الثلاثاء: 17 سبتمبر، 2019 - 17 محرم 1441 - 06:31 صباحاً
بانوراما
الخميس: 29 أغسطس، 2019

لم تكن طفولة ليال (اسم مستعار) عادية ومبهجة، فهذه الشابة البالغة من العمر 29 عاماً، عاشت ظروفاً عائليةً صعبة، وتحمّلت مسؤولية إعالة أسرتها منذ أن كانت على مقاعد الدراسة.

كان والد ليال يتمتع بشخصيةٍ قاسية وفجّة، همّه الأول والأخير الانتقام من والدتها عن طريق التعرّف على أكبر عددٍ من السيدات وإيقاعهنّ في شباكه، ونظراً لسوء أحواله المادية غرق في الديون وأصبح الدائنون يلاحقونه باستمرار، فقرّر الفرار من المنزل والتملّص من جميع واجباته الأبوية، أما والدة ليال فكانت تعيش على المهدئات، وتقبع طوال النهار في غرفتها من دون أن تلتفت إلى شؤون المنزل.

وعليه لم يكن أمام ليال سوى خيار واحد: الاعتماد على نفسها والقيام بكل ما بوسعها لمساعدة إخوتها الأصغر منها سنّاً…

أما في وقت الفراغ فكانت تحبس نفسها في غرفتها وتغوص في الكتب التي تستعيرها من صديقتها المقرّبة: “كنت آكل الكتب أكل، بلش بكتاب وما إرتاح إلا لما يخلص”، وتضيف لرصيف22: “عنجد الكتب هيي يلي خلتني إهرب من الوضع الصعب يلي كنت عايشي فيه…ثقفتني وعلمتني كتير قصص وأهم شي خلتني إحلم”، وبالفعل تمكنت هذه الشابة من أن تحقق حلمها وتصبح مهندسة ديكور.

الهروب من الواقع

توفر الكتب شكلاً من أشكال الهروب أكثر من أيّ عملٍ فني آخر، بحسب ما تؤكده إيلا بيرثود، خبيرة العلاج بالقراءة، لموقع بي بي سي: “عندما تشاهدون فيلماً أو برنامجاً تلفزيونياً فإنكم ترون الصورة جاهزة، بينما في الرواية فإنكم تخلقون الصورة”.

 

وفي سياق حلقة نقاشٍ تدور حول القيم العلاجية للقراءة، أكّد خبراء العلاج بالقراءة (معالجون يستخدمون الكتب كجزءٍ من العلاج النفسي) أن القراءة قادرة على شفاء النفس وتحسين الصحة العقلية.

 

واستناداً إلى تجربته الشخصية، أعطى الروائي اليكس ويتل، مثالاً قوياً عن التأثير الانتقالي لإحدى القصص الخيالية عليه (رواية هكلبيري فين) أثناء إقامته في منزل لرعاية الأطفال في جنوبي لندن، وعن هذه التجربة يقول: “كان منزل الرعاية وحشياً للغاية، لذا كان هذا الكتاب ملاذاً أهرب إليه من الاضطرابات اليومية”.

ويضيف: “على الأقل، في الساعة التاسعة أو التاسعة والنصف مساءً، كان بامكاني الاختباء تحت الأغطية مع مشعلي الصغير حيث أتصفّح تلك الصفحات، كنت أتخيّل نفسي أطفو على نهر المسيسيبي، وأصادف قوارب بخارية وأتخذ قراراتي الخاصة بشأن المكان الذي أذهب إليه من أجل الأكل والراحة”.

شفاء الروح

“ليست الكتب التي تقدم المساعدة الذاتية وحدها هي التي تحسّن من حياتنا ورفاهيتنا، لكن كتب القصص والروايات أيضاً يمكن أن تفيد بدورها في علاج العديد من أمراضنا”، هذا ما أكّده الكاتب هيفزيباه أندرسون في مقاله الذي ورد على موقع بي بي سي.

 

صحيح أن الكتب لا تصنع المعجزات، ولكن الروايات بإمكانها أن تقدّم المعلومات والقصص التي تعزّز وتحفّز التفكير الذاتي، أما الشعر فقد تبيّن أنه يشغّل أجزاءً من العقل ترتبط بالذاكرة.

 

وقد اعتبر أرسطو أن الشعر، الذي يُقصد به الخيال بشكلٍ عام، أكثر جديةً من التاريخ ذاته، ففي حين أن المؤرّخ منهمك بما حدث، فإن الخيال يسمح لنا برؤية ما يمكن أن يحدث، وعليه في بعض الأحيان يتمكّن المؤلف من أن يساعدنا بمجرد أن يصرف ذهننا عن مشكلةٍ ما، ويجعلنا منغمسين كلياً في عالم شخصٍ آخر.

 

نحن نفكر في الروايات كأماكن نفقد فيها ذاتنا، ولكن عندما نخرج منها نأخذ معنا الإلهام من شخصياتنا المفضلة والأقرب إلينا.

 

في الواقع إن العلاج بالقراءة أو الـ bibliotherapy هو شكل من أشكال العلاج الذي يعترف بأن الكتب لديها قدرة على مساعدة الناس في حلّ المشاكل التي يواجهونها.

 

في العام 1941 اعترف قاموس دورلاند الطبي المصوّر لأول مرة بالعلاج بالقراءة، وعرف المصطلح بيبليوثيرابي bibliotherapy بأنه “استخدام الكتب وقراءتها في علاج الأمراض العصبية”، لكن طبقاً لقاموس أوكسفورد الإنجليزي ظهر المصطلح مطبوعاً لأول مرة في العام 1920 فيرواية كريستوفر مورلي the haunted bookshop (المكتبة المسكونة).

 

والحقيقة أن مفهوم العلاج بالقراءة ليس مفهوماً حديثاً، فقد وضع اليونانيون القدماء لافتات فوق أبواب المكتبات تبلغ الرواد بأنهم داخلون إلى مكانٍ لشفاء الروح.

 

العلاج بالقراءة أو الـ bibliotherapy هو شكل من أشكال العلاج الذي يعترف بأن الكتب لديها قدرة على مساعدة الناس في حلّ المشاكل التي يواجهونها.

 

على غرار تناول الطعام الصحي وممارسة التمارين الرياضة للحفاظ على الصحة البدنية، فإن القراءة تقوي عضلات العقل ويمكن أن تساعد على الاسترخاء بعد يومٍ طويل ومرهق.

 

واللافت أن الكثير من الأبحاث تشير إلى وجود علاقةٍ قوية بين التديّن والصحة العقلية، فقد أوضح موقع سيكولوجي توداي أن جزءاً لا يتجزأ من التديّن يشمل قراءةً منتظمةً للنصوص المقدسة، والتي يمكن أن توفّر الكثير من العزاء والدعم للمؤمنين الذين لديهم مشاكل نفسية.

 

ففي القرن التاسع عشر، كان الأطباء وممرضات العيادات النفسية يقدّمون للمرضى كتبا بدءاً من الإنجيل وصولاً إلى أدب الرحلات وغيرها من المؤلفات بلغاتٍ قديمة، وفي القرن الثالث عشر كان القرآن يوصف كعلاجٍ للمرضى الراقدين في مستشفى المنصورة في القاهرة.

 

إن العديد من الأشخاص كشفوا عن شفائهم من الأمراض عن طريق قراءة الكتب الدينية، وفي هذا الصدد كتب أحدهم في موقع ملتقى الفيزيائيين العرب مقالاً بعنوان: “كيف نشفي أمراضنا بالقرآن الكريم”، متحدّثاً عن تجربته الشخصية وشفائه من مرضٍ محدد عبر قراءة آيات معيّنة من القرآن.

فوائد المطالعة

صحيح أن الكتب تُعدُّ شكلاً من أشكال الترفيه، ولكنها تعزّز أيضاً الصحة العقلية، على غرار تناول الطعام الصحي وممارسة التمارين الرياضة للحفاظ على الصحة البدنية، فإن القراءة تقوي عضلات العقل ويمكن أن تساعد على الاسترخاء بعد يومٍ طويل ومرهق.

من خفض مستوى التوتر وصولاً إلى التعاطف مع الآخرين، إليكم الفوائد التي يمكن أن يجنيها المرء من المطالعة:

القراءة تساعدكم على التخلص من التوتر: بامكان القراءة أن تقلّل من مستويات الإجهادبنسبة 68% وفق ما أكّدته دراسة أجرتها جامعة ساكس، بحيث تمت مراقبة مستويات التوتر ومعدلات ضربات القلب أثناء تجربة مجموعةٍ متنوعةٍ من طرق الاسترخاء، مثل الاستماع إلى الموسيقى، القيام بنزهة، تناول كوب من الشاي…ولكن تبيّن أن القراءة هي أقوى وسيلة لمساعدة الجسم والدماغ على الاسترخاء.

القراءة تجعلكم أكثر تعاطفاً مع الآخرين: إذا كنتم من الأشخاص المتعطشين دوماً إلى القراءة وبخاصة روايات الخيال الأدبي، فإن هذا قد يدل على أنكم تملكون بعض الصفات الإيجابية المميزة، مثل التعاطف مع الآخرين وفهم مشاعر الطرف الآخر، فقد درست جامعة بافالو هذه النظرية ووجدت أن القصص التي نقرأها والشخصيات التي نتشبّه بها ونتعلّم منها، تساعدنا على فهم الحياة بصورةٍ مختلفةٍ وبمنظورٍ إيجابي، فقد نشرت دورية علم النفس الاجتماعي التطبيقي (أبلايد سوشال سيكولوجي) بحثاً أظهر كيف أن قراءة قصص هاري بوتر جعلت الشباب الصغار في بريطانيا وإيطاليا، أكثر استعداداً وإيجابية إزاء الأقليات المهمّشة مثل اللاجئين.

القراءة تساعدكم على إبعاد شبح الخرف: أظهرت الأبحاث أن بعض الأنشطة التي تحفز الدماغ، مثل القراءة، قادرة على درء التدهور العقلي وبعض الحالات التي تصيب العقل البشري مثل الخرف، هذا بالإضافة إلى تحسين الذاكرة والتركيز.

القراءة شكل من أشكال العلاج النفسي: أثناء القراءة نشعر أحياناً بأن حالتنا تشبه حالة إحدى الشخصيات الموجودة في الكتاب، وبالتالي نحاول البحث من خلال الصفحات على حلولٍ قد تساعدنا في حياتنا الشخصية، من هنا فإن القراءة، وكما أشرنا في السابق، تعتبر شكلاً من أشكال العلاج النفسي حيث تثير الشخصيات الماضي الذي اختبرناه والصراعات الشخصية التي لم نتمكّن من حلها، وتتيح القراءة رؤية الأمور بصورةٍ أوضح…وأياً كانت المشكلة التي نجد نفسنا فيها، هناك دوماً كتاب يذكرنا بأن أناساً قبلنا عايشوا هذه التجارب، وأن الأمر يتعلق فقط بالعثور على الكتاب المناسب.

باختصار نحن نفكر في الروايات كأماكن نفقد فيها ذاتنا، ولكن عندما نخرج منها نأخذ معنا الإلهام من شخصياتنا المفضلة والأقرب إلينا، فالانغماس في عالم القراءة يشبه الغوص في عالمٍ جديد، بحيث يشعر الفرد بأنه أصبح جزءاً من عالم خيالي بعيد عن المشاكل والصعوبات اليومية، والأهم أن الحبكات تجعل القارىء يحلم ويطلق العنان لمشاعره وخياله، فيتخيّل نفسه بطلاً قادراً على تذليل جميع العوائق أو فتاةً قويةً ومتمرّدة تمكّنت من فرض نفسها وإثبات مكانتها…بمعنى آخر يمكن لمعايشة تجارب ومحن شخصية خيالية أن تفتح عيوننا على مشاكل كنا نتجاهلها، وأن تُثير محادثات مفيدة أو تقدم حلولاً لمشاكل وهواجس قد تبدو مخيفة أو مستعصية، وعليه غالباً ما يصبح الكتاب الصديق الحميم الذي يساعد في عملية الشفاء ويفتح باب الأمل بمستقبلٍ أفضل.