الثلاثاء: 21 مايو، 2019 - 16 رمضان 1440 - 08:33 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 30 أبريل، 2019

د.حميد عبدالله

لغيابة الجب دلالة واضحة في القرآن الكريم تشير الى ( ظلمة البئر) كما ورد في سورة يوسف (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب) ، ويقال، وقعوا في غيابة من الارض، اي في منخفض منها ، وقد رأيت ان أقرب تشبيه لتغييب الدولة العراقية وابتلاعها من قبل دولة الظل ، او الدولة العميقة ان تكون قد ( القيت في غيابة الجب)!!

 

ابتلاع  الدولة العراقية  وتغييبها مر بمراحل كثيرة  بدأت منذ اقتحام القصور الملكية في العراق فجر 14 تموز 1958 مرورا بالجمهوريات الخمس التي حكمت العراق  على مدى اربعة عقود ونصف مضت، وصولا الى ضياع الدولة وتبددها وسرقتها وابقائها ظلا هشا للجماعات المسلحة ومافيات الفساد في مرحلة ما بعد نيسان 2003.

 

حين يفقد راس الدولة القدرة على الامساك بخيوط دولته ، وضبط ايقاعها عندئذٍ تبدأ الدولة  العميقة بازدراد دولة المؤسسات ، لكن الاخطر من ذلك حين يتحول رأس الدولة نفسه قائدا لدولتين في آن معا دولة المؤسسات ، ودولة الظل !

 

ثمة طريقان لإنتاج الدولة العميقة فمرة تولد تلك الدولة من تحت عباءة النظام السياسي نفسه من خلال اجهزة الامن التي  تتحول الى  دولة داخل الدولة ، ويكون الهدف من ذلك هو الحفاظ على النظام السياسي وحمايته ، اي التضحية بالنظام المؤسساتي لصالح النظام الحزبي ، او العائلي ، او الفردي ، ومرة تتكون الدولة العميقة على هامش دولة المؤسسات ثم تأخذ بالتوسع والتعمق لتبتلع ( الدولة الام ) وتغيبها  وتحل محلها ، او تتحكم بها   في السر والعلن!

 

في الولايات المتحدة الامريكية تشكل وكالة الامن القومي ، وجماعات الضغط ،  ومافيات المال والتجارة  التي  تصنعها الاحزاب او الاقليات الدينية احيانا دولة عميقة تتحكم حتى في نتائج الانتخابات الرئاسية ، وتنعكس على سياسات ومواقف الرئيس المنتخب والامثلة في التاريخ الامريكي كثيرة !

 

وفي تركيا هناك نموذج مغاير للدولة العميقة لسنا بصدد تشريحه او رسم معالمه .

اما في العراق ، وهو موضوع البحث ، فان الاعلان عن ولادة الدولة العميقة بدأ مذ فقد الزعيم عبد الكريم قاسم السيطرة على ( الغوغاء السياسي) ، ومذ تحول الصراع بين القوى  الحزبية الى مجازر اصطبغت مدن العراق بدماء ضحاياها، ومذ تحدت ( حبال المقاومة الشعبية) هيبة الدولة ، اذ ذاك لم يعد الحاكم بقادر على ضبط الايقاع السياسي ، أو لجم الانفلات ، ما تسبب بفقدانه للتوازن، والسيطرة وانتهى بسقوطه الدامي والحزين والمروع!!

 

لم تشفع لعبد الكريم قاسم نزاهته ووطنيته وتساميه على التحزب والتكتل والانحياز من أن يكون ضحية لـ(دولة عميقة) ساهم بقصد او بغفلة في تأسيسها ، وكانت المؤسسة العسكرية التي انجبت و انتجت قاسم عنوانا بارزا لتلك الدولة  العميقة التي غدرت بقاسم في لحظة من الضياع والتيه والارتباك!

 

هل نستطيع القول ان حبال المقاومة الشعبية هي من  تسببت بإنتاج البيان رقم 13 الذي اصدره الحاكم العسكري العام رشيد مصلح  في يوم  8 شباط 1963 والذي خول فيه ( القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن، وإننا ندعو جميع أبناء الشعب المخلصين بالتعاون مع السلطة الوطنية بالإرشاد عن هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم ) وهو بيان ابادة للشيوعيين حيثما وجدوا ؟

 

نعم نستطيع     وبكل ما تحمله الوقائع من  ادلة ودلالات ان نقول ذلك!!

ونضيف ان مرحلة جديدة من تغول الدولة العميقة قد بدأت بالفعل،  وان رشاشات بورسعيد المصرية قد حلت محل ( الحبال الشيوعية) ، في اشرس تنافس وتنازع وإزاحة وإزاحة مضادة بين القوى التي تتصارع لترسيخ أسس الدولة العميقة  وتعميقها  بعيدا عن اي قانون او دستور او دور لدولة المؤسسات التي  اصابها دوار سياسي حاد تسبب بارتباكها وترنحها  وانتهى بسقوط   تجربتها السياسية القصيرة  في 18 تشرين 1963على يد عدد من الضباط  والحزبيين الذين شكلوا نظام الحرس القومي  ثم  انقلبوا عليه وساهموا  في خلعه !

 

باستثناء ، تبعية نظام عبد السلام عارف الى النظام السياسي في مصر ، ووجود اجنحة سياسية تتقاسم المؤسسة العسكرية  العراقية  وتتحكم بها  والذي يعده بعضهم مظهرا  من مظاهر  اضعاف دولة المؤسسات لحسب دولة الظل  ، فان عهد العارفين عبد السلام وعبد الرحمن الممتد من 18 تشرين 1963 الى 17 تموز  1968  كان  خلوا  من مظاهر  الدولة العميقة  وتأثيراتها  ،  وبالإجمال  يمكن القول ان  العهود التي اعقبت سقوط الملكية في العراق شهدت نشوء وتمدد ثم تغول الدولة العميقة  ، بل ان  دولة المؤسسات انزوت جانبا وتهمشت أمام   الدولة العميقة في العقود الاخيرة التي سبقت الاحتلال الامريكي للعراق في 9 نيسان 2003

 

 مع حقبة البعث الثانية التي امتدت من 17 تموز 1968 حتى 9 نيسان 2003  تمددت الدولة العميقة وتغلغلت ثم تعمقت فيما دولة المؤسسات راحت تتقزم وتضمحل وتضعف الى الحد الذي هيمن فيه ( رجال الظل) على جميع   مؤسسات الدولة ومفاصلها!

 

منذ جهاز حنين،  مرورا  بتأسيس دائرة العلاقات العامة التي تحولت فيما بعد الى جهاز المخابرات ،وصولا الى انشطار الاجهزة الامنية انشطارا  اميبياً وتوسعها ، ومنحها صلاحيات غير مسبوقة في نهاية عقد السبعينات ، و(الاغداق) عليها  بدعم معنوي ومالي مفتوح تشكلت ، بموازاة لك ، دولة أخرى تعمل تحت الارض ،  أخذت تسلب (الدولة الام) بعض دورها، وتستحوذ على صلاحياتها  بنحو تدريجي مبرمج ومدروس!

 

سألت القيادي في حزب البعث “تايه عبد الكريم” ان كان مجلس قيادة الثورة قد ناقش قضية اعدام السيد محمد باقر الصدر في نيسان 1980 فأجابني بالقول: ان اعضاء القيادة ممنوعون من التدخل في الشأن الامني ، ولا يحق لأي مسؤول   حزبي  أو حكومي مهما كان موقعه ان يستفسر من الاجهزة الامنية عن مصير اي شخص محتجز او معتقل لدى  تلك الاجهزة!

 

في مطلع السبعينات أختُطِف القيادي الشيوعي ثابت حبيب العاني من منطقة الكرادة وسط بغداد بعد خروجه مباشرة من مكتب الرئيس احمد حسن البكر ، وحين علم  سكرتير البكر وصهره منذر المطلك باختفاء العاني دخل على البكر في حالة هستيرية وأخبره انه لن يعود الى عمله مالم يفرج عن العاني ، واجرى البكر اتصالا فوريا مع مدير المن العام  ناظم كزار يساله عن مصير القيادي الشيوعي   فاخبره ناظم انه  محتجز  لدى الامن  بأمر من النائب صدام حسين ،  ولا يمكن الافراج عنه الان لأنه في حالة مزرية، وان آثار التعذيب مازالت بادية عليه !

 

 ويروي  سكرتير الحزب الشيوعي العراقي عزيز محمد  انه في احدى اللقاءات التي جمعته مع الرئيس البكر ونائبه صدام حسين عام 1970  

(( أبدى البكر الترحيب بنا ومن ثم تحدث عن الرغبة بالتحالف بيننا . فأبديت له استغرابي حيث يجري اعتقال مجموعة من الشيوعيين في كل يوم، ويجري اغتيال قيادي في الحزب الشيوعي بصورة غريبة . فتدخل صدام في هذه اللحظة وقال إن الجماعة الاخوان يقصد (الشيوعيين) صوروا العراق للعالم وكأنه معتقل.
فتدخلت لأبدي برأيي، فقلت له سأعطيك أسماء اثنين من كوادر الحزب الشيوعي العراقي اعتقلوا قبل مدة ولا نعرف مصيرهم. فسأل صدام من؟. قلت له كاظم الجاسم وعزيز حميد. وقام صدام أثناء ذلك بالاتصال بشخص دعاه أبو حرب ( المقصود ناظم كزار)، وسأله عن مصير الرفيقين. وبعد برهة من السكوت، قال صدام أعطنا أسماء غيرهم. فاستنتجت بأنه قد تم تصفيتهما   )).

 

وفي مؤتمر للمحافظين عقد في مطلع عقد الثمانينات سأل احد المحافظين صدام حسين  ان كان مدير الامن في محافظته يعمل في معزل عن الدولة ام ضمن سياقاتها،  وحين استفسر صدام من المحافظ عما يقصده،  اوضح الاخير ان مدير الامن يرفض الاجابة عن مصير اي شخص  يعتقله رجال الامن ما يسبب حرجا للمحافظ الذي يعد ممثلا لرئيس الجمهورية،  فانزعج صدام ونهر المحافظ قائلا: لا علاقة لك بعمل مدير الامن ..اهتم بالخدمات وشؤون المواطنين ودع امور الامن للمختصين!!

 

ما جرى في عقد السبعينات  ربما كان  مجرد تهيئة  وتمرين لتمدد الدولة العميقة التي أخذت تهمش دولة المؤسسات  وتحل محلها تدريجيا ، ومع حلول عقد  التسعينات ، وما رافقه من اضعاف للدولة بسبب الحروب والحصار كانت هناك دولتان في العراق دولة ظاهرة ودولة خفية الاولى لا حول لها ولا قوة بما تتخذه الثانية من اجراءات وقرارات وتغييبات واعتقالات  واعدامات تطال الجمع دون  فارق بين وزير وخفير باستثناء رأس النظام وعائلته!

 

في جميع المعايير فان ما حدث بعد عام 2003 لا يقارن مع اية تجربة اخرى من حيث غياب دولة المؤسسات لحساب نماذج ومسميات اخرى لـ( الدولة) !

 

لم  تكن الدولة  بعد احتلال العراق في 9 نيسان 2003 قد وضعت في غيابة الجب بل اختطفت وغيبت وابتلعت ولم تفلح بالعودة الى دورها ووظيفتها حتى اللحظة!

واذا كانت (الدولة العميقة) في نظام البعث هي من صنع النظام نفسه لتكون حصنا ودرعا يحمي رأس النظام ، فإنها في حقبة ما بعد 2003 كانت نتاج الفوضى والضياع والتخبط والتيه ، وكل تلك العناوين انما هي نتاج خراب ممنهج اريد منه نسف اية فرصة لإعادة بناء الدولة العراقية على اسس وطنية سليمة بعد ان تم تفكيكها والشطب عليها  بقرار  مبرمج ومدروس !

للدولة العميقة معالم ومواصفات واضحة تختلف من حقبة الى اخرى من حيث تأثيرها وتمددها واتساعها  لكن الامر مختلف تماما في حقبة ما بعد 2003 !!

 

لقد طغت مسميات اخرى لــ(الدولة)على المسمى الحقيقي لها ، فعرف العراقيون  صيغا اخرى للدولة عدا صيغة دولة القانون والمؤسسات والدستور !

  برزت دولة العشيرة وظهرت دولة الاحزاب وتغولت دولة المليشيات واستقوت دولة اجهزة المخابرات الاجنبية ، ودولة المافيات وجميعها تقتات من  الدولة الام  وتعتاش عليها!

في حقبة ما بعد  2003 لم تلق الدولة العراقية في غيابة الجب بل ابتلعها الحوت،   واذ  تحين لحظة خروجها من بطن ذلك الحوت فهل سنجد فيها بقية دولة ام انها  ستأتينا كائنا غريبا لا صلة له بماضي الدولة العراقية وموروثها!؟

الارجح انها ، ان عادت، ستعود دولة منغولية لا تمت بصلة لسلالة الدول الحديثة ولا تحمل من جيناتها شيئا! !

.