الثلاثاء: 31 مارس، 2020 - 06 شعبان 1441 - 03:15 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 25 يناير، 2020

بعدما كسب معرض القاهرة الدولي للكتاب الرهان في مقره الجديد شمال العاصمة، تنطلق دورته الـ51، تحت عنوان “مصر إفريقيا.. ثقافة التنوع”، من 22 يناير إلى 4 فبراير، سبقتها تحضيرات مكثفة برعاية وزارة الثقافة والهيئة العامة للكتاب.

دولة السنغال ضيف الشرف، والراحل جمال حمدان باحث الجغرافية المصري، هو شخصية المعرض، الذي أولع بتضاريس بلده وتعمق فيها قائلاً، إن “كل حجر فيها مفعم بعبق التاريخ وعراقته، وكل شبر منها يحمل بصمات إنسان”.

كرنفال الكتاب الأكبر في مصر سيضم 900 دار نشر من 38 دولة، وفعاليات متنوعة يشارك فيها 3502. أرقام تعززها غزارة الإصدارات الجديدة تزامناً مع انطلاق المعرض، دور نشر ومؤلفون كثر يجهدون لإصدار مؤلفاتهم الجديدة تزامناً مع انطلاق المعرض، ليضم عرس الكتاب فيضاً من الإصدارات الجديدة، كلّ يروّج لبضاعته بطريقته، متكئاً إما على اسم لمع عبر مؤلفات سابقة، أو شهرة افتراضية، أو غير ذلك. الأمر الذي يشرع الباب للسؤال حول تأثير زحام الإصدارات الجديدة على جودة المنجز وعلى ذائقة القارئ.. مثقفون وكتاب مصريون يحاولون الإجابة.

سيل من الإصدارات الجديدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. ما تأثير ذلك على جودة المنجز وعلى ذائقة القارئ!

سوق للتفاعل مع القراء

“معرض القاهرة الدولي للكتاب هو أكبر سوق لبيع الكتاب والتواصل مع القراء بشكل مباشر”، يقول الناشر محمد البعلي، مدير دار صفصافة للنشر لرصيف22، معللاً بذلك غزارة الإصدارات الجديدة كل عام تزامناً مع انطلاق المعرض، لافتاً إلى أن الكثير من الكتّاب ودور النشر تحرص على التواجد في المعرض لأجل ذلك.

يتابع، “كون المعرض سوقاً فهذا ينطبق على تجار الكتب والمكتبات وعلى القارئ أيضاً، فنرى تنوعاً في زوار المعرض، لعل أهمهم الزوار المصريون المحليون، ينتظرهم الكتاب الذين يعتمدون على القارئ المحلي، وهم شعراء العامية وأصحاب روايات الثقافة الشعبية، كالرعب والفانتازيا والرومانسية البسيطة، أولئك الكتاب المحليون يعتبرون المعرض سوقهم الرئيس”.

مدير صفصافة يؤكد أن المعرض يعطي الكاتب القدرة على التفاعل المباشر مع الجمهور، “خاصة أن مدة المعرض تسمح بذلك، فيتلقى بشكل ملموس آراء القرّاء في منجزه، على مستوى المحتوى وجودة الطباعة وحتى شكل الغلاف. هنا يلاحظ مدى نجاح الكتاب الجيد ويقف على مشكلاته التي سيحاول تفاديها مستقبلاً”.

المبيعات المباشرة والتفاعل مع القراء وتقدير نجاح الكتاب نواح إيجابية لغزارة الإصدارات في المعرض، أما الوجه السلبي بحسب البعلي، هو الرغبة في إنجاز الكتب سريعاً وفق الجدول المحدد قبيل المعرض، الأمر الذي يولد ضغطاً على المحررين والمصححين وازدحاماً في المطابع، وهذا الضغط ينتج عنه إفلات الكثير من الأخطاء اللغوية.

إصدارات صفصافة في معرض الكتاب تتنوع بين الرواية والقصص المصورة (الكوميكس)، وتقدم ثمانية عناوين بين المترجمات والمؤلفات، تحكي قصصاً حول الجغرافية والتاريخ، والمجتمع في اليابان ومصر وأوروبا وإيران والمنطقة العربية.

الكتب الجيدة ستعيش

الكاتبة نهلة كرم تعتبر أن غزارة الإصدارات الجديدة في هذه الأثناء ظاهرة طبيعية، “خاصة بالنسبة للمؤلفين الذين يقدمون أعمالهم للمرة الأولى، وقد أصبح عددهم كبيراً بالفعل، فهم يجدون معرض الكتاب فرصة جيدة لعرض كتبهم والترويج لها”.

 

غير أن رؤيتها للأمر عكس ذلك، “ستكون فرص الكتب الجيدة في الظهور وسط هذا الكم من الإصدارات ضئيلة للغاية، فالقراء في النهاية محكومون بميزانية محددة لا يمكنهم

تجاوزها في المعرض، ما سيصعب عملية الاختيار بالنسبة لهم، فكثير منهم قد يتجه لشراء الكتب التي تم الترويج لها أكثر من كتب أخرى”.

المؤلفة المصرية نالت منذ أيام جائزة نجيب سويرس الثقافية 2019، لثاني أفضل عمل روائي لشباب الأدباء، عن روايتها “المقاعد الخلفية”، مناصفة. تضيف لرصيف22، أنه حتى ولو ظُلمت كتب جيدة لم يُروج لها وسط زحمة المعرض، “فإنها ستظهر مرة أخرى خلال العام، حين يبدأ النقاد والكتاب في الفلترة بأنفسهم وفي كتابة مقالات عنها، لذلك لا تشغلني كثيراً غزارة الإصدارات، فأنا واثقة في النهاية أن الكتب الجيدة ستعيش حتى لو ظلت مختفية داخل الأرفف لوقت طويل”.

مؤلفون بلا قواعد..

السبب الرئيس لغزارة الإصدارات الجديدة في معرض الكتاب قلّة عدد المكتبات وقلّة التوزيع طوال فترات السنة، الأمر الذي يجعل المعرض الفرصة الأكبر لتواجد الناشر. يؤكد الكاتب محمد توفيق، لافتاً إلى جانب آخر لزيادة عدد الإصدارات هو، “دور النشر التي تنشر لأي شخص لديه عدد كبير من المتابعين حتى لو افتقد لأبسط قواعد الكتابة”.

الكاتب المصري يحتفي بإصداره الـثاني عشر، الذي حمل عنوان “علي وصفية”، صادر عن دار بتانة. رواية بوقائع أقرب إلى الخيال ونهايات غير حتمية. تستند إلى قصة حب حقيقية حدثت عام 1904، بين الصحفي علي يوسف وصفية بنت الشيخ السادات، بسرد مغاير للمألوف يبدأ من ذروة أحداثها عام 1904 عندما ذهبوا إلى المحكمة للتفريق بينهما، ليعود من هنا إلى لحظة تعارفهما، وعبر كواليس القصة، سيطل الكاتب على مايدور في مصر أثناءها، سياسياً وثقافياً واجتماعياً.

يعتبر توفيق أن غزارة الإنتاج ليست المشكلة، بل صميم الأمر هو الجودة والاستمرارية: “شباب كثر أنجزوا عملاً واحداً ثم توقفوا بل وذهبوا بعيداً عن مضمار الكتابة. إذاً الفرق الجوهري بين كاتب وآخر هو المشروع، الكاتب الذي يمتلك مشروع الكتابة هو القادر على الاستمرار”.

صاحب “صناع البهجة” ينهي حديثة بقول استحضره للشاعر اللبناني الراحل أنسي الحاج قاله له يوماً: “كلما فرحنا بقارئ مهتم، اكتشفنا في اليوم التالي أنه أصبح كاتباً”.

سقوط عناوين في الزحمة

كسابقيها تؤكد الصحفية المصرية إيمان علي، أن معرض الكتاب هو الموسم المناسب لطرح العناوين وبيعها والتواصل مع الناشرين العرب والأجانب، الذين يعتبرون المعرض مساحة للقائهم ومشاركتهم وزيادة إصداراتهم أيضاً.

تضيف سبباً آخر لازدحام الإصدارات الجديدة، يتعلق بالأمور اللوجستية بعيداً عن التأليف والترجمة، “له علاقة بأمور إجرائية، منها مثلاً تقيّد بعض دور النشر بشروط اتحاد الناشرين الذي يطلب حداً معيناً من الإصدارات في كل دار نشر، كي تخصص له مساحة في المعرض، ما يدفع دور النشر إلى زيادة عدد إصداراتها”.

الجمهور التاريخي للمعرض، لن يتأثر بازدحام الإصدارات الجديدة، يذهب للمعرض وهو على دراية بالكتب التي سيعود بها. تقول الصحفية في جريدة روز اليوسف، مضيفة أن سلبية هذه الظاهرة ستكون في سقوط بعض عناوين الكتب وسط الزحام، دون أن تأخذ حقها من القراءة: “القارئ سيختار عن وعي إسقاط عناوين بعينها، فلا يشتريها، أو يشتريها ولا يقرؤها لضيق الوقت.. وهنا سنرى خلال العام ظهور بعض الكتب للنور من خلال تداول المقالات والنقاد لها”.

تضيف أن من سلبيات غزارة الكتب الجديدة تزامناً مع انطلاق المعرض خروج الإصدار بجودة أقل من المطلوب من حيث التحرير والإخراج، بسبب سرعة طباعته ضمن الوقت المحدد له قبيل المعرض.

خلال العقد الأخير بات الكتاب العربي متوفراً في بعض مكتبات التوزيع، طوال فترات السنة، ما جعل الكثير من إصدارات المعرض مصرية صرف، وهذا يشكل تحدٍ كبير أمام الناشرين. لذلك عليهم التركيز على الإصدارات بشكل كيفي أكثر منه كمي، حتى لو كان العدد هو سبيل الناشر للمشاركة ولتثبيت أقدامه في عالم النشر، تقول إيمان علي.

أعلنت وزارة الثقافة عن إطلاق تطبيق إلكتروني حمل اسم معرض القاهرة الدولي للكتاب، كما أتاحت الكتب بأسعار مخفضة في جناح الهيئة، إضافة إلى تأمين وسائل نقل إلى مقر المعرض بأسعار رمزية، كل ذلك في سبيل تسهيل وصول عشاق الكتاب، لعلهم يجدون ما يقصدون وسط هذا التدفق الثقافي الغزير.