الأربعاء: 16 يونيو، 2021 - 06 ذو القعدة 1442 - 01:47 مساءً
اقلام
الأحد: 19 فبراير، 2017

قبل أيام اندلع نزاع بين عشيرتين وشهد تبادلا لإطلاق النار بالأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية وسط محافظة البصرة . المصدر الأمني الذي لم يذكر اسمه أفاد أن أي “معلومات لم ترد عن وقوع إصابات من جراء النزاع”، موضحا أن “القوات الأمنية قامت بتطويق موقع النزاع تمهيدا لإلقاء القبض على المشاركين فيه”.
تستطيع عواجل برس التي نشرت هذا الخبر أن تؤكد أن القوات الأمنية لن تلقي القبض على المشاركين ، أو هي لا تستطيع ، فالعشائر أقوى منها ، وهي نفسها جزء من المنظومة القيمية للعشائر .
الواقع ليست هذه هي المرة التي يندلع فيها نزاع عشائري في مدينة البصرة ، فمنذ أن باتت العشائر تصول وتجول ، بعد أن قام المالكي بتسليحها حتى بالأسلحة الثقيلة ، ومنذ أن انقلبت فيها الطوائف الى عشائر ، وتحولت فيها العشائر الى طوائف ، ولا فرق كبير ا في الحالتين ، والعراق يشهد أسوأ أنواع النزاعات العشائرية . والحال أن مادة الطوائف هي العشائر ، والطوائف باتت تعمل في السياسة ، وتقودها عناصر عشائرية – طائفية مسيسة .
إن واحدة من غرائب الأمور أن التاريخ الاسلامي ، والثقافة الاسلامية كلها ، تقول إن الإسلام وحّد العرب بعد أن كانوا قبائل متحاربة ، وأنهم باتوا أمة واحدة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . والمعروف أن الاسلاميين هم من يسيطر على مفاصل الدولة في العراق ، كما أن حزب الدعوة ، وهو فصيل متقدم من التيارات الاسلامية ، ويعادي الروح العشائرية ، يقود السياسة في البلد . لكن الحقيقة أن أسوأ أشكال العشائرية هي التي تتحكم في الحياة الاجتماعية متظاهرة هي نفسها بالاسلام ومتطابقة معه ، ونعني بالطبع الاسلام الحالي المسيّس والمتشظي بالعشائر ورؤساء القبائل والمتنفذين وأصحاب الأموال .
قلنا أنها ليست المرة الأولى التي يندلع فيها نزاع عشائري في البصرة ، فهذه المدينة المتحضرة ، مع ريفها الكبير ، باتت ساحة لقتال العشائر ، يبدأ من نزاعات تافهة لا يراجع في حلها السلطات بل القنابل والرشاشات . ففي حزيران 2015 اندلعت معارك بين عشيرتي الصيامر والحمادنة ، وفي الفترة نفسها تقريبا اندلعت معارك في القرنة بين بني مالك وابو بخيت ، وفي الكرنة ايضا حدثت معارك بين عشائر أخرى ، وهكذا الحال في الحيانية عام 2016 .
هذه المعركة استدعت تدخل الدولة التي شنت حملة ، بطلب من رئيس الوزراء حيدر العبادي ، بسحب “الأسلحة المتوسطة والثقيلة” من العشائر ، و” مع ملاحقة الرجال المتسببين بالنزاعات وإلقاء القبض عليهم”.
في أثناء مؤتمر الإعلان الرسمي لمجلس عشائر ومكونات محافظة البصرة في 12 كانون الثاني 2016 تحدث رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي قائلا : “لا إعمار ولا خدمات ولا ازدهار في البصرة وبقية المحافظات إذا ضاع الأمن” .
وقال العبادي لشيوخ العشائر إن “القتال بين العشائر غير مقبول ولا يمكن للبعض القليل أن يمزق وحدة النسيج المجتمعي للبصرة ، فأمن البصرة من أمن العراق ، وللأسف مع انتصاراتنا على عصابات داعش الإرهابية فإن البعض أثار النزاعات والخلافات التي تؤدي إلى خروقات أمنية”.
وخلال هذا المؤتمر نفسه صرح العبادي أن هناك قوة ضاربة جاءت من بغداد لفرض الأمن وهيبة الدولة وتحقيق الأمن المجتمعي (في البصرة).
الحقيقة أن آلية سحب السلاح اصطدمت بمعوقات كثيرة . هذا ما أفاد به الأمين العام لحركة عشائر العراق الشيخ محمد الدنبوس لموقع المونيتور ، والسبب هو “ضعف الدولة”.
من الواضح ان هذا السبب يفسر الكثير ، يفسر حتى وجود تنظيمات عشائرية تحاول أن تبرر نفسها بوصفها جزءا من المجتمع المدني.
الدنبوس أشار بوجه خاص إلى وجود “جهات كثيرة مشاركة في الدولة تحمل السلاح خارج إطار الأجهزة الأمنية، الأمر الذي ساهم بتدهور الوضع الأمني وجعله ركيكاً”.
من هذه الجهات إذا لم تكن هي ميليشات تستغل مشاركتها في الحشد الشعبي لتعيث فسادا في مكان آخر.
وكان الدنبوس أوضح أن “القوات الأمنية بدأت بتنفيذ حملات دهم وتفتيش في البصرة بحثاً عن الأسلحة بعد أن أوعز العبادي بسحبها”، موضحاً أن “الخطط الأخيرة لشرطة البصرة ساهمت بسحب السلاح وسهّلت بعض العشائر عملية تسليم السلاح”، إلا أن “هناك جهات – لم يسمها- وعشائر لا ترغب بسحب السلاح واستتباب الوضع الأمني”.
هذه الصعوبات يؤكدها عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي اسكندر وتوت الذي صرح للموقع نفسه، إن “من الصعوبة للغاية أن يتم سحب السلاح من العشائر”، لافتاً إلى أن “السلاح بين العشائر منتشر بشكل كبير”. وقال إن “أغلب العشائر اليوم تقاتل تنظيم (داعش) إلى جانب فصائل الحشد الشعبي أو إلى جانب القوّات الأمنية”. وأضاف أن “كل أفراد العشائر تمتلك أسلحة في منازلها”.
نعم ينتمي أغلب العراقيين إلى عشائر، لكن بسبب ضعف الدولة وجدنا أنه حتّى أولئك الذين انسلخوا من عشائرهم ، كونهم سكنوا المدن أو من الموظفين المدنيين ، عادوا الآن إلى الأعراف العشائرية . بل تستطيع عواجل برس أن تؤكد وجود مسؤولين في السلطة حلّوا نزاعاتهم السياسية عن طريق الأعراف العشائرية.
إن أخشى ما نخشاه في المستقبل أن تبتز العشائر الدولة لقاء مشاركتها في القضاء على داعش ، عندها ستواجه الدولة التي يقودها العبادي بأناة وصبر ، مطالبات مسنودة ببرامج سياسية لا قبل الدولة بتنفيذها.
إن عواجل برس تنبه .. وهذا أضعف الإيمان!