرد

في الجانب الآخر، يرى ناشطون اجتماعيون أن التعليم المتردي ساهم تارة في الأمر وتأثر تارة أخرى به.

يقول مصطفى ألعميدي (32 سنة) الناشط في حقوق الإنسان، وهو من أبناء محافظة الديوانية جنوب العراق، والتي يأتي منها أطفال كثر وعائلات يعملون في مصانع الطابوق، أن الواقع الريفي لغالبية المحافظات الجنوبية، يفرض التعامل مع الطفل كرجل بالغ لخلق شخصية عنده. وهذا الأمر يترك له الخيار في التسرب من المدرسة، وهو ما تسبب في اختيار العمل بديلاً من الدراسة.

ويرى ألعميدي أن ارتفاع نسب العاملين من الأطفال، أدى إلى تراجع نسب الملتحقين بالمدارس، وبذلك تتسع دائرة الظاهرة التي تجذب العوائل من أجل عمالة أطفالها وإبعادهم من مقاعد الدراسة.

إجراءات بلا رادع

تتعين على النقابة مراقبة العمل وأصحابه وضمان عدم تشغيل من هم تحت السن القانوني، وفي حال حدوثه ترفع دعاوى عليهم وتلجأ إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

يقول يقول ستار دنبوس براك، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق، أن النقابة اتخذت أكثر من إجراء ورفعت دعاوى إلى الجهات المختصة ووزارة العمل، لكن لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة ولم يتم التحرك صوب إيقاف هذه الظاهرة والحد منها. وفي رأيه، فإن الرقابة الضعيفة والرادع الأضعف كانا من أسباب انتشار الظاهرة واتساعها.

ويضيف أن عشرات الدعاوى التي رفعت لم تجد الحل ولا التدبير الفوري، ما دفعه إلى طرح حلول كتشكيل أقسام ومفارز خاصة مهتمة بهذا الشأن وظيفتها توقيف المتسببين في عمالة الأطفال وما يتعرضون له للحد من هذه الظاهرة.

تنفيذ الإجراءات وتطبيق القوانين يقعان على عاتق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق.

لا تنكر الوزارة انتشار الظاهرة واتساع رقعتها، مؤكدة سعيها إلى الحد منها عبر خطوات عدة قامت بها بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية أخيراً.

وبحسب ما يؤكد عمار منعم، رئيس قسم الإعلام والاتصال الحكومي في الوزارة لرصيف22، فإن إجراءها تقييمٌ عام وسريع لأسوإ أشكال العمالة في خمس محافظات عراقية بالتعاون مع منظمة اليونسيف ومنظمة الأمل العراقية.

وقد أحيل أصحاب عمل على المحاكم نتيجة مخالفتهم قانون تشغيل أطفال. وشُكّلت وحدة مكافحة عمل الأطفال في دائرة التشغيل والقروض، تعمل على زيارة الورشات وأماكن العمل لرصد حالات الانتهاكات لقوانين منع تشغيل الأطفال وشروطها.

أخطار عمالة الأطفال لا تقتصر على انتهاك القانون بعمل القاصر

يقول براك لرصيف22: “هناك حالات استغلال وتحرش تسببت في العنف تجاه الأطفال وسلب حقوقهم وسط غياب المدافع عنهم، ناهيك بنوعية الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الصغار وطبيعتها”.

ويضيف واصفاً الأطفال: “أعوادهم الهشة لا تتحمل الوقوف لساعات تحت شمس العراق الحارقة أو العمل في الحدادة وتصليح السيارات وأعمال كثيرة أخرى، فما من مرفق منها إلا ونجد فيه طفلاً يعمل ما ليس مقدراً له”